نبيل أديب ( إن السجن بسبب دين حين لايكون هنالك غشاً كان دائما يبدو لي خرقاً للقانون الطبيعي )  رئيس القضاء في ولاية نيوساوث ويلز ـ استراليا في عام 1834

لقد أصبح إكتظاظ السجن بالنزلاء من رجال الأعمال و أصحاب المشاريع الإقتصادية المختلفة، والذين أغلقت مكاتبهم أو متاجرهم الأنيقة، ظاهرة يجب الوقوف عندها والبحث عن أسبابها. معلوم أن هذا الوضع في الظروف العادية يدعو للإعتقاد بتزايد جرائم ذوي الياقات البيضاء وهو إصطلاح يشير للجرائم التي يرتكبها رجال الأعمال وكبار رجال الدولة بدوافع مالية. وقد عرّف هذه الجرائم عالم الاجتماع إدوين ساذرلاند في عام 1939 بأنها “جرائم يرتكبها أثناء ممارستهم لوظيفتهم أشخاص يحظون بالاحترام والمكانة الاجتماعية العالية “. وتشمل جرائم ذوي الياقات البيضاء المشاريع الإحتيالية والمعروفة بمخططات بونزي، وإستخدام المعلومات التي يتم التحصل عليها بواسطة المركز أو الوظيفة لتحقيق الربح، والإختلاس وجرائم الإنترنت، وغسل الأموال وما شابهها. ولكن ذلك ليس السبب في الظاهرة التي نتحدث عنها. الواضح أن إكتظاظ السجون هو إكتظاظ بنزلاء لم يفعلوا أكثر من أنهم فشلوا في الوفاء بإلتزام تعاقدي وهو أمر لايجب أن يؤدي في حد ذاته لسجنهم، ولكن ما قادهم إلى السجن بأعداد ضاقت عنها الطاقة الإستيعابية للسجون هو قانون غير منصف، وتفسير غير صحيح وغير منصف لمادة في القانون الجنائي. نحن نتحدث عن ضحايا المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية والمادة 179 من القانون الجنائي. وسنخصص هذا المقال لدراسة المادة الأولى، ونترك الثانية للأسبوع القادم بمشيئة الله. تنص المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية لعام 1983 على أنه متى كان الحكم متعلقاً بالوفاء بدين، أو يقضى بسداد مال، فيجب القبض على المدين وحبسه حتى تمام الوفاء بالحكم. و إذا كان المدين شخصاً إعتبارياً تحبس المحكمة الشخص أو الأشخاص الذين يناط بهم سداد الدين أو الأمر بالوفاء به.

فذلكة تاريخية

  ما تقرره المادة هو أن الدائن يجوز له في مطلق تقديره أن يعاقب مدينه، بأن يسلبه حريته لمدة قد تصل لكل سنين عمره لمجرد أنه غير قادر على الوفاء بحكمٍ قضائى، حتى لو ثبت أنه فقد القدرة على السداد نتيجة لظروف لايد له فيها، كإحتراق مكان تجارته مثلاً .

 

هذا الحكم أساسه فجر التاريخ، حين إختلط الإنسان بماله، وكانت الحرية تتصل إتصالاً وثيقاً بالمال، و من لامال له يتم إسترقاقه ليتحول هو نفسه إلى مال. لذلك فقد كان قانون حمورابى يقضى بأن يسلم المدين الذى يفشل في سداد دينه للدائن زوجته، أو طفله، أو عبده، ليعمل عند الدائن لحين سداد الدين. وكان هناك خيار آخر بموجبه يسترق الدائن زوجة أو طفل المدين لثلاث سنوات فإن لم يسدد الدين يجوز للدائن أن يسترق المدين نفسه .

