د. فيصل عوض حسن * مَنْ هم (الجميع) الذين عناهم البشير و(نَصَحَهُم)؟  *السعة التخزينية لسد النهضة 74مليار م3 بينما اوصى الخبراء ب 11 مليار فقط! * سد النهضة مشيَد على أراضي سودانية!

قبل انتهاء رحلة الـ(استجمام)، فاجأنا عمر البشير بتصريحاتٍ مَفَادَها، أنَّ سَدَّ النَّهضة أصبحَ (أمراً واقعاً)، وعلى الـ(جميع) الـ(تعامُلْ) معه على هذا الأساس، داعياً للـ(احتياط) بكل سُبُل السلامة، (تلافياً) للـ(كارثة) التي سيُحِدثها السد حال انهياره تبعاً لضخامته وكمية المياه المُحتجزة خلفه، والتي (ستُغْرِقْ) الـ(سودان) ثم (مصر)! مُوضحاً أنَّ سَدَّ النَّهضة لـ(توليد) الطاقة الكهربائية فقط، وأنَّه (لا يُنقِصْ) كمية المياه القادمة إلى السودان ومصر، وفي تناقُض غريب أفاد في ذات التصريح بأنَّ حصص البلدين (السودان ومصر) ستتأثَّران مع بدايات إنشاء السد (5-12 عام)، مما يُحتِّم (دراسة برنامج الملء)!

المُتأمِّل لهذه التصريحات المُثيرة للدهشة، لا يجد مَشَقَّة في اكتشاف (تضارُبها) و(تقاطُعها) مع أي منطق أو أخلاق، بعدما (تنصَّلَ) البشير عن مسئولياته الأخلاقية والمهنية! والتساؤُلات المنطقية نبدأها بما هي مهام البشير الوظيفية كرئيس؟ وهل يُدركها ويعيها؟ وما هي الحكمة من توجيه حديثه (للجميع) وما الذي يُمكنهم فعله تجاه أمرٍ عَجَزَ عنه كرئيس للبلاد؟ ثمَّ مَنْ هم (الجميع) الذين عناهم البشير و(نَصَحَهُم) بقبول سد النَّهضة كأمرٍ واقع، رغم ما يعتريه من مخاطر ترتقي به لمُستوى الكارثة بحسب وصف البشير نفسه؟ وهل كان يعلم بـ(كارثية) السد قبل التوقيع على اتفاقية مبادئه الإطارية؟ لو كان يعلم بها لماذا يُخاطب الجميع الآن؟ ألا يعتقد بأنَّ من ضمن مسئولياته حماية شعبه واتخاذ ما يلزم من تدابير تجاه هذا الأمر انطلاقاً من منصبه الرئاسي؟! ولو كان لا يعلم بهذه الـ(كارثية)، فهذا إقرارٌ واضحٌ وصريحٌ من البشير بعدم (أهليته) لحكم السودان وشعبه! وهل يستطيع البشير (إنكار) تحذيرات العديدين التي أطلقوها بشأن مخاطر هذا السد سابقاً، ومن ضمنها تحذيرات وزير الري الأسبق ووكيل وزارته ومُستشارها القانوني، والتي نشرتها الصُحُف ولم يعترض عليها البشير أو مُعاونوه؟!

إنَّ من أبرز التحذيرات التي سبقت مُوافقة البشير (باسم السودان) على قيام سد النهضة، أنَّ التوقيع على اتفاقية هذا السد سيؤدي لضياع (حق) السودان المائي، ويُهدد استغلال أراضيه الزراعية بصفةٍ عامَّة، وأنَّه (سيُلغي) كل التزامات أثيوبيا المائية لصالح السودان (وفق القانون الدولي). وفي هذا الإطار، نجد بأنَّ السد مُقامٌ في أراضي تعتبر سودانية، وهي أراضي بني شنقول التي تمَّ ضَمَّها لأثيوبيا وفقاً لاتفاقية 1902، التي (قَضَتْ) بالتنازل عن إقليم بني شنقول لإثيوبيا مُقابل عدم اعتراضها للمياه بأي وسيلة بما في ذلك السدود! وبما أنَّ اتفاقية سد النهضة قد (ألغت) الاتفاقيات السابقة تبعاً لرأي (المُستشار القانوني) لوزارة الري، وبنقض اثيوبيا لبنود الاتفاقيات السابقة تعود أيلولة أراضي بني شنقول إلى السودان! وهنا يدور التساؤل حول (تقاعُسْ) البشير عن المُطالبة باسترجاع السودان لأراضي بني شنقول من أثيوبيا، التي لم تَكْتَفِ بها فقط، بل التهمت أيضاً أراضي الفشقة و(استوطنت) بها وما يزال زحفها مُستمراً لالتهام المزيد من أراضي السودان؟! ثم لماذا (وَقَّع) البشير اتفاق سد النهضة الإطاري رغم خلوه من أي الـ(إلتزام) أثيوبي بالإتفاقيات القائمة، خاصة المعنية باقامة المشروعات والخَزَّانات على النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط؟ فضلاً عن (خُلُو) الاتفاقية من أي نصوص (واضحة) لتعويض السودان كدولة (مُهدَّدة) من قيام هذا السد، وتحاشي مسألة الـ(تحكيم) لكونها (مُلزمة) و(نهائية)، والاكتفاء فقط بإحالة الأمر (لرُؤساء الدول)؟!

