أمجد فريد الطيب  *بالفعل هناك منظمات تقوم من أجل التمويل *هكذا ... لم يعد عمل المجتمع المدني طوعيا * لابد من رجوع المجتمع المدني لمناصرة التوجهات السياسية المتفقة مع قيمه المطلقة  

 

(١)

It is not enough for thought to strive for realisation; reality must itself strive towards thought.”

                    Karl Marx

A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right

 

(٢)

الصراع الدائر بين منتقدي العمل الطوعي بدافع انه يخصم من جهد النضال السياسي ضد النظام، وبين المدافعين عنه على إطلاقه، وما بينهما من الانتقادات المرسلة على عواهنها للمجتمع المدني يحتاج لتبيان عدة مفاهيم في سياقها التاريخي السوداني.

 لا توجد ضفة صواب مطلق في هذا الصراع، فكل من المعسكرات الثلاثة تمتلك أسانيدها المادية المبنية على الواقع المعاش. ومن الحمق بمكان افتراض الصواب المطلق لإحداها دون الأخريات. وربما يكون الأجدى تتبع الأسانيد الموضوعية لكل معسكر للوصول لرأي متكامل حول سؤال “طوعنة النضال” المطروح بشدة حاليا. 

بتتبع تاريخي بسيط لتطور المجتمع المدني (وهذه الكلمة مستوردة على السياق السوداني لوصف ما عرفناه بالعمل الأهلي في السودان)، نجده نشأ وأخذ شكله الجمعي المؤسسي في خضم سعي الناس لإنشاء مؤسسات مملوكة لهم ويمتلكون امر تمويلها وتوجيهها وإداراتها بعيدا عن يد السلطة السياسية وأدواتها. بل كانت هي نفسها أدوات لمقاومة هذه السلطة والانعتاق من الارتهان لمؤسساتها. عرفنا المؤسسات الأهلية منذ عهد مقاومة الاستعمار فكان المعهد العلمي (ما بخش مدرسة المبشر عندي معهد وطني العزيز)، وكان معهد القرش، وعرفنا مؤتمرات الخريجين وجهودهم لمحو الأمية وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية، ورأينا الجمعيات الأدبية في أب روف والهاشماب وإسهاماتها في المجتمع السوداني وغيرها من منظومات الاتحادات العمالية والفئوية والنسائية والطلابية والشبابية بل حتى المناطقية، التي لم تحصر نفسها على الإطلاق في إطار يحدده لها اسمها، بل خاضت في معركة التنمية والخدمات والتحرر الوطني حتى النهاية. 

ازدادت فعالية هذه المنظومات وجنحت إلى مزيد من التخصص خلال العهد الوطني بعد الاستقلال، فانتشرت منظومة المدارس الأهلية (والتي بزغ فجرها منذ عهد الاستعمار) وتطورت جمعيات أبناء المناطق لمخاطبة قضايا التنمية المحلية بشكل أشبه بمجموعات الضغط في نظم الديموقراطية الغربية اليوم. كل هذه الجهود التطوعية لم تكن بعيدة في أي لحظة من الصراع الاجتماعي والسياسي المحيط، بل دفع بها ذلك الصراع لمزيد من التخصص في الأهداف والسعي لمزيد من الفعالية.  

كل ذلك الجهد الأهلي كان يعبر عن منظومات مجتمع مدني حقيقية تملأ الفراغ بين الحكومة كسلطة سياسية وبين الناس، حسب التعريف السائد الذي يجنح به البعض لاعتبار أن الأحزاب السياسية ذات نفسها ما هي إلا احدى منظومات المجتمع المدني.

كان الوضع في السودان بالضبط كما وصفه الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد… كانت لدينا على الدوام منظمات مجتمع مدني ولكن لم نكن نعرف أن ذلك اسمها … كل ما كان جديدا أن الفكر السياسي المعاصر أعاد تعريف منظماتنا الأهلية هذه تحت مظلة (المجتمع المدني والمنظمات الطوعية غير الحكومية). 