والمادة تجعل حرية المدين في يد الدائن، ولايملك القاضى حيالها شيئاً، و أصل ذلك القانون الرومانى المعروف بالألواح الإثنا عشر، حيث كان الدائن يقود المدين في الأغلال إلى منزله ليحبسه هناك  ستين يوماً، ولكنه كان ملزما فى خلال تلك المدة  أن يأخذ المدين إلى السوق ثلاثة مرات لتسهيل دفع فدية من أصدقاء أو أهل المدين، أو التوصل لتسوية مع الدائنين. فإذا لم يسترد الدين خلال الستين يوماً كان يحكم على المدين بالموت أو البيع كرقيق خارج روما .

حتى يكون السجن وسيلة فعالة للضغط على المدين، لا تحدد المادة سقفاً زمنياً لفترة السجن التى يقضيها و أساس ذلك أن حبس المدين هو بديل قرن أوسطي لفكرة إسترقاق المدين، والذي أبته أثينا قديماً حين أفرز وضعاً أصبح  بمقتضاه عدد كبير من المعسرين مسترقين لقلة من الأغنياء، مما كان ينذر بثورة، أو إنهيار إقتصادى، فصدر قانون يعفى عدد مقدر من المدينين ويمنع العقود التى تجعل من الإسترقاق ضمانة لسداد الدين .

هذه الأحكام تم تجاوزها منذ أواخر أيام الجمهورية فى روما، حيث عرفت التفرقة بين المدين وممتلكاته، وظهر نظام قبض أموالهم بدلاً من قبض المدينين شخصياً. وأثناء حكم اغسطس قيصر أتيح للمدين أن يقدم ممتلكات للدائن لتجنب أن يقبض عليه، ولم يكن ذلك متاحاً من قبل إلا للمدين الذى أفلس بسبب الأقدار، أى لم يكن له دخل في إفلاسه وهو دفع لا تتيحه المادة 243 فتأمل!

                                            العصر الحديث

 في القرن التاسع عشر وتحت تأثير الأفكارالليبرالية كثر الهجوم على الوسائل القاسيه المستخدمه لإسترداد الديون المدنية، وكانت صورة شايلوك الشكسبيرية تؤرق الضمير الأوروبى، فإنعكس ذلك على القانون، فأتاح للمدين أن يبرئ ذمته إذا سلم كل مايملك لدائنيه. وقد حمل عام 1869 تطوراً مهماً ألغى بمقتضاه كل تفرقه بين التاجر وغيره من المدينين، ولم يعد المدين مواجها بالسجن إلا إذا رفض سداد ديونه، رغم قدرته على ذلك. وقد منع دستور ولاية فرجينا الصادر في عام 1844 السجن لإقتضاء مبلغ حكم مؤسس على تعاقد، مالم يتضمن غشاً.

 وهكذا إكتسب الأمر طابعاً جد مختلف حيث تم التمييز تماماً بين الشخص وماله واصبح تنفيذ الحكم القضائى لا يجوز توقيعه إلا عقاباً على ما يكون قد قام به من سلوك غير أمين حيال الدائنين.

