نبيل أديب   ،،الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع مواطنيها تخضع لقواعد دولية، وليست مجرد تعبير عن ممارسة لحق سيادة الدولة علي إقليمها. وبالتالي لم يعد سلوك الدولة في هذه المسألة في مأمن من الفحص الدولي، أو حتي من العقوبات،،. 

يحتفل العالم بعد أيام وبالتحديد في العاشر من ديسمبر، باليوم العالمي لحقوق الإنسان وذلك تخليداً لليوم الذي تبنت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 48 صوتاً وإمتناع ثمانية دول من التصويت، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. و قد دعت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بقرارها رقم 423 في عام 1950 جميع الدول والمنظمات ذات الصلة، بالإحتفال بيوم 10 ديسمبر من كل عام كيوم لحقوق الإنسان. ورغم أن الإعلان نفسه ليس مُلزماً قانوناً بنفسه، إلا أن جميع أحكامه قد أصبحت ملزمة عبر العهود الدولية والإقليمية، والتي تبنت تلك الأحكام.  كما وأنه أصبح مصدر إلهام للأغلبية الساحقة من الدول التي تبنت الاحكام الواردة فيه في دساتيرها .   

      حقوق الإنسان هي مجموعة الحقوق المقررة للإنسان باعتبارة إنساناً دون إعتبار لجنسه أو جنسيته، أو لونه، أو ثقافته، أو دينه، او معتقداته. وهي حقوق لا تجوز مصادرتها، وان جاز تنظيمها بالقانون. وأول إعلان لحقوق الانسان في التاريخ يعود لستة قرون قبل الميلاد وهو ما يعرف بأسطوانات سيراس في إيران، والذي أصدره الإمبراطور سايرس الفارسي والذي يحرم الرق ويمنح الحرية الدينية، وقد كانت مجرد أمنيات طيبات من إمبراطور عادل، ولكنها غير ملزمة له، أو لمن يأتي بعده، ولم تكن درجة تطور المجتمع آنذاك تسمح بتنفيذ أحكامها.

أول وثيقة تتضمن أحكام ملزمة للحاكم كانت العهد الأعظم، أو الماجنا كارتا والتى صدرت فى عام 1215 وهى الوثيقة التى يقول عنها لورد ديننج أنها ” أعظم وثيقة دستورية فى كل العصور، بإعتبارها الوثيقة التى أسست لحرية الفرد فى مواجهة الإستبداد المتعسف للسلطة ” وقد كانت نتاجاً لتمرد قاده النبلاء الإنجليز على إستبداد الملك، وليس على شخصه، ولذلك فهو يختلف بذلك عن ما سبقه من إنقلابات يقودها أمراء يدعون أنهم أحق بالعرش ممن كانوا يشغلونه. دخل النبلاء لندن عنوة، وإستسلم الملك جون ووضع خاتمه على الوثيقة التي كان النبلاء قد أعدوها سلفاً. حوت الوثيقة أحكاماً يجب على الملك التقيد بها. وضماناً لذلك كونت مجلساً من النبلاء، له سلطة إلغاء أى أمر يصدره الملك يرى المجلس أنه مخالف للميثاق، و يجوز له أن يحتل قلعة الملك، أو يستولى على ممتلكاته إذا رأى ضرورة لذلك.