(٢)

هذه المنظومات كما سبق قامت بالأساس في خضم الحراك للانعتاق عن سلطة الدولة الإدارية. وكان من ثمار ذلك التطور النقابي الكبير الذي شهده تاريخ السودان وتطور منظومات اتحادات المرأة والشباب والطلاب بشكل بالغ الأثر على التاريخ السوداني. بل إن منظومات العمل الأهلي كانت السباقة لاقتحام مجالات جديدة للتقدم من تعليم النساء وصراعات بابكر بدري ومدارس الأحفاد لتحويلها إلى واقع، ومجالات محاربة العادات الضارة وغيرها وغيرها مما يحكي به كتاب التاريخ. وكان ذلك التطور -لو ترك لشأنه -كفيلا بإنتاج نموذج متطور لمجتمع مدني سوداني معافى من أمراض “طوعنة النضال” أو الارتهان لأجندة الممول، حتى أتى عهد التسعينات الكالح. 

كان نظام انقلاب الجبهة الإسلامية يعي تماما خطورة وجود هذه المنظومات خارج سياق سيطرته. فاعمل معول تكسيره أول الأمر في النقابات باعتبارها الأكثر فعالية في الحراك السياسي المباشر، ثم التفت إلى بقية منظومات العمل الأهلي ليصدر قوانين مفوضية العمل الإنساني وقانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني والتي فرضت شكل تطور معين للمجتمع المدني بحصره في المنظمات المسجلة عنده. القوانين التي شرعتها السلطة كانت ذات طبيعة أمنية بامتياز، منبتة تماما عن التطور البنيوي والموضوعي الذي شهدته المنظومات الأهلية والمجتمع المدني في السودان. 

هدفت هذه القوانين بشكل جوهري لحصر منظومات العمل المدني والنشاط الطوعي في السودان في الجانب الإنساني والخيري فقط لا غير (والاسم يخبرك). هذا التغيير لم يكن محض تغيير وظيفي للمؤسسات الأهلية بل هو تغيير بنيوي يتعارض مع طبيعتها وتركيبتها وإرثها. 

كانت القوانين المذكورة ذات طبيعة أمنية بامتياز كما أسلفت بشكل يعكس توجهات حكومة انقلاب ٨٩ بشكل نموذجي. منحت تلك القوانين الحكومة سلطة الإشراف الرقابي الكامل على نشاطات المجتمع المدني بل منحتها سلطة الموافقة على التسجيل وتجديد التسجيل والحق في رفضه، وأكثر من ذلك فقد منح المشرع السلطوي نفسه الحق في تحديد مبادئ وأهداف العمل الطوعي (الإنساني كما اسماه) والتي اعتبرتها السلطة من شروط شرعية العمل الأهلي. وضعت هذه القوانين مؤسسات الجهد الطوعي السوداني في بيت الطاعة السلطوي الذي كان أساس قيامها من البداية هو السعي للانعتاق منه.

(٣)

تزامن اعتقال المجتمع المدني السوداني في محبس سلطة انقلاب ٨٩ مع ظهور وانتشار مفهوم المجتمع المدني العالمي واعتباره أحد الأدوات الضرورية للمحافظة على الديموقراطية في مواجهة تحديات العولمة. وأدى ذلك لانتشار شبكات الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية المختلفة بشكل متجاوز للجغرافيات والحدود القطرية. كما صاحب ذلك انتشار الاعتماد على التمويل الخارجي العابر للحدود باعتبار وحدة وعالمية الأهداف والحقوق التي تدافع عنها هذه المنظومات.

أثر التمويل الأجنبي بشكل مباشر على التمويل الاجتماعي الوطني الذي كانت تحظى به منظماتنا الوطنية ويمنحها قدرا كبيرا من الاستقلالية في محيط عملها المحلي والإقليمي والعالمي. 

كما أدت العلاقات الاقتصادية الناشئة إلى تأثر كثير من منظمات المجتمع المدني بأجندة الممول. الأمر الذي انتبهت له كثير من الحكومات والدول والمنظومات القارية في الغرب فأصبحت هي نفسها -في مفارقة جديرة بالتتبع -أكبر ممولي المنح المقدمة لمنظمات المجتمع المدني (غير الحكومية). 