السودان والتطور المعاكس

أدخل الحكم المايوي بالمادة (243) التطور القانوني في إتجاه معاكس للتطور القانوني العالمي، ولعله من المخزي أن نقول أن الوضع في ظل الحكم الإستعماري كان أكثر إنصافا للناس من حكم تلك المادة الظلامية التي تسربت إلى القانون السودانى ضمن قوانين سبتمبر 1983 حين قرر نميرى شن حرب على كل مظاهر الإستنارة فى المجتمع. وقد كان الأمر متماشياً مع التطور العالمى قبل ذلك، فقد كان حكم المادة 198من قانون القضاء المدنى لعام 1929 يقصر سلطة سجن المدين على حالة رفض المحكوم ضده أو إهماله لسداد المبلغ المحكوم به، متى ما ثبت أنه لديه القدرة على ذلك، أو لغيرها من الحالات المحددة على سبيل الحصر التى تنم عن سوء نية المدين أو غشه ،على أن لا يتجاوز أمد السجن ستة أسابيع إذا كان الدين أقل من مبلغ معين وستة أشهر في كل الحالات. والمحكمة ملزمة بإطلاق سراح المدين في أى وقت يتم الوفاء فيه بقيمة الحكم. فالمدين لم يكن يودع السجن لمجرد عدم قدرته على الوفاء بقيمة الحكم، بل يُشترط لذلك أن يكون المدين قد وضع نفسه في موقف لم يعد قادراً معه على السداد عن طريق تصرف هو بطبيعته غير أمين، ورغم ذلك فقد حدد القانون حداً أقصى للسجن الذى يجوز للمحكمة توقيعه على المدين، وألزمها بإطلاق سراحه متى ماسدد المبلغ الذى سجن لأجله، حتى ولو لم يكن قد قضى المدة بعد. وبذلك فقد وازن المشرع بين المصلحتين، فلم يجزحبس المدين لإرغامه على السداد، إلا إذا إنطوى سلوكه على غش في حق دائنيه، وجعل إطلاق سراح المدين حتمياً بمجرد تسديد المبلغ، ووضع سقفاً زمنياً للحبس سواء تم السداد أم لم يتم.

 

حكم مخالف للدستور

مخالفة المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية للدستور، تبدو واضحة من عدة أوجه أوضحها مخالفتها للمادة 11 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، والتى تنص على انه  ” لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي ” وأحكام العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية أصبحت  جزءً لا يتجزء من الدستور وفقاً للفقرة 3 من المادة 27 منه، والتى نصت على أنه تعتبر كل الحقوق والحريات، المضمنة في الإتفاقيات، والعهود، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة .غني عن البيان أن العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية هو أحد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان.

والمادة مخالفة للدستور أيضاً بسبب عدم معقوليتها مما يخرق مبدأ سيادة حكم القانون والذي يقوم على مبدأ المعقولية، والذي يفرض على القانون عندما يقيد حريات الأشخاص الخاضعين له، أن يكون معقولاً من حيث الغرض الذي يسعي لتحقيقه، وأيضاً من حيث الوسيلة التي يتخذها لتحقيق ذلك الغرض.

من حيث الغرض فلا شك ان تحقيق إلزامية الأحكام القضائية، هو غرض مشروع، ولكن الوسيلة لتحقيق ذلك الغرض لا تبدو معقولة. لأنه إذا كان عدم سداد المدين لمبلغ الحكم سببه عدم القدرة علي السداد، وهو حر طليق يمارس عمله، فما هو الغرض الذي يمكن لإبقائه في السجن أن يحققه، حين يفقده الحرية التي توفر له القدرة علي العمل وعلي إكتساب المال .

 

حكم ينتهك الحق فى الحرية الشخصية

السجن هو أعلي درجة من درجات تقييد الحرية يمكن أن توقعه الدولة بالخاضعين لسلطانها. وهو بحسبانه كذلك، يتناقض مع الوظيفة الأساسية للدولة، وهي منح الأمان للموجودين في إقليمها. فالحرمان من الحرية يخل بشعور الشخص بالأمان وهذا ما جعل المواثيق الدولية تقرن دائماً الحق في الحرية بالحق في الأمان، وهو ما فعلته المادة 29 من الدستور حين نصت على أنه ” لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها إلا لأسباب ووفقاً لإجراءات يحددها القانون.” . لذلك فإن لجوء الدولة لسجن الخاضعين لسلطانها لا يبرره إلا وجود حاجة إجتماعية ملجئة تتم معالجتها بأحكام قانونية تتسم بالمعقولية لأن الدولة لا تملك أن تفقد الخاضعين لسلطانها الحق في الحرية والأمان بشكل متعسف.