وثائق الحقوق على الصعيد الوطني

 السلطة هى قدرة قانونية على إجبار الآخرين، على فعل شئ أو الإمتناع عن فعله. وبتجريد الحاكم من الحق الإلهي الذي كان تقوم عليه مشروعية السلطة، لم تعد لها مشروعية سوى القوة الغاشمة التي توفرها الغلبة، أو القبول الطوعي لمن تُمارس عليه. لم  يعد الحكام في عالم اليوم يقبلون بأن توسم سلطتهم بأنها تستند على القوة الغاشمة ، حتى ولو كانت في الواقع كذلك، مما جعل كل الدساتير الحديثة تجعل مشروعية السلطة تُستمد من رضا المحكوم. رضا المحكوم أساسه التفويض الذي يمنحه الشعب للحاكم، بما يتضمنه من تنازل عن القدر اللازم من الحرية الذى يتطلبه العيش فى الجماعة. وثيقة الحقوق هى قائمة تحتوى على ما لم يتم التنازل عنه من حريات. أول وثيقة تحمل إسم وثيقة الحقوق هى وثيقة الحقوق الإنجليزية الصادرة فى القرن السابع عشر، الذى شهد الأحداث المتلاحقة للصراع بين البرلمان الإنجليزي والملك، ومحاكمة وإعدام الملك تشارلس الأول، ثم عودة الملكية بسبب إستبداد وفساد كرومويل، فثورة الشعب على جيمس الثانى فى عام 1689 فيما عُرِف بالثورة المجيدة التى إنتهت بإرغام الملك على إصدار وثيقة الحقوق، ليبقى النظام الملكى فى بريطانيا بعد قبول الملكية لسلطة البرلمان. شهد القرن الثامن عشر ثورتين كبيرتين الأولى في أمريكا والثانية في فرنسا خرجت عن الأولى الوثيقة الدستورية المعروفة بإعلان الإستقلال والتى جاء في صدرها “إننا نؤمن بان الحقائق التالية ثابتة بذاتها وهى أن  كل الناس قد خلقوا متساوون وقد منحوا بواسطة خالقهم حقوق لا تنتزع ومن بينهم الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة “

أما في فرنسا فبعد ثلاثة أسابيع من إقتحام الباستيل  صدر إعلان حقوق الإنسان والمواطن والذي يقول ان ” مفهوم السيادة ينبع أساساً من الأمة، و لا يجوز لأي شخص أن يمارس سيادة لاتجد أساسها في الأمة. وأن كل المواطنين متساوون في نظر القانون، يجوز لهم الدخول في كل الأماكن العامة، وشغل كل المناصب وفقاً لمقدراتهم بدون تمييز إلا بسبب مايتمتعون به من فضائل أو مواهب. ولكل المواطنين الحق في الحرية والتملك والأمن ومقاومة القهر”

الجيل الثاني والإنتقال إلى الصعيد الدولي

شهدت نهاية القرن التاسع عشر ظهور جيل آخر من منظومة حقوق الإنسان، إنتزعه العمال في البلاد الصناعية بالنضال الذي قادوه من أجل تحسين شروط عملهم، والذي أثمر عن  قوانين العمل التي أصبحت نواة الجيل الثاني من حقوق الأنسان، ونعني به الحقوق الإجتماعية والإقتصادية والثقافية. هذه الحقوق بما تتطلبه من إمكانيات مادية لتوفيرها، لا يمكن تقريرها ما لم تتوفر تلك الإمكانيات لدى الدولة. لذلك فقد أنكر البعض أنها حقوق بالمفهوم القانوني للحقوق، لأنها  ليست من الحقوق التي يمكن فرضها على الدولة بواسطة المحاكم. ولكن المجتمع الدولي، في إعلان فيينا لعام 1993 يرى أن “جميع حقوق الإنسان عالمية، وغير قابلة للتجزئة، ومترابطة ومتشابكة. يجب على المجتمع الدولي أن يعامل حقوق الإنسان على الصعيد العالمي بطريقة عادلة ومتكافئة، وعلى قدم المساواة، وبنفس القدر من الأهمية”

كان ولوج حقوق الأنسان إلي القانون الدولي عن طريق تلك الحقوق وبالتحديد العهد الدولي المعروف بعهد بيرن لعام 1906م والذي تقرر فيه حظر عمل النساء ليلاً، وهو أول عهد دولي عُني بحقوق الإنسان من أي جيل. ويعتبر تحول حقوق الإنسان من كونها مجرد شأن وطني لتصبح أيضاً وبنفس الدرجة شأناً دولياً، من أهم التطورات التي شهدها القرن العشرين، والتي ساهمت في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.

