رشا عوض *في الخامس من ديسمبر عام 2013 نعى الناعي نيلسون مانديلا.."ماديبا" كما يلقبه شعبه. 

لم تكن جنوب أفريقيا وحدها من فقدت أباها في شتاء ذلك العام، بل فقد كل محبي الحرية ماديبا العظيم…

ذلك القديس لم يأسرني بانتصاره السياسي فحسب، بل أسرني أكثر بانتصاره على الضحية الكامنة داخله وبالضرورة في أعماق شعبه!

اختار مانديلا ان تكون معركته ضد “أفعال البيض ممثلة في الاستعلاء العنصري واضطهاد السود وتكريسه مؤسسيا” وليس ضد البيض كعنصر!

لم يقل “جنوب أفريقيا للأفارقة فقط” بل دعا لجنوب أفريقيا متنوعة متعددة وديمقراطية!

كل أبيض منحاز لحقوق المواطنة المتساوية للأفارقة السود والافارقة من أصول هندية هو حليف لمانديلا لا يحرمه هذا الشرف شعره الأشقر وعيناه الزرقاوان وبشرته البيضاء! ولا حتى الأفعال القبيحة والجرائم التي ارتكبها بنو جلدته، مادام هو شخصيا لم يشارك فيها ولم يوافق عليها!

الاصطفاف مع مانديلا أساسه “اللون السياسي” لا “لون البشرة” وهكذا هم قادة التحرر!

فالبشر لا يستوفون شروط إنسانيتهم إلا إذا تمايزت صفوفهم على أسس أخلاقية وفكرية وسياسية!

وبقدر ما تمايزوا بأعراقهم وأشكالهم وألوانهم فقدوا من إنسانيتهم!

ولذلك فإن القائد العبقري هو من ينجح في تحرير شعبه المظلوم المضطهد،و الرازح تحت وطأة عنصرية مؤسسية غليظة دون الوقوع في فخ “العنصرية المضادةو”التعبئة العرقية“!

ان الانعتاق من أسر “الكراهية” أصعب من كسر قضبان سجون الجلاد المادية!

فقد مكث ماندلا خلف تلك القضبان أكثر من ربع قرن!

نعم هذه بطولة،

ولكن ثمت بطولة أخرى أعظم وأرفع وهي أنه لم يسمح لظلام الزنزانة أن يخترق عقله وقلبه!

لم يسمح لجدرانها ان تكون حدودا لأفق رؤيته!

لم يحلم بأن يدخل البيض إلى مثل زنزانته، بل ظل يحلم على الدوام بتحرير السود من زنازين البيض، وتحرير البيض من أوهامهم التي هي زنازينهم!

إن ما تعرض له الأفارقة السود من بطش وتنكيل واضطهاد على يد البيض جعل كثيرا منهم يعتقدون ان طريق تحررهم هو خيار”جنوب أفريقيا للأفارقة” وهذا مفهوم على خلفية المظالم والغبن التاريخي والأشباح المرعبة في ماضي العلاقة بين “الإنسان الأبيض” و”الإنسان الأسود” بوجه عام!

ولكن القائد الحقيقي هو من يمتلك البصيرة التي تبصر في الظلام!

أما في النور فالجميع يبصرون!

وهكذا أبصر  ماديبا العظيم طريق الحرية المنسجم مع تيار التاريخ! طريق السلام على أساس التعددية والديمقراطية والعدالة،

طريق التسامح النبيل الذي لا يهدر حق الضحايا في الإنصاف ورد الاعتبار، وفي ذات الوقت، لا يرهن المستقبل للماضي، ولا يحبس الشعوب في شهوات الانتقام، كما لا يسمح بالإفلات من العقاب

! فكانت  لجنة “الحقيقة والمصالحة” التي تأسست بموجب قانون دعم الوحدة الوطنية والمصالحة” الذي صادق عليه برلمان جنوب أفريقيا عام 1995 ، وعين نيلسون مانديلا أعضاء هذه اللجنة التاريخية التي ترأسها الأب ديزموند توتو ، وكانت تجربة متفردة في تحقيق العدالة الانتقالية

العدالة الانتقالية” مبحث قانوني له أسسه النظرية والتطبيقية، ولكن الشعوب في منعطفات العبور التاريخي بقدر احتياجها لمعارف وعلوم السياسة والقانون، تحتاج إلى من يبثون في تلك المعارف والعلوم “الطاقة المعنوية” التي تجعلها وسيلة لاستشراف المستقبل، لا غاية يُضحى من أجلها بالمستقبل!

روح مانديلا” هي تلك الطاقة العظيمة التي عصمت جنوب أفريقيا من الارتهان لماضيها، وفي ذات الوقت عصمتها من الاستخفاف بذلك الماضي!

فقدمت  لكل الشعوب التي حفل تاريخها بالمجازر والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان درسا خلاصته ان التسامح ممكن، ولكن بشرط ان يشترك في دفع  استحقاقاته كل من الجلاد والضحية، وفي بيئة سياسية وقانونية مستوفية لشروط الانتقال إلى وضع جديد.

أما مطالبة الضحايا بنسيان قتلاهم ولعق جراحاتهم النازفة بالمجان، دون رد الاعتبار لهم بكشف الحقائق كاملة، وتخييرهم بين العفو او المقاضاة، فلا تعدو ان تكون ابتذالا لقيمة التسامح! واحتيالا يهدف لإفلات المجرمين من العقاب! وما بمثل هذا يبنى السلام الحقيقي.

سلام على روحك الملهمة  ماديبا العظيم

وطبت مقاما في عليائك