خالد فضل *150 دولار هي رسوم امتحان الشهادة السودانية للجنوبيين! * نموذج الدولة الفاشلة في البلدين سيد الموقف * معاملة هؤلاء تؤسس لمستقبل العلاقات بين شقي الوطن!

 كل عام وأنتم بخير , هذه أيام ذكرى مولد المصطفى(ص),وميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام , وليرحم الله شاعرنا الإنسان محجوب شريف وهو بحدائه البديع يرثي عبدالكريم ميرغني ب (النفاجو فاتح ما بين دين ودين ,نفحة محمدية وعبقا في الضريح , ميضنة كم تلالئ جيدا في الليالي ,مجدا في الأعالي مريم والمسيح ), تطل أعياد الميلاد وبين ظهرانينا إخوتنا من جمهورية جنوب السودان , حالهم يغني عن سؤالهم لقد استقلوا بدولتهم , وانفصلوا عن جسد الوطن الأم , وهم يحملون علل الوراثة الخائبة , فاندلع القتال والحرب الأهلية بين فرقاء السياسة , وهاهو العام الثاني ينقضي والمأساة مستمرة لم تنته فصولها , وبالطبع تدفق مئات الآلاف من الأسر الجنوبية صوب السودان , إذ غصبا عن موائد اللئام في منابر العنصرية , وثقافة الاقصاء والاستعلاء ,وبرامج القهر والقمع التي تسود بلادنا منذ العام 1989م , يظل الجنوبيون كما في وصف الراحل محجوب شريف , بالوسم سكان ,وبالرسم جيران. هذه هي حقائق الجغرافيا والديمغرافيا والتاريخ , لن يبدلها نعت عنصري , ولن يحولها تصريح أرعن أو خطة عمياء , أو قول فاحش بذئ عن منع الحقنة , كما ولن يبدل الوقائع تلك الشنشنة المتناثرة بين ثنايا خطاب الكراهية السائد عن الأجانب ودمغهم بكل منقصة وسبّهم دونما ذنب , وجعلهم شماعة التقصير عن الوفاء بمسؤوليات السلطة في ولاية الخرطوم وغيرها من نواحي السودان .

  هنالك آلاف الطلبة الجنوبيون يدرسون في الجامعات والمدارس السودانية , بعضهم ظلّ مواصلا دراسته بعد الانفصال وآخرون عادوا مؤخرا بعد اندلاع القتال هناك , معظمهم من ولايات أعالي النيل الكبرى, وقد تم استيعابهم في المدارس والجامعات كطلاب أجانب , وفي تقديري كانت هذه واحدة من عناصر غياب الأفق والنظرة الواعية لمستقبل العلاقات بين البلدين , هؤلاء الطلاب الآن يشكلون عناصر المستقبل لدولة جنوب السودان , وبالتالي فإن معاملتهم الآن تؤسس لمستقبل علاقات الأجيال السودانية اللاحقة في شقي البلاد الكبيرة , ثم جاءت فترة سداد رسوم امتحانات الشهادة السودانية الثانوية , وقد تم ابلاغ ادارات بعض المدارس بوساطة مكاتب التعليم في المحليات أنّ قرارا قد صدر وتوجيها وزاريا محترما قرر أن يتم تسديد رسوم امتحانات الشهادة بالعملة السودانية المحلية بما لا يتجاوز 250جنيه للطالب , لقد كان لهذا القرار وقع حسن لدى الطلبة وأسرهم اللاجئة الى وطنها الأم , وسرت موجة من الرضا في أوساط هذه الأسر , وبالفعل تم توريد هذه الرسوم بالعملة المحلية للجنة امتحانات السودان , أعرف مدرسة واحدة على الأقل فعلت ذلك , وهي من المعاقل الرئيسة لهولاء الطلاب ولعلها تشكل أكبر ملجأ لهم في الخرطوم . المهم عند تسديد كافة الرسوم المفروضة وتوزيعها ما بين المحلية والولاية وأخيرا لجنة امتحانات السودان فوجئ القائمون على أمر هذه المدرسة بأن على الطلبة الجنوبيين تسديد مبلغ 150دولارا نظير الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية , لقد اسقط بين يدي هؤلاء الطلاب وأسرهم , فقد رتبوا أمورهم على القرار الأول وشعروا بأنّ حكومة وطنهم القديم عادت الى رشد الممارسة , وأنّها بالفعل قد وعت حقائق التاريخ والمصير المشترك , لقد نسي الجنوبيون في غمرة الفرح كل آلام الماضي وجراح حاضرهم الدامية , وباتوا يشعرون بأنّ في السودان أمل ورجاء , ولكن لم تدم الفرحة طويلا , لم تتمثل حكومة السودان بقول شاعر جاهلي قديم قصيدته ضمن المقرر الذي يدرسه طلبة الصف الأول في المرحلة الثانوية بعنوان قيم ومثل , يقول (حسن قول نعم بعد لا وقبيح قول لا بعد نعم فبلا فأبدأ إذا خفت الندم , لقد قالت الحكومة السودانية (نعم) في بادئ الأمر ثم ما لبثت أن عادت لتقول (لا) القبيحة , ومع ضيق الفترة المتبقية لتسديد الرسوم , وتدهور قيمة الجنيه جنوب السوداني وتعويمه يمكن حساب مبلغ ال150دولار بما يعادل 2700جنيه , أو1650جنيها سودانيا باعتبار سعر الدولار في الخرطوم 11جنيه , مضافا إليها 200جنيه بالعملة السودانية تسدد للمحليات والولاية , أي على الطالب/ة الجنوبيين سداد ما يقارب 2ألف جنيه سوداني حتى يتمكن من الجلوس لذات الامتحان الذي يؤديه زملاؤه من الطلبة السودانيين, وفي ذات الامتحان صدرت القرارات بإعفاء الطلبة السوريين واليمنيين من أي رسوم , فيما يعامل الطلبة الاثيوبيين والارتريين معاملة السودانيين , وحدهم الجنوبيون أشقياء الحال الذين يعاملون كأجانب لا يستحقون مكرمة! هل هذا عقاب لهم لأنّهم صوتوا لصالح الانفصال؟ أم هو التخبط السياسي والاداري السائد في السودان فلا تدري جهة تنفيذية في الدولة ما تقرره جهة أخرى , أم هو تواطؤ وتلكوء من جانب حكومة الجنوب في مناقشة مثل هذه الأمور الفنية مع الجانب السوداني , أين سفارة جمهورية جنوب السودان من مثل هذه الوقائع أم أنّ هؤلاء الطلاب محسوبين على المعارضة ولذلك لا يقعون ضمن مهام السفارة ومسؤولياتها تجاه رعاياها ؟ أسئلة تبدو كلها مشروعة في ظل ما يسود من تخبط في كلا البلدين , حيث نموذج الدولة الفاشلة هو سيد الموقف .