خالد فضل وفد الطرق الصوفية الزائر لأمريكا: *هدف الزيارة حسب شيخ عصام رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب! * يريدون نشر الثقافة الاسلامية عبر 30 اجتماع! * ما قاله كلينتون لسفير البشير في التسعينات ما زال تحديا امام  غندور!

  في مطلع عقد التسعينات من القرن المنصرم , وعلى بواكير عهد الإنقاذ في السلطة , تمّ تعيين الراحل أحمد سليمان المحامي سفيرا لدى الولايات المتحدة الأمريكية , وعند تقديم أوراق اعتماده للرئيس الأمريكي حينها بيل كلنتون , تحدّث السفير مشيرا الى أنّ الولايات المتحدة تعادي حكومته لأنّها ذات توجهات اسلامية , وعندما جاء دور الرئيس الأمريكي في الحديث , أوضح لسعادة السفير الجديد أنّ عدد المسلمين في أمريكا يفوق عددهم في السودان , وهم مواطنون بكامل حقوق المواطنة الأمريكية , وليس لحكومة الولايات المتحدة أي دخل في معتقدات الناس وخياراتهم الدينية , إنّما تكمن عقدة علاقاتها مع نظام الخرطوم حول ممارساته وانتهاكاته لحقوق الانسان السوداني , ووأد النظام الديمقراطي , واستمرار الحرب الأهلية , ومتى ما تحسّن أداء حكومة بلادكم في هذه المجالات فإنّ العلاقات ستكون طبيعية وجيّدة مع حكومة بلدكم .

   الآن و بعد مرور أكثر من عقدين من الزمان , تُرى هل تحسّن سجل حكومة الاسلاميين المستبدين بالسلطة في السودان ؟ فقد تداول على البيت الأبيض الأمريكي , بعد كلنتون(دورتين) , جورج بوش الابن (دورتين) ثم جاء أوباما لدورة أولى وثانية لم تنقض بعد , في حين ترقى البشير من عميد الى مشير خلال ذات الفترة , وفي الواقع فإنّ القضايا الثلاث التي أشار اليها الرئيس كلنتون  في تلك السنوات الباكرة من عمر الانقاذ , ظلّت كما هي حتى الآن , فالانتهاكات لحقوق الانسان السوداني تطورت شكلا ومضمونا , وتوسعت دوائرها لتشمل الابادات الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الانسانية بما فيها الاغتصاب الممنهج للنساء وغيرها مما تتطابق مع التوصيف القانوني لها وفق المحكمة الجنائية الدولية , فقد تنحى كلنتون بعد انقضاء أجل فترتيه وفق الدستور الأمريكي , وخلفه خلف على ذات الدستور وما يزالون , بينما تدحرج المشير البشير (خادم القرآن) , من رتبة رئيس الى صفة متهم (هارب من العدالة) , ومطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي , تطارده المنظمات الحقوقية أينما حلّ , وتُحرج حكومات البلدان التي يزورها , فمنها من يُهرّبه سرّا , ومنها من يعتذر عن زيارته سلفا , ومنها من تطوقه بالحماية والرعاية في طريقه اليها ومنها , يحتفي مناصروه عند عودته الى مطار الخرطوم باللافتات التي تصفه بأسد افريقيا وبطل العروبة , وأنّ الأرواح له فداء , ويبكي وزير خارجيته على شاشات التلفاز حمدا لله على النجاة , وقبل عقدين ويزيد كان بيل كلنتون الرئيس الأمريكي الأسبق , ينصح أحمد سليمان سفير البشير الجديد لديه وقتها بأنّ حكومته تنتهك حقوق انسان وطنها وعليها تحسين هذا السجل حتى تستقر علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية , وها هو نفس المطلب ما يزال حاضرا , يجابه به ابراهيم غندور وزير الخارجية الحالي عندما يقابل في واشنطن دوائر الادارة الامريكية , ويقوله علنا قادة الكونغرس الامريكي عندما يشد ابراهيم أحمد عمر رئيس برلمان البشير الرحال الى هناك .

  أمّا الحرب الأهلية فقد اندلعت مرّة أخرى , في المناطق التي شملتها فترة هدنة اتفاقية نيفاشا (2005__2011م), وكانت مستعرة أساسا في دارفور منذ 2003م , لم توقفها الاتفاقات الجزئية , ولا تسنم مناوي لمنصب مساعد (الحلّة) على حد وصفه لمنصبه بعد عام واحد من تسلمه, ولم تضع أوزارها في محطة الدوحة التي فاء إليها بعض السياسيين من أبناء دارفور بعد أن لفقوا على عجل لافتة سياسية باسم التحرير والعدالة , لزوم التوقيع على تلك الاتفاقية برعاية دولة قطر , ليجئ أبوقردة /السيسي يتبادلان الاتهامات , يتراشقان , ثمّ ينقسمان الى (عدالتين وتحريرين) تفصل بينهما لفظة (قومي) , وما تعلمه أقوام السودان أنّ مثل هذه الدروب مغلقة , والسير عليها لا يقود الى نتيجة مثل ما  هو حادث منذ عامين فيما يسمى حوار الوثبة الفارغ المضمون , الحرب الأهلية إذا هي الحرب الأهلية , الفرق فقط أنّ جنوب السودان لم يعد طرفا فيها بحكم الانفصال .

