* من يشكك في الصحيحين لا يكون "حكماً" و"عدلاً"!  * "شكك الترابي في عصمته" و"وصفه محمود بالمصطفى المعصوم"! 

عيسى إبراهيم *

** في عددها رقم (5307) بتاريخ الثلاثاء 10 نوفمبر 2015 التقت صحيفة “الوطن” بأبي بكر عبد الرازق في مؤانسة (كما تقول) في الدين والسياسة (2)، وجاءت بعنوان من وحي مؤانستها هذه معه يقول: “محمود محمد طه متخلف بمراحل عن الترابي”..وكان الصحفي مجدي العجب هو الذي قام بالمؤانسة ممثلاً لصحيفة الوطن!..

فلاش باك

نقول: لقد أشفقت كثيراً على الترابي حين حدثت المفاصلة التاريخية بينه (منشية – الترابي) و(قصر- البشير) في العام 1999 فقد رأيت سامر الترابي ينفض من حوله ويتركه وحيداً يعاني عاديات الزمن، تتقاذفه الرياح من كل جانب، ويتنكر له حتى أكثرهم قربى منه وتعلقاً به (رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده المال!، “سلطة للساق ولا مال للخناق”)، ولم أتبين ساعتها أين موقع العزيز أبوبكر من إعراب الترابي، ولقد شهدنا الهجوم المتواصل على الترابي (الكارزما) بل والوصول إلى حد تكفيره واهدار دمه (إسماعيل الحكيم إمام وخطيب المسجد الكبير بالخرطوم)، وقد “أهدر أئمة مساجد في السودان دم زعيم الإسلاميين السودانيين د. حسن الترابي، عقب إفتائه بمساواة الرجل بالمرأة في الشهادة، (الخرطوم: أحمد يونس – 30/11/2014). بل أخذتني الحيرة من كل جوانبي حين انبرى له مهاجماً محمد وقيع الله الذي ألف كتاب “التجديد الرأي والرأي الآخر” الطبعة الأولى 1989، الذي صدر كفاتحة لسلسلة من منشورات الجبهة الإسلامية القومية، التي تهدف ـ حسب قولهم ـ إلى تجلية مناهج ومرتكزات الفكر الإسلامي الذي تتبناه هذه الجبهة، أما امين حسن عمر الذي ألف كتاب ” أصول فقه الحركة ـ سلسلة رسائل الحركة الإسلامية الطالبية ” في الدفاع عن آراء الترابي التجديدية فقد اكتفى بالبقاء مع “قصر البشير” مستمراً في تسنم عددٍ من المهام السلطوية ولم يبد رأياً مخالفاً وإن أبدى موقفاً مخالفاً بالبقاء مع “القصر” (سلطة للساق) لا مع “المنشية“.

أبوبكر عبدالرازق فاقد للأهلية وليس حكماً عدلاً: لماذا؟!

لقد شكك أبوبكر في صحيحي البخاري ومسلم وطالب بمراجعتهما الآن، ووضع حركته الاسلاموية وشخصه فوق قامة صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين) لاعتقاده أنهم (أي الصحابة) فشلوا في ما نجحت فيه حركتهم (لأنهم في الحركة حين اختلفوا لم يقتتلوا والصحابة اقتتلوا)، وفي رأينا أن رجلاً يمتلك كل هذه الجرأة على ثوابت الأمة ورموزها يكون فاقد الأهلية، وليس حكماً عدلاً!.

الترابي يغرق في حفرة الفقهاء

يقول وقيع الله صاحب كتاب (التجديد الرأي والرأي الآخر): “قام الدكتور الترابي بمحاولة لوضع معيار عام يفرق بين السنة التشريعية وهو أمر خاضت فيه مختلف كتب علم الأصول، ولم ينفرد به الدكتور الترابي أو يسبق إليه، ثم ذكر رأي الشيخ عبدالوهاب خلاف وأعقبه بتناول رأي محمد أبو زهرة!.

خلَّاف بين التشريعية وغير التشريعية

قام خلَّاف بالتفريق بين  السنة التشريعية والسنة غير التشريعية فقال: “ماصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال إنما يكون حجة على المسلمين واجباً اتباعه إذا صدر بوصفه أنه رسول الله، كان مقصودا به التشريع العام والاقتداء، وذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) إنسان كسائر الناس اصطفاه الله رسولاً إليهم.