الوثائق الدولية

على الجانب الدولي فقد صدرت عقب الحرب العالمية الثانية العديد من الإعلانات والعهود والإتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان. وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1948م، والذي يشكل مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ما يسمى بقانون حقوق الإنسان الدولي. وقد صدرت على نهجه الإعلانات والمواثيق الإقليمية التالية: الاعلان الامريكي لحقوق وواجبات الإنسان، والعهد الأمريكي لحقوق الإنسان، والعهد الأوروبي لحقوق الإنسان، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. وقد حوت كل هذه العهود أحكام مُلزِمة للدول المنضمة لها، فيما يتعلق بحقوق الإنسان في الأقاليم التابعة لها. وصدرت أيضاً عهود دولية متخصصة في جزء بعينه من حقوق الإنسان، كالعهد الدولي المتصل بحالة اللاجئين، والبرتوكول الخاص باللاجئين، والعهد الخاص بحقوق الطفل، والعهد الدولي بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والعهد الدولي ضد التعذيب. وقد أنتجت تلك العهود أجهزة دولية تمارس إختصاصاً رقابياً على الدول. وكل هذه الآليات مسؤولة عن رصد إنتهاكات حقوق الأنسان التي تقوم بها الدولة أو تفشل في حماية مواطنيها منها، وتصدر قراراتها في هذا الخصوص. وتختلف درجة الإلزام التي تتمتع بها تلك القرارات وفقاً لأحكام المعاهدة التي أنشأتها و مدى إمتثال الدولة المعنية لإلتزاماتها الدولية.

سقوط مبدأ السيادة الويستفالية

 قاد لكل هذه المواثيق والآليات ما شهدهـ العالم في الحرب العالمية الثانية من فظائع، والذي أدى إلي نهاية نظرية سيادة الدولة بالمعني التقليدي، و المعروفة بالسيادة الويستفالية والذي يقوم علي سيادة الدولة علي إقليمها، و علي سائر شؤونها الداخلية، في مواجهة جميع القوى الخارجية. وعلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى. وعلى أن جميع الدول صغيرها وكبيرها علي السواء متساوية. والإسم يعود إلي سلام ويستفاليا والذي أنهي حرب الثلاثين عاما في أوربا، عبر مجموعة من المعاهدات التي تم توقيعها بين مايو وأكتوبر من عام 1648 في مدينتين من مدن مقاطعة ويستفاليا الالمانية. و قد أصبح هذا المبدأ يعني أن إختصاص الدولة بشؤونها الداخلية هو إختصاص مطلق لا معقب عليه، وأن القانون الدولي معني فقط بعلاقتها بالدول الأخري. ويتفرع عن ذلك المفهوم أنه من حق الدولة أن تعامل مواطنيها بالشكل الذي ترغب فيه. ووُضِع المبرر النظري لذلك في نظرية الطبقة العليا للعقد الإجتماعي، والتي تجعل العلاقة بين الدولة شبيهة بالعقد الاجتماعي الذي أنتج الدولة، والذي أحتفظ بموجبه الأفراد ببعض الحريات التي لا يجوز للدولة أن تتدخل فيها. ترى النظرية، على نفس هذا النسق، أن العلاقة بين الدول قد تنازلت لتحقيقها الدول عن بعض من حرياتها مما أنتج قواعد ملزمة لها في التعامل مع بعضها البعض، ولكنها لم تتنازل عن سلطتها في إدارة شؤونها الداخلية والتي تظل مسألة خارج تنظيم القانون الدولي .

كل ذلك إنهار عندما إكتشف العالم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية أن تجاوزات الدول في ممارسة سيادتها، قد أدت إلي مقتل ما يقرب من مائة و سبعين مليون مواطنا بواسطة حكامهم. أدى ذلك لظهور جسم جديد من الحقوق القانونية الدولية، يقوم على أن الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع مواطنيها تخضع لقواعد دولية، وليست مجرد تعبير عن ممارسة لحق سيادة الدولة علي إقليمها. وبالتالي لم يعد سلوك الدولة في هذه المسألة في مأمن من الفحص الدولي، أو حتي من العقوبات.