بالطبع لم يؤثر هذا العامل على كل منظمات المجتمع المدني بذات القدر، وفي ذات الحين لم يلجأ كل ممول لاستخدامه. ولكن ظاهرة منظمات تقوم من اجل التمويل وليس لأهداف معينة ظهرت بالفعل. 

تطور المؤسسية والعلاقات الاقتصادية داخل هذه المؤسسات مع مجزرة الصالح العام التي شهدها السودان في التسعينات أدى إلى جعل هذه المنظومات أحد أكبر مجالات التوظيف المهني.

الأمر الذي ساهم مع قوانين بيت الطاعة السلطوي إلى نزع صفة التطوع من هذه المنظمات بشكل كبير. وهذا لم يكن شرا كله بل ساهم في زيادة الفعالية والالتزام في عمل هذه المنظمات ولكنها ظلت تدور في فلك الحدود التي رسمتها لها السلطة. 

(٤)

كل تلك العوامل السابقة أدت إلى ظهور شكل جديد من العمل الطوعي في سياق الحراك الاجتماعي السوداني. فظهرت المبادرات التي تستند في شرعيتها على قيم عملها وأهدافها -مثل لا لقهر النساء، نفير، شارع الحوادث، تعليم بلا حدود … الخ-والتي استندت إلى شرعية الحوجة لعمل اجتماعي أو مدني معين في لحظة معينة متجاهلة تماما قوانين التنظيم التي وضعتها الدولة. واختارت الرجوع لأشكال وتقاليد العمل الأهلي التطوعي السوداني القديمة وأساليب التمويل الوطني القاعدي. نجحت هذه المبادرات في انتزاع مساحاتها للعمل ولكنها بقيت أسيرة لحظتها فلم تستطع التمدد خارج المساحات التي انتزعتها للعمل بضغط لحظة التكوين الأولى.

هذه المبادرات الطوعية وان كانت قد قدمت خدمات جليلة وعظيمة في المجالات التي عملت فيها لكن شروط الواقع لم تسمح لها بالتطور المؤسسي الموضوعي ناهيك عن الرهق الذي لقيته في مواجهة سلطة لا تعترف بها ولا ترغب في التعامل معها. 

جهود هذه المنظومات الطوعية لا تخصم بالطبع من تراكم أي نضال سياسي ضد النظام. فالشاهد أن غرض الحراك السياسي هو حل مشاكل الناس بشكل أو باخر وليس تأزيم حياتهم إلى الحد الذي يجعلهم يغيرون النظام السياسي.

فالوعي بالحقوق السياسية والاجتماعية هو الكفيل بصناعة التغيير وليس الأزمات الاقتصادية والاجتماعية فحسب. ناهيك عن أن هذه المبادرات -والمنظمات-ساهمت في تعرية أوجه قصور الدولة بشكل كبير للمواطنين ونشرت ثقافة محمودة للمسئولية الاجتماعية. 

(٥)

إن أزمة المجتمع المدني في السودان ليست أزمة داخلية فيه بل هي أزمة حصار سلطوي أدى إلى إجهاض تطوره الموضوعي بمحاولة وضعه خارج سياق الصراع الاجتماعي والسياسي وحصره في تقديم المساعدات الإنسانية ومساعدة الدولة في مشاريعها. والتفكير في تدبر مخارج هذه الأزمة لا يبدأ بنقد المجتمع المدني -على ضرورة ذلك-بل في محاربة وتكسير قيود القوانين السلطوية التي تمنع تطوره الطبيعي. إن رجوع المجتمع المدني إلى الفعالية السياسية والاجتماعية كفاعل تقني غير حزبي يناصر ويدعم التوجهات السياسية التي تتفق مع قيمه المطلقة التي يدعو لها هي أفضل ما يمكن أن يحدث لهذه البلاد في سعيها نحو دولة حقوق ومواطنة وسيادة قانون حقيقية.