رشا عوض عندما تطرح فكرة"علمانية الدولة" للنقاش في منابر "الإسلام السياسي" تكاد تكون الأسئلة التقريرية من قبيل: ما هو موقفكم من زواج المثليين؟ وما هو رأيكم في الإباحية الجنسية؟  من الثوابت التي يبدأ نقاش العلمانية بإثارتها.

 وهذا يتسق تماما مع “الطبيعة التهييجية” لخطاب “الإسلام السياسي”، فهو خطاب سياسوي، تعبوي، يسلك أقصر الطرق إلى الحشد العاطفي مهدرا مع سبق الإصرار والترصد الأمانة الفكرية ومقتضيات الحوار العقلاني.

وفي الجانب العلماني نجد أن هناك من يرعبه مثل هذا الابتزاز والإرهاب الفكري، فيتحصن في موقف دفاعي، يبدأ بالتبرؤ من “العلمانية” والاستنجاد بمفردات أخرى كالدولة المدنية أو دولة المواطنة (رغم أن هذه المفردات نفسها غير مبرئة للذمة أمام الإسلام السياسي، لا سيما في نسخته السلفية)، وينتهي بتأكيد الحرص على الاستقامة الأخلاقية وكأنما” الإسلام السياسي” هو الجهة المخولة لفحص سلامة المواقف الأخلاقية للآخرين ومنحهم صكوك الغفران! وكأنما الارتباط الحتمي بين “علمانية الدولة” و”زواج المثليين” و”الإباحية الجنسية” صحيح! في حين أن “الدولة العلمانية الديمقراطية” يتولى أمر التشريع فيها برلمان منتخب، فما هي المعضلة في أن يصطف كل الرافضين ل”زواج المثليين” ويغلقون الطريق “ديمقراطيا” على تقنينه؟ وبداهة وصول قضية كهذه إلى البرلمان في سياقنا  الاجتماعي والثقافي افتراض غير واقعي أساسا.

إن هذا النوع من الأسئلة، أي أسئلة المثلية والإباحية عندما تطرح في سياق مناهضة فكرة”علمانية الدولة” يكون الهدف منها الانصراف عن جوهر الفكرة، وإثارة الغبار الكثيف الذي يحجب الرؤية تماما، فالإسلام السياسي لا يحتمل فحص “مزاعمه” تحت أضواء العقل والمنطق، وعلى رأس هذه المزاعم أن في الإسلام نظاما للحكم، وأن للإسلام دولة خاصة لا تشبه دول العالمين غايتها”تطبيق الشريعة الإسلامية”، وأن من الواجبات الدينية على كل مسلم الاصطفاف خلف من يرفعون راية “الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية”، أي الاصطفاف خلف تنظيمات”الإسلام السياسي” دون قيد او شرط! ودونما أدنى تساؤلات حول ما تحمله هذه التنظيمات من حلول وبدائل لإدارة الشأن العام المعقد الزاخر بالقضايا ذات الطابع العملي، والتي تتطلب إجابات تفصيلية، كمية ووصفية، على أسئلة الإدارة والاقتصاد والتنمية والخدمات والأمن والعلاقات الخارجية، وغير ذلك من الأسئلة التي عندما تطرح على دهاقنة الإسلام السياسي في ندوات القاعات المغلقة، يجيبون بأن كل هذه القضايا تركها الإسلام للاجتهاد البشري، الذي يتغير تبعا لمتغيرات الزمان والمكان، وأن الإسلام معني بالكليات وليس التفاصيل! وبما أن شأن الدولة كمؤسسة تدير أمن الناس ومعاشهم ، هو شأن “تفاصيل” بل تفاصيل التفاصيل، فإن اعتراف “الإسلام السياسي” بأن شأن التفاصيل متروك للاجتهاد البشري يعزز أطروحة “علمانية الدولة”! لأن الاجتهاد البشري في استنباط او استنتاج نظم وتصورات وبرامج معينة لإدارة الشأن العام ، وإن كان  من القرآن، يظل فعلا بشريا، ابن ظرفه الزماني والمكاني، ومحدودا بمحدودية العقول التي مارسته، ومتأثرا بمصالح وعواطف أصحابها، وبالتالي هو فعل “علماني محض” ! ووصفه بأنه” الشريعة الإسلامية” أو “شرع الله” الذي لا تبديل له محض تدليس!