صحيح أن السجن وفقاً للمادة 243 صادر بموجب قانون، ولكن هل يجوز للقانون أن يصادر الحق فى الحرية؟ الإجابة على ذلك تتولاها المادة 27(4) من الدستور والتى تنص علي مايلي”تنظم التشريعات الحقوق والحريات المضمنة فى هذه الوثيقة ولا تصادرها أو تنتقص منها.” والسؤال هو هل يجوز حرمان شخص من حريته  فقط لأن المحكوم له بمبلغ من المال لم يستطع ذلك الشخص أن يوفي به يريد ذلك؟ المشرع ليس طليق اليد بالنسبة للحريات الدستورية، فليس له أن يقيدها إلا لأسباب يقبلها الدستوروليس من بينها إخضاع حقه في الحرية لإرادة الدائن بدين مدنى، حتى ولو كان واجب السداد بموجب حكم قضائى. السجن يجب ان يتم اللجوء إليه دائماً كعقوبة علي جريمة إرتكبت. والعقوبة هي إيلام مقصود يتناسب مع الجريمة المرتكبة، كما وأنها تأهيل للجاني بمقابلة الخطورة الاجرامية الكامنة فيه، والتي يكشف عنها إرتكاب للجريمة. العقوبة يتم توقيعها بموجب حكم قضائي بعد أن يثبت في حق من وقعت عليه إرتكابه لفعل يعاقب عليه القانون بالعقوبة الموقعة.

المادة 243 تقضي بإبقاء المدين في السجن تلبية لإرادة الدائن دون تحديد لفترة زمنية محددة فهل يلبي ذلك المتطلبات الدستورية؟ الإجابة قطعاً بالنفي فالسجن لا يجوز اللجوء إليه إلا كعقوبة جنائية، وحتى كعقوبة جنائية فإنه لا يجوز للقانون اللجوء إليه ما لم تكن الحالة التى يتم فيها سلب الحرية داخلة ضمن الحدود الدستورية التي يقبلها الدستور لتقييد الحرية. والدستور لا يقبل تقييد الحرية، حتى ولو كان ذلك التقييد تتطلبه المصلحة العامة، إلا حين يبلغ الإعتداء على المصلحة العامة درجة تستدعى تجريم الفعل عن طريق التشريع الجنائي، الذي تضبطه قواعد لاتسمح بخرق الحرية جزافاً. والسجن إذا لم يكن لفترة زمنية معينة يعنى مصادرة الحرية وهذا لا يجوز.

                         الضمانات الإجرائية فى التشريع الجنائى

الإجراءات الجنائيه بالنسبة لما تسفر عنه من خطورة علي الحق في الحرية، يحيطها القانون بضمانات واسعة يفتقدها القانون المدني، مثل الحق في الإستعانة بمحامي، والإستفادة من الشك المعقول، والحق في حضور الجلسات، وغيرها من  الضمانات التي لا ييسرها القانون المدني الذي تلزم إجراءاته الطرف بموالاة الخصومة بجدية، وإلا فقد دعواه إذ أن الدعاوي المدنية لا تحكم لصاحب الحق فحسب، بل لصاحب الحق الذي ينشط لإثبات حقه.

الإخلال بالحق فى المحاكمة العادلة

 تنص المادة 34 فقرة (4) على ”  لا يجوز توجيه الاتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة عند وقوعه.” ما يميز الجزاء المدنى عن العقاب الجنائى، هو أن الحكم الجنائى يهدف إلى إيلام المحكوم ضده بحرمانه من حق، فى حين يقتصر الحكم المدنى على إعادة الحق لصاحبه. والحكم بالسجن هو حرمان للشخص من حقه فى الحرية، وهذا يعنى أنه في جوهره عقاب جنائي وتوقيعه لمجرد العجز عن الوفاء بمبلغ الحكم، يؤدى لتوقيعه على فعل مشروع، فالمادة تجيز توقيعه على مديرى الشركات أو الأفراد الذين يعجزون عن الوفاء بإلتزامهم نتيجة لتقلبات الأسواق المالية، والأمر بسجن مثل هؤلاء ينطوى علي عقابهم علي نشاط مشروع أثمر عن نتائج مشروعة لمجرد أنها لم تحقق له ما أراد من ربح، وهو أمر يخل بمباديء المحاكمة العادلة لأنه يوقع عليهم العقاب دون أن يكونوا قد إرتكبوا فعلا مُجّرما.