  • ·         ” فما صدر عنه بمقتضي طبيعته الإنسانية من قيام وقعود ومشي ونوم وأكل وشرب فليس تشريعاً لأن هذا ليس مصدره رسالته ولكن مصدره إنسانيته.
  • ·         وما صدر عنه بمقتضى الخبرة الإنسانية والحذق والتجارب في الشؤون الدنيوية من إتجار أو زراعة أو تنظيم جيش أو تدبير حربي أو وصف دواء لمرض أو امثال هذا فليس تشريعاً أيضا لأنه ليس صادراً عن رسالته، وإنما هو صادر عن خبرته الدنيوية وتقديره الشخصي.
  • ·         وما صدر عن رسول الله ودل الدليل الشرعي على أنه خاص به فليس تشريعاً عاماً كتزوجه بأكثر من أربع زوجات.

رأي أبو زهرة في الأمور التشريعية وغير التشريعية

محمد أبوزهرة يقول في ذات الموضوع: “ذكرنا أن السنة النبوية أقوال وأفعال وتقريرات، وأنه بلاشك كل أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) وتقريراته من الدين وحجة فيه، فهل كل أفعاله (صلى الله عليه وسلم) حتى ملبسه ومطعمه تعد من الدين؟!. لقد قسم العلماء أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ثلاثة أقسام:

  • ·         أولها: أعمال تتصل ببيان الشريعة كصلاته (صلى الله عليه وسلم) وصومه وحجه ومزارعته واقتراضه،
  • ·         القسم الثاني: أفعال من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام الدليل على أنها خاصة به ومن ذلك التزوج بأكثر من أربع زوجات.
  • ·         القسم الثالث: أعمال يعملها بمقتضى الجبلة البشرية أو بمقتضى العادات الجارية في بلاد العرب كلبسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكله، فهذه أفعال كان يتولاها بمقتضى البشرية والطبيعة الإنسانية وعادات قومه.
  • ·         من الأمور ما اختلف فيه بعض العلماء من حيث كون فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو تلبسه به، كان من قبيل بيان الشرع أو من قبيل العادات، كتربيته لحيته عليه السلام بمقدار قبضة اليد، فكثيرون على أنه من السنة المتبعة… والذين قالوا انه من قبيل العادة لا من قبيل البيان الشرعي قرروا أن النهي الذي لايفيد اللزوم بالاجماع وهو منع التشبه باليهود والأعاجم الذين كانوا يطيلون شواربهم ويحلقون لحاهم… وهذا يزكي أنه من قبيل العادة وذلك ما نختاره”.

معيار الترابي المضاف إلى تفريقي خلاف وأبو زهرة!!

لقد أضاف الترابي إلى معيار التفريق بين السنة التشريعية والسنة غير التشريعية، التي لم يتفق عليها اتفاقاً تاماً الشيخان أبوزهرة وخلَّاف، أضاف “معياراً أصولياً عاماً” في معرض اجابته على سؤال طرح عليه من مؤلف كتاب “التجديد” ونشر بصحيفة ألوان كما ذكر وقيع الله، قال الترابي: “كانت قضية الذباب بالفعل واردة في سياق قضية كلية أصولية هي تحديد مدى حجية كسب الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقد غلا البعض حتى جعلوا كسب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حيث قوة الحق ومداه وذلك أمر قد يطعن في قضية التوحيد، وفصل آخرون بين السنة التشريعية الناشئة بحكم النبوة والرسالة، وبين السنة غير التشريعية الناشئة بحكم الجبلة البشرية، وجعلوا الأولى حقاً ملزماً قد يعتريه الخطأ اليسير ولكن يلزم ان يرد عليه التصويب القرآني حتى يكون الرسول معصوماً.