                             تعميق نظرية السيادة بعودتها للأمة

وقد رأي بعض فقهاء القانون الدولي أن نظرية السيادة لم يتم الإنتقاص منها بقدر ما تم تعميقها، أذ أن حماية الأمة والتي هي مصدر السلطات، هو تأكيد لمبدأ السيادة. معلوم أن الوطن يتكون من ثلاث مكونات، إقليم وهو قطعة الأرض داخل حدود محددة، ومن شعب وهو مجموع الأشخاص الموجودين بشكل دائم فى الإقليم، وسلطة تمارس السيادة على الإقليم. منذ نشأة الدولة، وحتى القرون الوسطى، إختلط مفهوم الوطن بالسلطة التى تمارس السيادة على الإقليم، لذلك فقد كان إنتماء الشعب ينسب إلى السلطة، وكان المصطلح الذى يطلق علي مجموعهم هو مصطلح الرعايا  Subjects  وهو يشير إلى الإنتماء إلى السلطة. ولذلك فقد كانت جريمة الخيانة العظمى High Treason تتحقق بوقوع أى صورة من صور عدم الولاء للحاكم، سواء أكانت تتصل بالإتفاق مع عنصر أجنبي أم لا. بل أن مجرد إبداء عدم الولاء للحاكم، حتى ولو كان بشكل لفظي محض، كان يرقى لإرتكاب جريمة الخيانة العظمي .

مصطلح المواطن  citizenتم سكه في الثورة الفرنسية التي أسقطت مشروعية السلطة التي لا تستند على رضا المحكومين. فى المسودة الأولى لإعلان الإستقلال إستخدم جيفرسون تعبير fellow subjects  ولكنه عاد وأبدله بتعبير  fellow citizens وذلك لأن لفظ الرعايا يُغلِّب إرتباط الأفراد بأجهزة الدولة السيادية، وخضوعهم لها، فى حين أن لفظ المواطن يشير إلى الإنتماء للوطن، و يُغلِّب حق الشخص فى مواجهة السلطة، وليس تبعيته لها .

 إذا فمفهوم المواطنة، هو إنتماء لوطن وليس لدولة، وإن كان يشتمل فى نفس الوقت على علاقة مع دولة ما بمعنى الأجهزة التى تمارس السيادة على الإقليم ، إلا ان ذلك الإرتباط ليس إرتباط تبعية، أو خضوع، بل هو إرتباط تحكمه حقوق المواطن على الدولة، وواجباته تجاهها، وليس خضوعه المطلق لإرادتها. لذلك فإن حماية المجتمع الدولي لحقوق الإنسان ضد سلطة الدولة، لا ينتقص من مفهوم السيادة بل يدعمه، من حيث كون أنه يحقق إلتزام الدولة نحو الأمة التي تستمد سيادتها منها، بحماية حقوقها.

وثيقة الحقوق هى الإعلان الدستوري بحقوق الأفراد والمجموعات المكونة للأمة. وقد أصبحت جزءً من القانون الدولى، عندما رُصِدت تلك الحقوق فى وثائق، وإتفاقيات، وعهود، وإعلانات دولية عديدة، وأصبحت جزءً من القانون الدولي العرفي الذى تخضع له الدول جميعاً. وثيقة الحقوق الوطنية قُصِد منها الحد من سلطة الدولة التى تبنتها، ووثيقة الحقوق الدولية قُصِد منها الحد من سلطات الدول جميعا فى مواجهة شعوبها. أساس الحقوق السياسية هو حماية الفرد ضد الإستخدام الإعتباطي أو التعسفي للسلطة، وهذا يفرض علي الدولة واجباً سلبياً يتمثل في عدم القيام بالأفعال التي من شأنها خرق تلك الحريات، ولكنه أيضاً يفرض عليها واجباً إيجابياً يتمثل في  حماية وصيانة حقوق الإنسان. وإنتقال حقوق الإنسان من كونها شأناً وطنياً فحسب، لتصبح شأناً دولياً أيضاً، تعني أن مسؤولية الدولة عن حماية حقوق الإنسان لم تعد في مواجهة شعبها فحسب، بل في مواجهة المجتمع الدولي أيضاً.