الإخلال بالفكرة الأساسية في قانون الشركات

 

تنص الفقرة (2) من المادة 243 على أنه إذا كان المدين شخصا اعتباريا تحبس المحكمة الشخص أو الأشخاص الذين يناط بهم سداد الدين أو الأمر بالوفاء به. وهذه الفقرة تهدم الفكرة الأساسية في قانون الشركات وهي إجتذاب الأموال المدخرة، والتي لاخبرة لأصحابها بخفايا السوق. فأساس قانون الشركات هو تجميع أموال لتنفيذ مشاريع إقتصادية بخلق شخصية قانونية مستقلة عن شخصية أصحاب تلك الأموال، تتعامل فى السوق بإسمها ولحسابها الخاص على إستقلال من ملاكها. وقد عبرت عن تلك الفكرة المادة 16 (2 ) من قانون الشركات حين ذكرت مايلي ” تكون للشركة شخصية اعتبارية إبتداء من التاريخ المذكور في شهادة التسجيل وتعرف  بالإسم المبين في الشهادة ويكون لها أهلية مباشرة جميع أعمال الشركة وصلاحية تملك الأموال ولها صفة تعاقبية مستديمة وخاتم عام

الشخصية القانونية للشركة

 الشخصية القانونية للشركة تعنى أنه إذا إتفق ئلاثة أشخاص على تأسيس شركة فإن تنفيذ ذلك الإتفاق ينجم عنه قانوناً أربعة أشخاص، لأن الشركة التى تم تأسيسها تصبح شخصاً مستقلاً عن الأشخاص الذين كونوه. و الشخصية القانونية للشركة لا تعدو أن تكون خيالاً قانونياً الغرض منه إستقطاب المدخرات في الحدود الذي يقرره المستثمر، الذي لايرغب في تعريض كل مايملك للضياع، حال فشل المشروع التجاري الذي يرغب في أن يساهم فيه. تمكيناً له من ذلك، فقد عمد القانون لإبتكار الشخصية القانونية للشركة، حتى يوفر آلية تمكن ذلك المستثمر من أن يحدد مسئوليته بحدود المبلغ الذى خصصه للمساهمة فى المشروع. و لايلزم القانون المستثمر الذى يرغب فى تحديد مسئوليته على أن تقتصر مساهمته في العمل على ما يقدم من رأسمال، فقد يساهم أيضا في إدارة العمل. ولكنه برغم ذلك لا تختلط أمواله بأموال الشركة بل يظل كل منهما مستقل عن الآخر .فى هذه الحالة ينال مقابل مساهمته نصيباً فى الأرباح و ينال مقابل مساهمته فى الإدارة ما يتم الإتفاق عليه من أجر سواء أكان ذلك نسبة من الأرباح، أو أجر معلوم ومحدد. ولكن قيامه بالإدارة لايلزمه بتحمل ديون الشركة في ماله الخاص، وأن كان يجعله مسئولا عن أخطائه في قرارته تجاه الشركة. وهذه المسئولية ليست إستثناء ًمن قاعدة الإنفصال في الشخصية بل هى تأكيد لها، من حيث أن العلاقة بين الطرفين ( المدير و الشركة ) تخلق إلتزامات متقابلة بين شخصيتين متمايزتين، وهذا ما يمنع إلزام المساهمين بديون الشركة مالم يضعوا أنفسهم في موقع الضامنين للشركة .أما بالنسبة لدانئى الشركة فتظل العلاقة بينهم وبين مساهميها ومديريها علاقة غير مباشرة تمر دائماً عبر الشركة. والحالة الوحيدة التى يمكن فيها لدائنى الشركة إستيفاء ديونهم على الشركة من أموال المساهمين أو المديرين هى الحالة التى يكون فيها المساهم، أو المدير، مسئول تجاه الشركة عند تصفيتها. ففى هذه الحالة يطالب الدائن بإقتضاء الشركة لحقها من المساهم أو المدير لأن ذلك يوفر مالا ً للشركة يمكنها من سداد ديونها.