وبالنسبة لملء السد، لماذا لم (يشترط) البشير (إلتزام) أثيوبيا بمُخرجات الدراسات المُشتركة (المُوصي بها) في تقرير لجنة الخُبراء الدولية قبل التوقيع على اتفاقية سد النهضة الإطاري؟ بدلاً من إعطاء أثيوبيا (الحق كاملاً) في ضبط قواعد التشغيل السنوي للسد دون الرجوع لدولتي المَصَبْ و(اكتفائها) فقط بإخطارهما بالأسباب التي دعتها لذلك؟! أَمَا كان هذا (أكْرَم) للبشير من (استسهال) الأمر بالصورة المُربكة والمُخجلة التي بَدَت في تصريحاته المُشار إليها أعلاه؟ تارةً يقول بأنَّ حصَّة السودان من المياه لن تتأثَّر، وتارةً أُخرى يقول ستتأثَّر خلال فترة الملء التي تتراوح بين (5-12 عام)، باختلالاتها ومخاطرها والتي لم (يحسمها) البشير قبل التوقيع على الاتفاقية الـ(كارثة)! وهل تحتمل حالة السودان المأزمة الآن الانتظار لخمس سنوات؟ وهل فكر البشير في الإيفاء بالـ(التزاماته) التي أطلقها للكثيرين (بالداخل والخارج) بشأن توفير الغذاء على غرار ما فعل مع الدول العربية ومُبادرته الـ(وهمية) لهم؟! من أين للبشير بالماء الذي يكفي لإنتاج التركيبة المحصولية التي شملتها (مُبادرته)، هذا إذا افترضنا أنه كان صادقاً في ما قال ووعد! بخلاف احتياجاتنا المائية نحن السودانيين (للشرب والزراعة)، خاصة مع تنامي مُعدَّلات السُكَّان! ثم ألَمْ يُفكر البشير في أن (مُوافقته) و(توقيعه) على اتفاقية سد النهضة ستُجبر السودان على القبول بـ(اتفاقية) عنتيبي الداعية لإعادة تقسيم حصص المياه بعدالة بين دول المنبع (بما في ذلك الجنوب الوليد)، وبالتالي انخفاض حصة السودان من المياه؟! وحتَّى لو (أُتِيحَتْ) للسودان مياهه بمقاديرها الحالية فسيكون ذلك بمُقابل مالي، بما يرفع من (تكلفة) إتاحة هذه المياه!

وتتجلَّى الـ(دَهْشَة) والـ(حَسْرَة) من حديث البشير عن (تخصُّص) سد النهضة في إنتاج الكهرباء، دون أن يَشْرَح للـ(جميع) علاقة السودان بهذا الموضوع! حيث لم يتضمَّن الاتفاق الإطاري الذي (وَقَّعه) البشير أي (التزام) أثيوبي بمد السودان بحصص من كهرباء السد، ولم يتطرَّق لـ(حجمها) أو (سعرها) أو متى (ستُنشئ) أثيوبيا خطوط نقل هذه الكهرباء للسودان، ومن الذي سيتكفَّل بتكاليف هذه الخطوط أو تلك الإنشاءات! ثم لماذا لم يعترض البشير على السعة التخزينية العالية للسد المُضَمَّنَة في الاتفاقية والبالغة (74) مليار متر مُكعَّب، ليأتي اليوم وينصحنا بتوخي الحذر! لماذا وافق عليها وهي تتناقض وآراء اللجنة الثلاثية القاضية بتخفيضها لنحو (11) مليار، وذلك تبعاً لتقرير اللجنة في مايو 2013، تلافياً للأضرار الناجمة عن تخزين هذه الكمية الكبيرة من المياه؟! مع مُلاحظة (تعثُّر) دراسات (سلامة) السد التي مازالت تنتظر تكوين لجنة الخبراء الدولية، بالإضافة لتعثُّر دراسات التشغيل والملء والتفريغ والجوانب وهي جميعها (في علم الغيب)! بخلاف عدد من انعكاسات السد السلبية على السودان نتيجة لحجز مياه الفيضان، وبالتالي ضياع أراضي الجروف وإضعاف تغذية المياه الجوفية التي أثبتتها دراسات (الوزارات المعنية) بشأن الآبار الإختبارية (عملياً)، وليس (افتراضاً)! وهناك أيضاً (فُقْدَان) كلٌ من الري الحيضي والفيضي، و(صعوبة) ملء خزاني الـ(روصيرص) و(سنار) وبالتالي توليد الكهرباء منهما، وفُقْدَان مياه ري مشروعات النيل الأزرق، بما فيها مشروع الجزيرة والرهد والسوكي!