التطور في القانون الجنائي الدولي

و لكن إسقاط السيادة الويستفالية لم يتم فقط بسبب التطور في قانون حقوق الإنسان الدولي  بل أيضاً مع التطور في القانون الجنائي الدولي و الذي تقررت بموجبه مسئولية الأفراد، في إنتهاك حقوق الإنسان تجاه المجتمع الدولي ككل وليس فقط تجاه دولهم. المحاكم الجنائية الوطنية هي المسؤولة في المقام الأول عن التحقيق في الجرائم الدولية، والملاحقة القضائية لمرتكبيها. ولكن تلك المحاكم ليست دائما فعالة أو ليست فعالة بالشكل المطلوب، مما دعا  لإنشاء عدد من المحاكم الجنائية الدولية المتخصصة، بدأت بمحاكم نورمبرج وطوكيو لمحاكمة المجرمين الدوليين عن جرائم الحرب أثناء وقبل الحرب العالمية الثانية. ولكن هذه المحاكم عادت للظهور عقب نهاية الحرب الباردة، بمبادرات من مجلس الأمن والذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا. وظهرت أيضاً المحاكم الهجين كالمحاكم الخاصة بسييراليوى والخاصة بلبنان. وأخيراً المحكمة الجنائية الدولية والتي تمت الموافقة على  نظامها الأساسي في عام 1998 وحصل على ال 60  تصديقا اللازمة من أجل أن يدخل حيز التنفيذ في عام 2002.

الإختصاص العالمي وسابقة بينوشيه

نتيجة لما واجهته المحاكم الجنائية الدولية من إنتقادات متعلقة بأثر المصالح الدولية عليها، ومع تصاعد الفقه الدولي الجديد الذي يرفض ما توفره قواعد القانون الدولي التقليدية من الثغرات التي تسمح بالإفلات من العقاب، فقد نشأ ما يُعرف بالإختصاص العالمي Universal jurisdiction  والذي يقوم على أنه بغض النظر عما يقضى به قانون الدولة المعنية، فإن القانون الدولي لا يعترف بأية حصانة لأي شخص، فيما يتعلق بالإتهام بإرتكاب إحدى الجرائم الدولية. وأن الإختصاص ينعقد لقضاء كل الدول بمحاكمته.

معلوم أن الجنرال بينوشيه والذي كان قد قاد إنقلاباً دموياً في عام 1973 على الرئيس اليساري المنتخب في تشيلي، قد حكم البلاد حكما دكتاتورياً بالغ القسوة، إستمر لسبعة عشرة عاماً. في تلك الفترة تم قتل وإختفاء أعداد كبيرة من المشتبه في معارضتهم للنظام. بالإضافة لما شاع عن ضلوعه في نهب الأموال العامة، والعمل في تجارة المخدرات وتجارة السلاح بشكل غير مشروع.  في 17 أكتوبر عام 1998 أصدرت محكمة أسبانية أمراً بالقبض على الجنرال بينوشيه توطئةً لمحاكمته عن مسئوليته عن مقتل مواطنين أسبان في شيلي عندما كان رئيساً لتلك البلاد، وفي 22 أكتوبر من نفس العام اصدرت المحكمة الأسبانية أمراً ثانياً بالقبض على بينوشيه لمحاكمته عن مسئوليته عن أعمال قتل وتعذيب وإختفاء عدد من الناس في شيلي. وكانت المحكمة الإسبانية قد رفضت إعتراضاً بعدم إختصاصها بنظر الدعوى. وقد رفضت محكمة أول درجة فى بريطانيا منح الإذن بالتسليم، بحجة أنه ليس للمحاكم الإسبانية إختصاص بمحاكمة بينوشيه عن جرائم إرتكبت خارج إقليمها وهو الأمر الذي ينطبق كذلك على المحاكم الإنجليزية. كما قررت أن المتهم كرئيس لدولة أجنبية يتمتع بحصانة وفقاً للقانون الدولي.