السؤال هنا هو هل يستطيع قاضي التنفيذ أن ينفذ الحكم علي شخص خلاف المدين المحدد في الحكم الذي يقوم بتنفيذه ؟ الإجابة هي بالنفي، إذ لا يجوز تنفيذ الحكم إلا على أموال المدين ولكن قاضي التنفيذ له سلطة تتبع أموال المدين في أي يد كانت. و عليه فإنه فإذا كان الحكم صادراً في مواجهة الشركة، كما تتطلب المادة فإن إخضاع المدير لسلطة قاضي التنفيذ تتطلب أن يكون هنالك مالاً للشركة في يد المدير، و لا يكفي أن يكون للمدير سلطة أن يأمر بالوفاء بالدين لأن سلطة الأمر بالوفاء تتطلب بالضرورة وجود المال الذي يأمر المدير بالسداد منه. إذا فالمادة تخرق مبدآن أساسيان الأول هو أنها تتجاهل أن الشخص الذ ي تم حبسه هو شخص مختلف عن الشخص الذي صدر الحكم  في حقه.

و الثاني أن المحكمة يجب عليها أن تفعل ذلك إذا طلبه الدائن رغم أنه لم يثبت لها أن هنالك مال يخص الشركة (المحكوم ضده) تحت يد المدير الذي يجب عليها حبسه.

 إن كل هذا الخلط سببه أن المادة 243 والتي تجد أصلها في نظام الرق بعيدة كل البعد عن التعامل مع الشخصيات المعنويه التي إبتكرها القانون التجاري لمقابة المستجدات التى فرضها التطور الإقتصادى العالمى والذى لا يمكن لقانون حامورابى إستيعابه، فليس هنالك أصلاً مايجعلنا نأمر بسجن شخص غير ملتزم بسداد الدين من ماله حتي في ظل المجتمع العبودي دعك من عالمنا المصاب حتي النخاع بالأرق علي حقوق الانسان وحرياته الأسياسيه،فمدير الشركه غير ملزم بسداد ديونها من ماله الخاص إلا في إطار معين ضمن إجراءات تصفية الشركه وبعد إثبات مسئولية في حقه ـليس من أغراضنا بحثها في هذا المقال ـ وما قلناه عن مدير الشركه ينطبق أيضاً علي المساهم فيها وبالتالي فإن خلو خزينة الشركة من المال لايلزم أيا منهما بسداد إلتزاماتها فماهي مشروعية سجن شخص لأن شخص آخر ( الشركة كما ذكرنا شخص من أشخاص القانون مستقل عن اشخاص مؤسسيه ) قد  اخفق في سداد إلتزاماته علما ً بأنه لم يضمن ذلك الشخص لابفعله ولابحكم القانون ؟! لاشك أن قانون حمورابى نفسه يستنكف عن ذلك دعك  من قانون نريد  له أن يسري في القرن الواحد وعشرين .

إن تفريغ الأسواق التي يتم فيها خلق الثروات عن طريق مبادلة السلع بالنقود، لصالح السجون التي يتم فيها إنفاق ما تقتطعه الدولة من المنتجين، هي سياسة غير رشيدة إن لم تكن خرقاء. لذلك فقد نتج عن هذه المادة ثلاث نتائج: الأولى زادت الضعوط على الخزينة العامة بسبب إكتظاظ السجون بالنزلاء. والثانية حرمان الإقتصاد من النشاط الإقتصادي لرجال الأعمال القابعين في السجون. و الثالث إستحالة تنفيذ الحكم المراد تنفيذه لأن السجن يعطل المدين من القيام بأي نشاط ينتج مالاً. فهل هذا ما نريد؟!

نبيل أديب عبدالله