ولكن هؤلاء مثلوا بأعيان أفعال من السنة ولم يقيموا معياراً أصولياً عاما،ً فحاولت أن أجد ذلك المعيار الفقهي المنضبط في التمييز بين المسائل الخلافية في العلم والسلوك الانساني وما بعث الرسل، عليهم السلام، إلا ليبينوا للناس ما اختلفوا فيه.. واما المسائل المتعلقة بأشياء الطبيعة فتركت من ثم لكسب البشر، ولم يبعث في الناس مرسلون يعلمونهم تلك العلوم الطبيعية (محمد وقيع الله احمد – التجديد – مرجع سابق – ص 42) عاب الترابي على من سبقوه أنهم لم يقدموا معياراً أصولياً عاماً!! أما هو فقد حاول أن يجد ذلك المعيار الفقهي المنضبط في التمييز بين المسائل الخلافية، فما هو ذلك المعيار؟! اسمعه يقول: “وأما في عمل الرسول فكل رسول له من كسبه البشري، وقد تعتري المرسلين من حيث بشريتهم غواش في سياق تبليغهم للدعوة، ولكن الوحي يكتنفهم بالتصويب، وقد تعتريهم غواش في شؤون الحياة الأخرى فيرد عليهم التصويب من تلقاء الناس أو لا يرد” (وقيع الله – المرجع السابق) معنى ذلك عند الترابي أن النبي إذا غشيته غاشية في الأمور التشريعية فأخطأ فلا يقر على الخطأ، وانما يرد التصحيح من جانب الوحي، أما إذا غشيته غاشية في الأمور غير التشريعية (“وقد تعتريهم غواش في شؤون الحياة الأخرى فيرد عليهم التصويب من تلقاء الناس أو لا يرد”) فأخطأ فقد يصحح من تلقاء الناس وقد لا يصحح، فيتم تصحيحه اليوم على يد الترابي وأتباعه، هذا هو المعيار الفقهي المنضبط – على حسب تعبير الترابي – الذي حاول ان يجده فوجده، “وحسبت – يقول الترابي – أن مثل ذلك في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قضية تأبير النخل لا يشكل حادثة معزولة.. وظننت أن قضية الذباب من ذلك الباب وذكرتها على سبيل المثال لتوضيح قضية الأصول ذات المغزى”.

تعليقات لا بد منها

  • ·         لم يكن عبدالوهاب خلَّاف موفقا في أمثلته إذ بدأ بنفي أمر التشريع ثم أخذ يستثني بالذي دل عليه دليل، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) أكبر الذاكرين قاطبة (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلي جنوبهم) (الآية) وكان  ينوم على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة، وقال نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع فماذا بقي لخلَّاف إذن من الأمر غير التشريعي؟!، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (صدق الله العظيم).
  • ·         نلاحظ انضباطاً نسبياً في حديث أبوزهرة مقارنة مع حديث خلاف، وعدم التحديد القاطع في حديث خلَّاف، إذ جمع بين الأقوال والأفعال من حيث الحجية إذا صدرت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوصفه رسول الله، وكان مقصوداً بها التشريع العام والاقتداء، أما إذا صدرت عنه أقوال وأفعال بمقتضى طبيعته الإنسانية، فليس تشريعاً، وهذا بعينه ما أعطى الترابي الفرصة ليضع معياراً يستبعد به الحديث النبوي الصحيح سنداً ومتناً من مجال العمل به.
  • ·         والذي أحب أن أُؤكده هنا، أن ماذهب إليه الشيخان خلَّاف وأبوزهرة، كلاهما، في التفريق بين السنة التشريعية والسنة غير التشريعية، إنما هو اجتهاد بالرأي يوضع عند عتبتيهما، ذلك أن كل ما حسَّنه النبي (صلى الله عليه وسلم) قولاً أو فعلاً أو تقريراً فهو حسن، وهو تشريع في مجال الأمر، وكل ما قبَّحه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو قبيح وهو تشريع أيضا ولكن في مجال النهي، ولسنا في حاجة لنؤكد أن أمر الزواج بأكثر من أربع زوجات  قد حسمه القرآن الكريم في أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فريضة له من دون المؤمنين، ولانحتاج اليوم ولا غداً إلى من يفرق لنا في هذا الأمر أو يوضح، فقط يمكننا أن نفرق بين سنتين سنة العبادة وسنة العادة، فسنة العبادة نحن مأمورون بها ما وسعنا الوسع، أما سنة العادة فعلينا الأخذ بها ما استطعنا، من باب الاقتداء بالمحبوب النبي المصطفى المعصوم، قدوة التقليد ومنار الأسوة.
  • ·         لقد ولج د. الترابي حفرة الشيخين الفقيهين خلاف وأبوزهرة، ومضى في البناء على ما قدرا (اجتهاداً بالرأي) فهل استطاع الترابي الانفكاك من أسرهما أم أنه انقاد معصوب العينين حتى وقع في حفرتهما!