   والتدليس الأكبر، بل النفاق، يتجلى في أن دهاقنة “الإسلام السياسي” يمارسون مع سبق الإصرار والترصد ازدواجية الخطاب، حيث انهم في منابر السجال السياسي وساحات حشد الجماهير واستقطابهم يبلعون أحاديثهم عن الاجتهاد البشري المتغير، وعن عدم وجود تفاصيل بعينها او نظم حكم بعينها ملزمة للمسلمين، ويتحدثون مع المختلفين معهم سياسيا والمعترضين على برنامجهم السياسي”الاجتهادي البشري” بمنطق “المفاصلة الدينية”، فالمختلفون معهم هم أعداء الإسلام! ويريدون إطفاء نور الله! وتبديل شرعه! ويريدون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا!

ومن هنا ينحسر النقاش الجاد المطلوب حول “علمانية الدولة” كقضية ذات أبعاد فكرية وفلسفية وسياسية، وطرحها في مجتمعاتنا المسلمة يستوجب نقاشا خاصا وعميقا حول الإسلام والتجارب التاريخية للمسلمين فيما يتعلق بالحكم والسياسة وإقامة الدول، واستخلاص الدروس الكلية من هذه التجارب، وبلورة رؤية فكرية غير تقليدية حول علاقة الدين بالدولة، لأن عملية توطين فكرة”علمانية الدولة” في مجتمعاتنا لن تنجح دون مخاض فكري ذاتي داخل سياقنا الثقافي والاجتماعي والتاريخي، لا سيما ان تاريخنا حافل بتجارب استغلال الدين في السياسة وتجارب قمع الأفكار التجديدية باسم الدين، وحافل كذلك بتوجهات فكرية وفلسفية عقلانية تصلح منصة انطلاق نحو “علمانيتنا الخاصة”.

ولكن سماسرة “الإسلام السياسي” يعطلون كل ذلك بما يظنونه أسئلة صاعقة تأتي على بنيان العلمانيين من القواعد، أسئلة “ما رأيكم في زواج المثليين” وما رأيكم في “الإباحية الجنسية”، وما رأيكم في فتح البارات والمراقص ، وهي “أسئلة تقريرية” يمكن الاتيان عليها من القواعد بكل سهولة  وفضح تهافتها  وحمولتها من الجهل والتهريج.

ففي موضوع “المثلية الجنسية مثلا” هل “الدولة العلمانية الحديثة”  هي التي خلقت المثليين من العدم أم أن هذه الظاهرة قديمة قدم التاريخ نفسه، وعرفتها المجتمعات على اختلاف أديانها، ولم تفلح كل التدابير العقابية والقمعية في استئصالها، وحتى المجتمعات المسلمة في مختلف عهود ما سمي اصطلاحا بدولة “الخلافة الإسلامية” عرفت هذه الظاهرة التي وثقها الادب والشعر العربي(أشعار أبو نواس، وكتاب الروض العاطر في نزهة الخاطر للنفراوي على سبيل المثال).

وهل كانت الدول الدينية، إسلامية أو مسيحية  على مر التاريخ خالية من ظاهرة المثلية ومن العلاقات المحرمة مع النساء ومن الاعتداء الجنسي  على الأطفال؟ فضلا عن الجرائم الأخطر من كل ذلك مثل سفك دماء الأبرياء والاستبداد السياسي الغليظ وتمرغ السلاطين في النعيم والثراء الفاحش من عرق المساكين المقموعين، والفساد والمحسوبية وأكل أموال الناس بالباطل؟ كل ذلك مارسته الدول الدينية واستغلت الدين في تبريره وتحصينه!

