التغيير : الخرطوم  "بدأت تعاطي المخدرات في عامي الأول بالجامعة عندما اصطحبوني إلى تلك المزرعة، وفي العام الثاني أصبحت مدمنا لا استطيع العيش بدونها، فاضطررت للسرقة" هكذا حدثنا أحد الطلاب بمركز علاج الإدمان، بعد ان شدد على حجب هويته!

وواصل الطالب في رواية تفاصيل مأساته ” للتغيير الالكترونية” : “أصبحت لا أستطيع  العيش الا بعد ان أتعاطى سيجارتين من ” البنقو ” يوميا”. وأشار إلى أن  هنالك عصابات متخصصة  داخل  الجامعة تروج للمخدرات وسط الطلاب ” في البداية دعونا لأحد المناشط خارج الجامعة وبعدها اصبحوا ينظمون لنا رحلات في احدى المزارع الراقية بالخرطوم وبدأوا يحثوننا على تعاطي المخدرات من اجل نسيان الواقع والمشكلات التي تحيط بِنَا “. وزاد وهو يتحدث بآسى” مع مرور الوقت بدأت التعاطي بشكل كثيف حتى وصلت الى مرحلة الادمان وأصبحت لا أطيق الحياة واضطررت الى السرقة من أجل توفير (قروش البنقو) حتى تدخل بعض من اهلي وأقنعوني بالمجيء الى هذا المركز من أجل العلاج”. 

 

كان لافتا ان معظم الذين يتعالجون من الادمان في المركز المتخصص  الذي زرناه من طلاب الجامعات والشباب ، حيث وصلت نسبة الطلاب الى اكثر من50% من مرتادي المركز ومعظهم يتعالجون من إدمان المخدرات وليس الكحول. 

 

 وهذا مؤشر للتزايد الملحوظ في عدد المدمنين وسط هذه الفئة ولا سيما في الجامعات الخاصة. وكشفت دراسة حديثة ورسمية ان نسبة الطلاب المدمنين في الجامعات السودانية ١٥٪ ، وان ٥٪ من هذه النسبة من الطالبات. 

 

كما تشير الإحصاءات الرسمية الى ان الجرائم المرتبطة  بالمخدرات زادت في الآونة الأخير. وقال الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة السودانية اللواء السر احمد عمر  أن المخدرات أصبحت في المرتبة الثانية في الجرائم الخطرة بعد تجارة السلاح ، كاشفا عن ٨٠٪ من الجرائم الخطيرة والشاذة مثل القتل والاغتصاب والاعتداء على النفس بسبب المخدرات والمسكرات. 

غير ان هنالك أصواتا تنتقد أداء الشرطة فيما يتعلق بمكافحة المخدرات حيث تكثر في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الاتهامات باشتراك قيادات عسكرية وشرطية في عمليات إنتاج وتوزيع المخدرات خاصة في مناطق النزاعات مثل دارفور والنيل الأزرق. وزعمت بعض المصادر  ان السيارات والمركبات الخاصة والرسمية تستغل في إيصال المخدرات الى الخرطوم حيث يكثر الطلب عليها. 

وتنفي الشرطة هذه الاتهامات بل ان الناطق باسمها اكد  ان “الشرطة لا تتسامح أبدا في جريمة المخدرات وأنها لاتسقط عقوبة من أدين بها تجارة، أو ترويجا أو  تعاطيا مهما حدث “. كاشفا عن ان شرطة أمن المجتمع تسير يوميا اكثر من ٣٠٠ دورية في العاصمة الخرطوم ويستهدف معظمها أماكن المخدرات بهدف تلافي الجريمة قبل وقوعها. 

 

إلا  أن جدلا كثيفا قد شغل الرأي العام  حينما ضبطت السلطات الامنية والشرطية في أبريل 2014 خمسة حاويات ضخمة تحوي كمية من المخدرات المدسوسة داخل جولات للأعلاف، في ميناء بورتسودان ، وهذه الشحنة هي الأضخم في تاريخ السودان،  وراجت تسريبات إعلامية عن ارتباط نافذين كبار في الدولة بهذا الشحنة لأن الشركة المستوردة لهذه الأعلاف شركة أمنية “الحلول المتكاملة” يشرف عليها نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية السابق ويملك غالبية أسهمها عبدالله البشير ، وقد صدر حكم ببراءة جميع المتهمين الذين قبض عليهم في هذه القضية.

كما ضبطت  شحنتان كبيرتان من المخدرات في ظرف أسبوعين مؤخرا دون توجيه اتهامات إلى أشخاص بعينهم.   

 

ويعود  الناطق باسم الشرطة  ويدافع عنها بالقول انها لم تتقاعس عن دورها في حماية البلاد من المخدرات التي تأتي من خارجها، وبرر عدم القبض على أصحاب شحنة المخدرات الأولى  بأنهم موجودن خارج البلاد وأن السودان كان مجرد دولة معبر وليس دولة “منبع أو مصب” على حد تعبيره.

إلى ذلك أدى استفحال المشكلة إلى إثارتها في البرلمان(يسيطر عليه حزب المؤتمر الوطني الحاكم وأحزاب موالية له بأكثر من 95%)، حيث طالب النائب المستقل الماحي عثمان بتشديد العقوبات في قضايا المخدرات منتقدا الإسراف في اقتصار العقوبة على الغرامة.

وقال الماحي، خلال مداولات النواب في جلسة الاثنين 30 نوفمبر، ان هنالك “التفاف فى تنفيذ القوانين””،  وأعاب على القضاة اللجوء الى فرض الغرامات المالية فى قضايا المخدرات. مستنكرا إطلاق  سراح متهمين في “قضية مخدرات” مقابل دفع مبلغ 20 ألف جنيه.

ويقول  المسئول في وزارة الرعاية و التنمية الاجتماعية عبد الله النور “إن أهم أسباب تعاطي المخدرات هو سهولة الحصول عليها ورخص اسعارها” مشيرا الى أنها تباع على قارعة الطريق وعلى مرأى من الجميع في عدد من مناطق الخرطوم. 

 

أما المتخصص في علم النفس الدكتور علي بلدو فيعزو سبب إقبال الشباب على المخدرات الى ما وصفه بالاحباط الشديد الذي يلازم هذا الجيل وعدم وضوح الرؤية أمامه ” عرفت الكثير من مدمني المخدرات ومعظهم كانوا ضحايا للواقع القاسي في ظل عدم وضوح المستقبل وضبابية الحاضر”. ويضيف ” كان تعاطي المخدرات محصورا في المناطق الفقيرة من العاصمة حيث تنعدم أماكن الترفيه وتكثر المشاكل اما الآن فقد انتقلت الظاهرة الى الأحياء الراقية والجامعات الخاصة بعد ان كانت في الحكومية، مما يعني أن الفقر ليس سببا في التعاطي المخدرات وانما الفراغ وعدم وجود أماكن الترفيه او قلتها في مقابل ظهور تيارات الهوس الديني وتمددها” على حد قوله.