في 25/11/1998 أصدر مجلس اللوردات (المحكمة الأعلى البريطانية) قراره بأغلبية ثلاثة ضد إثنين بأنه ليس لرأس الدولة حصانة فيما يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية. ولكن مجلس اللوردات نفسه في 17/12/1998 ألغى ذلك القرار مستجيباً لطلب المتهم بمراجعة حكمه، لأن زوجة أحد القضاة الذين أصدروا الحكم، لها علاقة بمنظمة العفو الدولية والتى كانت طرفاً في إجراءات طلب تسليم بينوشيه، مما يحمل مظنة التحيز. وأمرت المحكمة بإعادة سماع الطعن أمام دائرة مختلفة. تم تشكيل دائرة جديدة فحصت الطعن وقررت أن الدكتاتور السابق لا حصانة له كرئيس لدولة أجنبية في مواجهة الإتهام بالجرائم ضد الإنسانية. وعليه فقد منح القاضي المختص الإذن بتسليم بينوشيه لأسبانيا لمحاكمته، ولكن جاك سترو وزير الداخلية آنذاك أمر بإعادته لشيلي بدعوى أنه غير لائق صحياً لمواجهة المحاكمة، وقد أنكر الطبيب المسئول عن علاجه فيما بعد صحة ما ذكره سترو فى هذا الصدد. 

ما يهمنا هنا هو أن مجلس اللوردات قد أكد في حكمه إختصاص المحاكم الإنجليزية بنظر الجرائم التي إرتكبها بينوشيه من تعذيب وقتل بعد 8 ديسبمر 1988، وهو التاريخ الذي صدقت فيه الحكومة البريطانية على العهد الدولي المناهض للتعذيب. وقرر أن رؤساء الدول الذين يرتكبون الجرائم المنصوص عليها في ذلك العهد الدولي بعد ذلك التاريخ لا حصانة لهم في مواجهة الإتهام الجنائي في بريطانيا، ولا فى أية دولة أخرى يجرم قانونها تلك الأفعال، متبنياً بذلك نظرية الإختصاص العالمي.


الإختصاص العالمي في القوانين الوطنية

يشير تقرير منظمة العفو الدولية إلى أنه من مجموع  الدول الأعضاء في الأمم المتحدة و البالغ عددهم 193 عضوا تأخذ القوانين السائدة في 163 دولة منهم بنظرية الإختصاص العالمي، فتعقد لقضائها الإختصاص بمحاكمة واحدة أو أكثر من الجرائم الدولية التي تقع خارج أراضيها. تمنح هذه القوانين المحاكم الوطنية الإختصاص بالتحقيق مع ومحاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جرائم تصل إلى انتهاكات القانون الدولي بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة ، جنسية المتهم، أو جنسية المجني عليه. ومن ضمن تلك القوانين التي تأخذ بذلك، القوانين في الولايات المتحدة وكندا  وألمانيا وفرنسا ونيوزيلندا.

يأخذ القانون في المملكة المتحدة بنظرية الإختصاص العالمي بالنسبة لعدد محدود من الجرائم الدولية تتضمن جرائم الحرب و التعذيب. و يمكن بموجب ذلك الاختصاص لأي شخص أن يستصدر من المحكمة أمراً بالقبض علي أي شخص إرتكب أحد هذه الجرائم في أي مكان في العالم و تقديمه للمحاكمة أمام المحكمة الإنجليزية التي أصدرت الأمر .

بموجب تعديل أخير في القانون أصبح الحصول علي موافقة مدير الإدعاءات النيابية مطلوباً قبل أصدار أمر قبض بموجب دعاوي الإختصاص العالمي التي يقيمها الأفراد. يقول كينيث كلارك وزير العدل، كما كان آنذاك، أن المقصود من التعديل هو الأخذ في الإعتبار إتخاذ موقف متوازن يمنع الإفلات من العقاب بالنسبة للمتهمين بإرتكاب جرائم خطيرة للعدالة، في الحالات التي تكون فيها البينة المتوفرة تدعو للإعتقاد بجدية إحتمال نجاح الدعوى، مع عدم الإقلال من إمكانية بريطانيا في التوسط في النزاعات الدولية، و إتباع سياسة خارجية متزنة.

نبيل أديب عبدالله

المحامي