ما أود أن أخلص إليه هنا هو ان إكثار جماعات الإسلام السياسي من محاولات إحراج الطرح العلماني بأسئلة متعلقة بالسلوك الشخصي والأخلاق  تعكس خللا عاما في نظرة هذه الجماعات لموضوع الاخلاق من جهة، وخللا في فهم وظيفة الدولة من جهة أخرى! فحماية مكارم الأخلاق من وجهة نظرهم رهينة للرقابة البوليسية والعقوبات الرادعة، التي يجب أن تكون محور عمل الدولة ! أي ان الدولة من وجهة نظرهم شرطي آداب كبير!

وفي المقابل يسقطون هذا الفهم على الدولة العلمانية التي يظنون – وبعض الظن إثم – أنها سوف  ترسل شرطيا الى كل مواطن  ليدخله الى البار بالقوة ولا يغادره إلا إذا سكر، وتقيم حفلات زواج جماعي يتم فيها تزويج الرجال لبعضهم البعض بالقوة، وبذات القوة  يتم إجبار كل رجل وامرأة على الزنا!

والسؤال هل الدول “العلمانية الديمقراطية” في الغرب والتي يعيش فيها ملايين المسلمين ومن بينهم “إسلاميون معتدلون ومتطرفون” تفعل ذلك؟ هل أجبرت تلك الدول أحدا على مثلية او أي سلوك رغم إرادته؟  ألم تسمح أجواء الحرية هناك للمسلمين بتشييد مساجدهم وإقامة شعائرهم وعباداتهم واختيار السلوك الأخلاقي الذي يرغبون؟ لماذا لم تتوقف جيوش المهاجرين المسلمين عن الاستبسال في الوصول إلى الدول الغربية رغم قوانينها التي تبيح زواج المثليين؟

إن أزمة التفكير السائدة في مجتمعاتنا والتي يغذيها ويتغذى منها الإسلام السياسي  هي  ان كل شخص يريد ان يثبت غيرته على الأخلاق عبر الآخرين وليس عبر التزامه الشخصي، فمن أراد أن يكون عفيفا لا يفعل ذلك من خلال التحكم في شهواته بل من خلال التحكم في أخواته! والإكثار من المواعظ والحديث عن العفة! والنظم السياسية التي تبرر وجودها بحماية الأخلاق يمارس منسوبوها شتى أنواع الفساد الأخلاقي، فيما تثبت أخلاقيتها بالرقابة البوليسية على السلوك الشخصي للمواطنين! وبكثرة حديث وسائل الإعلام الرسمية عن الإباحية والمثلية في الغرب!

إن أية أخلاق لا تتأسس على حرية الاختيار، هي محض نفاق، وأعداء الحرية هم أخطر أعداء الأخلاق رغم أنف أي ادعاءات.

إن أكبر تجليات الأزمة الأخلاقية في مجتمعاتنا هي حالة الخوف والرعب الشديد من”الحرية” فتصبح عبارة: “الناس أحرار في سلوكهم الشخصي” مرادفا لعبارة ” يجب ان يكون جميع الناس سكارى وغارقين فيالإباحية ،الجنسية وعاطلين عن اي فضيلة”! مما يعني أن الرهان دائما على الوصاية والقمع! لا على التربية والتوعية واستنهاض القيم الخيّرة في النفوس”الحرة”، رغم أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يقتضي بلورة مناهج فكرية تؤهل الإنسان للتكيف الإيجابي مع القاعدة الذهبية”حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين” وتنمي لديه باستمرار قدرات الالتزام الصارم بخياراته الأخلاقية في بيئة اجتماعية تعددية زاخرة بما يناقض خياراته، مستعصية على الوصاية ولكنها في ذات الوقت قابلة للتغيير بوسائل العصر : الحوار ، الفنون والآداب، الإعلام،الضغط السياسي بالوسائل السلمية إلخ وهذه الوسائل مفتوحة للجميع بمن فيهم المتدينون الأصوليون والمتدينون العلمانيون.

.وشخصيا لا أرى .غضاضة في ان يكون “العلماني” متدينا، لأن “علمانيتنا” التي يجب ان نسعى لتأسيسها لا بد ان تكون تعددية، ديمقراطية وغير معادية للدين من حيث هو