   مسألة الديمقراطية , ظلّت تراوح مكانها منذ انقلاب الانقاذيين الاسلاميين عليها , ولأن طبيعة التنظيم السياسي الاسلامي أساسا لا تقوم على مفهوم الديمقراطية , بل على السمع والطاعة , فإنّ فاقد الشئ لا  يعطيه , ولهذا تقوم ديمقراطيتهم المزعومة على فكرة الاخضاع , فقد حذقت اجهزتهم الامنية  مهنة تفتيت كل كيان سياسي أو اجتماعي بصورة لا تحسد عليها , ضمن مخطط الاخضاع , فصارت الأحزاب أكثر من مائة لافتة , وعهد الأمريكان بالأحزاب , حزبان يتنافسان دوريا على الرئاسة والمجالس النيابية المعروفة , اتحاديا وولائيا, ومجموع المسلمين فيها أكثر منهم في السودان كما قال كلنتون لأحمد سليمان .

   بهذه الوضعية , تظل تحفظات الإدارة الأمريكية تجاه ممارسات السلطة الاسلامية في السودان قائمة , وقد يقول قائل إنّ الإدارة الامريكية لا تلقي بالا لمثل هذه القضايا في تعاملها مع الأنظمة الحاكمة في بلدان العالم , والشواهد حاضرة خاصة في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا , دون اغفال هذه الفرضية بالطبع , لكن يبقى السؤال , أليس ما تزعمه الادارات الأمريكية المتعاقبة ضد سلطة الاسلاميين في السودان صحيحا؟ الإجابة بكل تاكيد , نعم . فعلى الأقل لدينا في السودان مصداقية للمزاعم الأمريكية ضد المسلطين علينا , فإذا كان هنالك معتقل سياسي في سجون بلادنا أو شابة تعرّضت لانتهاكات جسيمة لحقوقها بفضل تطبيق قانون النظام العام , أو أفراد يواجهون تهما بالردة و أو آخرين من أسرى الحروبات الأهلية تصدر ضدهم أحكام قضائية بالإعدام , أو غيرهم يتعرضون للقصف بالأنتينوف والسوخوي , أو غارات الجنجويد , فهل نطلب من هؤلاء الضحايا إدانة أمريكا لأنّها تغض الطرف عن ممارسات أخرى ترتكبها أنظمة قمعية في بلدان أخرى؟ أي منطق هذا الذي يحيل كل انتهاك الى حالة مقارنة مع انتهاكات أخرى ؟ فحرية الصحافة عندنا أفضل من بلدان الجوار مثلا , كما يقول المسؤولون الحكوميون دوما , ولكنهم لا يستطيعون الإدعاء بإنّ حرية الصحافة عندنا مكفولة كحق دستوري , أي أنّ انتهاكات حرية الصحافة أفضل من انتهاكات في البلدان المجاورة , هذه المزاعم تثبت الانتهاكات ولا تنفيها لو كانوا يفقهون !وعلى ذلك قس .

 في هذه الأيام أذيع أنّ وفدا من شيوخ الطرق الصوفية السودانيين سافروا الى الولايات المتحدة , في زيارة تستغرق اسبوعين , الطريف أنّ الشيخ عصام الشيخ عبدالله , منسّق الزيارة فيما يبدو مع السفارة الأمريكية في الخرطوم , تحدّث عن أغراض الزيارة بأنّها , لنشر الثقافة الاسلامية , وعكس صورة السودان الايجابية هناك , ورفع اسم السلطة الاسلامية السودانية من قائمة الإرهاب , فيما تهدف الزيارة , لدى السفارة الى , تثقيف قادة الطرق الصوفية الاسلامية وتعريفهم بتعدد الديانات في الولايات المتحدة الأمريكية , وحرية الأديان, وتعدد الثقافات . فبينما يأمل الشيخ عصام في نشر الثقافة الاسلامية عبر 30اجتماع كما قال عن برنامج الزيارة , يبدو أنّ سفارة أمريكا تريد أنْ يقرا ليها الفقرا في البيت الأبيض , من عين الحسود ! فالأمريكان وغيرهم من الاوربيين يبدون اعجابا بالطقوس الفلكلورية الدينية التي يبدعها أرباب الطرق الصوفية مثل حلقات الرقص الجماعي والضرب على الدفوف والقفز بصورة اكروباتية , كما يبدون اعجابهم بالطقوس الاجتماعية لعامة المسلمين السودانيين في الأحياء الفقيرة والقرى والفرقان , عندما يخرجون الى افطار رمضان في الشوارع , ولكنهم يميزون جيّدا بين ذلك الاسلام العام , واسلام الحزب الاسلامي الذي مارس أقذر الممارسات تحت غطاء الاسلام .