لقد بدا واضحاً أنَّ البشير (يتنصَّلْ) من مسئولياته ولا يستحي مما يقول، وهو يعلم تمام العلم حجم الوَرْطَة التي أدخل فيها السودان، حتَّى وإنْ أظْهَرَ بعضاً من الصدق – وهو أمرٌ لم نَأْلَفْه منه – إلا أنَّه كعادته (أخفى) كثيراً من الحقائق القاسية التي يجب علينا كـ(شعب سوداني) استيعابها والتعامُل معها بجدية، لعلَّ أبرزها (حتمية) الإسراع بإزالته هو وعصابته كخطوةٍ أولى لإنجاح أي جهود للحاق بما تبقَّى من السودان، ليس فقط باعتبارهم سبب كل الـ(كوارث) التي لَحِقَتْ بنا، وإنَّما لإقراره بعَجْزه وعدم (أهليته) لإدارة الدولة، وتنفيذاً لـ(نصيحته) الـ(غالية) باتخاذ كل سُبُل السلامة وهي (دون شك) تبدأ بإزالته كـ(مُسبِّب)، ثم مُعالجة الأعراض (جَمْعْ عَرَضْ)! فقد كان بإمكان البشير اتخاذ بعض الإجراءات الكفيلة بضمان حقوق السودان وشعبه، لكنه لم يفعل لينجو بنفسه تبعاً لابتزاز أثيوبيا له ولجماعته، ليأتي الآن ويَنْصَحْ (الجميع) بقبول السد كأمرٍ واقع! وهو ذات الفعل – أي قبول الأمر الواقع – الذي ظل البشير ينتهجه معنا في السودان هو وجماعته في أكثر من قضية، سواء كانت احتلال الغير لأراضينا، أو مُخطَّطات التمزيق التي استهدفوا بها السودان، أو ضرب وقتل وتشريد أهله، انتهاءً ببيعهم والمُتاجَرة بهم والارتزاق بدمائهم، ثم يُطلق النصائح وهو (يَسْتَجِمْ) دون حياء!

إنَّ من المُؤسف، بل المعيب، تجاهُل جميع الأحزاب والحركات والقوى السياسية السودانية لهذه القضية الخطيرة، ما عدا الحزب الليبرالي السوداني الذي أصدر بياناً واضحاً وقوياً لمُناهضة هذا السد (الكارثي)، وهو ما لم يفعله غيره من القوى السياسية السودانية على اختلافها ودون استثناء، رغم إدعائهم جميعاً للوطنية والحرص على الوطن وأهله! وفي هذا نقول، بأنَّ الفرصة ما زالت مُواتية أمام قُوانا السياسية ورموزها لاتخاذ موقف (وطني) و(نضالي) قوي وواضح تجاه هذه القضية الجوهرية، وأنْ تأتي مُتأخِّراً خيراً من ألا تأتي! فعلى الرغم من بعض (تعقيدات) سد النهضة الذي قطع أشواطاً مُقدَّرة في البناء، ما يزال الأملُ موجوداً لـ(تأمين) موقف السودان، عبر بعض الإجراءات القانونية والديبلوماسية، كتضمين نصوص واضحة المعالم كملاحق للاتفاقية (استناداً) لتبعية الأرض المُقام عليها السد للسودان وفق اتفاقية 1902 والتي لَغَتها اتفاقية سد النهضة، وتصعيد القضية في المحافل الدولية والإقليمية.

إنَّنا كسودانيين مُرغمين الآن للتحرُّك بسرعة في أكثر من اتجاه وصعيد لأجل (بقاء) السودان ككيان وشعب، ناهيك عن التنمية والتطوير التي تحتاج لتدابير أُخرى لا يسع المجال لذكرها. فالإسراع باقتلاع البشير ومن معه من المُتاجرين هو المفتاح، بل البداية الحتمية لأي جهد في هذا الخصوص، والوقت يمضي ولا مجال للتسويف والاعتراك، والتاريخ لا يرحم وسيُسجل مواقف كلٌ منا، أفراداً وجماعات وكيانات سياسية ومُنظمات مُجتمعية.