شمائل المصطفى المعصوم عند محمود

  • ·         يقول الأستاذ محمود محمد طه عن النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم): “وقد كانت حياة النبي كلها خيرا وحضورا وفكرا، في كل ما يأتي وما يدع، وكما كانت عبادته فكرا وتجديدا، لا عادة فيه، كذلك كانت عاداته بالفكر عبادة ووزنا بالقسط .. فقد كان يقدم الميامن على المياسر ويحب التيامن، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما .. وكان في جميع مضطربه على ذكر وفكر، فهو لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وكذلك كان نومه وأكله ولبسه، حتى كانت حركاته تجسيدا لمعاني القرآن، وكان من ثمرات صلاته وفكره وذكره في جميع حالاته، حلاوة شمائله التي حببته إلى النفوس، ووضعته مكان القدوة، إذ كان رءوفا رحيما بكل المؤمنين، يواسيهم ويترفق بهم، وكان سموحا لا يغضب قط لنفسه، وكان دائم البِشر سهل الخلق .. أرأف الناس بالناس، وأنفع الناس للناس، وخير الناس للناس، فكان يتلطف بخواطر أصحابه، ويتفقد من انقطع منهم عن المجلس، وكان كثيـرا ما يقـول لأحـدهم “يا أخي وجـدت مني أو من إخواننا شيئـا ؟؟” وكان يباسط أصحابه، حتى يظن كل منهم أنه أعز عليه من جميع أصحابه، وكان يعطي من جلس إليه نصيبه من البشاشـة، حتى يظن أنه أكرم الناس عليه، وكان لا يواجـه أحدا بما يكره، ولا يجفـو على أحد مهما فعل، ويقبـل عذر المعتذر مهما كان فعله. وقال أنس خادمه “خدمت رسول الله عشر سنوات، فما قال لي لشئ فعلته، لمَ فعلته ؟ ولا لشئ تركته، لمَ تركته ؟” “وكان بعض أهله إذا لامني، يقول : دعوه فلو قضي شئ لكان”. وكان يقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، ولم يكن يتميز على أصحابه أو يستخدمهم، ولا حتى يدعهم ينفردون بالخدمة بحضـرته، وقد كان يعمل معهم في بناء المسجد، وفي حفر الخندق، ومشى على قدميه إلى بدر، حين كان يناوب بعض أصحابه على راحلته، وشارك أصحابه في إعداد الطعام بجمع الحطب، وحين قالوا له “نكفيكه” قال “علمت أنكم تكفونيه، ولكني كرهت أن أتميز عليكم” وحاول أحد أصحابه أن يحمل عنه متاعا كان يحمله من السوق لأهل بيته فأبى، وقال “الرجل أولى بخدمة نفسه” وكان يقول “إن الله يكره من عبده أن يتميز على أصحابه” وفي مرة قام بين يديه رجل، في بعض حاجته، فأخذته هيبته، فلجلج، فقال له “هون عليك، فإني لست ملكا، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد.” فسكنت نفس الرجل، وأفصح عن حاجته، فقال المعصوم، “أيها الناس، إني أوحي إلي أن تواضعوا .. ألا فتواضعوا حتى لايبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد وكونوا عباد الله إخوانا”، (كتاب طريق محمد – شمائل محمد).

ونتساءل: هل هناك وجه مقارنة بين محمود محمد طه في اعزازه وتقديره للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ود. حسن الترابي الذي سعى بكل سبيل لفتح كوة “ثغرة” في جدار العصمة النبوية المتين ليقول بعدم عصمته في الأمور غير التشريعية ويدعي تصحيحه الآن من تلقاء الناس كما يقول، أو من تلقائه هو؟!.

 

* eisay@hotmail.com