التغيير: ولاية البحر الأحمر  *225 جنيه شهريا للماء شتاء و40 جنيه لإنارة لمبة واحدة! *أربعة آلاف من البشر يكتظون خلف الشوك والجوالات *القرى النموذجية عبارة عن أكواخ بدون تهوية أو إضاءة! * مبنى محلية القنب تكلفته اربعة مليارات جنيه!

ولاية البحر الأحمر وعاصمتها بورتسودان هي أكبر ولايات شرق السودان، ذلك الإقليم الذي يتردد اسمه في تقارير الأمم المتحدة ضمن إحصائيات الأمراض المرتبطة بالفقر وعلى رأسها السل، فضلا عن انه يعاني من انتشار الألغام الأرضية المزروعة منذ التسعينات إبان الحرب بين الحكومة والحركات المسلحة في الإقليم.

” التغيير الإلكترونية” دخلت مدينة بورسودان، من أبوابها الخلفية،    فكانت البداية بالأحياء الجنوبية وتحديداً أحياء الإنقاذات ، وهي مناطق مأهولة بالسكان تعج بالحركة والنشاط  والأسواق العامرة منها سوق الإنقاذ (أ، ب، سوق نفرين ..الخ)، في أوقات النهار  تنشط حركة المواصلات وتتوقف ليلاً عن المدينة لذلك يجتهد قاطنوها  في الوصول مبكرا تفاديا لتكاليف المبيت في المدينة.

هذه الأحياء رغم كثافة سكانها تفتقر تماما لخدمات الماء والكهرباء، فيضطرون لشراء الماء (ثمن الجوز جنيهان ونصف) وتحتاج الأسرة المتوسطة لثلاثة أجواز يوميا من الماء شتاء، أي تصرف على الماء225 جنيه أما في فصل الصيف وهو الأطول فيتضاعف الاستهلاك والأسعار.

أما في الكهرباء فيعتمد القادرون على المولدات، وتكلفتها باهظة جدا، إنارة (لمبة) واحدة فقط في المنزل تكلف 40 جنيه شهريا!

توجد بالمنطقة  ثلاث مدارس فقط: مدرستان أساس، ومدرسة ثانوية للبنين، ولا وجود للمستشفيات، هناك مركز صحي تحت الإنشاء لم يكتمل حتى الآن.

مواطنون غاضبون:

عندما سألت “التغيير الإلكترونية” أين يتعالج المواطنون؟ رد المواطن نيلسون: نعتمد على جيوبنا وهناك أسر وضعها محزن جدا ولا تملك تكاليف العلاج، وقاطعه مواطن آخر غاضبا: “ناس الحكومة ما نشوفهم بشحمهم ولحمهم إلا أيام الضرائب والانتخابات”

كلما توغلنا في تلك الأحياء المكتظة لاحظنا حالة توجس غريب من قبل المواطنين، وعدم رغبة في التحدث إلينا، وهو ما فسره لنا الشاب القديل بقوله: المعاناة هي سبب هذا اليأس والاستياء، أما الحاجة كلثوم(بائعة الكسرة) التي استوقفناها لتحدثنا عن أحوالها فأجابت على أسئلتنا باقتضاب، ودون ان تتوقف “”نحن مشغولين بحاجات بسيطة نبيعو أنا ماشة سوق نفرين ونجي تعبانين ذي ما شايفين” 

 الطريق إلى سلوم

 واصلنا السير الى سلوم حاضرة محلية القنب  (تبعد عن بورسودان مسافة 45 دقيقة باسيارة) ..المسكيت و الجفاف يتسابقان  والطريق خال  من السكان . وعندما نقول “حاضرة” فهذا مجرد مصطلح إعلامي، يخفت بريقه بمجرد النظر الى الاكواخ والأطفال ناحلي الجسم والمواطنين ينقلون المياه على ظهورهم من “الصهريج” أو الحفائر.

 

  توقفنا برهة عند الميناء الجاف الذي هوعبارة عن حوش كبير به عدد من الحاويات .

عند مدخل المدينة قابلتنا “حديقة الحيوان” التي طالما سمعنا عنها في وسائل الإعلام، فدخلناها مدفوعين بفضولنا وسرعان ما تبددت الصورة المرسومة! فلم تستغرق زيارتنا الا وقتا يسيرا، إذ لم يكن هناك سوى ثلاثة أنواع من الحيوانات: الأسود والقرود والذئاب!

طاهر حمد، حارس الحديقة أفادنا بأنها تتبع للحياة البرية وأن جامعة البحر الأحمر تتولى إطعام الحيوانات، وأكثرها كلفة الأسد الذي يتناول يوميا ما قيمته 400 جنيه من لحم الجمل!

ورغم ان الحديقة غير مكتملة إلا أن إقبال الناس عليها كبير، لعل ذلك بسبب ندرة أماكن الترفيه في تلك المنطقة.

 

واصلنا المشوار إلى داخل  ” سلوم” وكم كانت مفاجأتنا عندما  وجدنا مبنى ضخم كتب عليه “رئاسة محلية القنب” ولوحة توضح كلفة تشييده: أربعة مليارات من الجنيهات!

سؤال واحد رغبنا في توجيهه للمسؤل الأول داخل ذلك المبنى: كيف تنفقون هذه المليارات على مبنى حكومي في منطقة يسكن أهلها الأكواخ ويشربون من الحفائر؟  ولكن وجدنا المبنى مغلق وعلمنا من المواطنين أنه لم يفتتح بعد.

أثناء تجوالنا سألنا عن المصدر الرئيسي للمياه فأجابنا المواطن  علي انور الذي يعمل مزارعا بأن مصدر المياه هو   صهريج أنشأته   شركة النيل الكبرى ، وآبار حفرتها ذات الشركة، وشكا أنور من قلة الانتاج الزراعي الذي يقتصر على قليل من الجرجير والعجور بسبب قلة المياه و”المسكيت”

القرية النموذجية:

بجوار سلوم وجدنا عددا من الأكواخ التي تفتقد التهوية والإضاءة،  تسكن بها بعض الأسر رغم عدم ملاءمتها

وبين السلوم والقرية قابلنا صبية يملؤون “جركانات” المياه من الحفير(حفرة كبيرة مملوءة بمياه الأمطار)،  فسألناهم لماذا ينقلون الماء بهذه الطريقة فقالوا “الصهريج بعيد ولا نستطيع نقل الماء منه”

 

في محطة السلوم وجدنا  مدرستين أساس، ومدرسة ثانوية مختلطة للجنسين كما وجدنا مركزا صحيا واحدا.

 

 طيلة رحلتنا لم نعثر على امرأة!

 

المرأة في تلك المناطق محجوبة تماما وأقل ظهور لها مستنكر من الصغار قبل الكبار، فهي محرومة من التعليم  وأعداد الطالبات بمدارس البنات لا تذكر، وبسبب العادات والتقاليد تغادر الفتيات مقاعد الدراسة في مرحلة مبكرة جدا إن كن قد التحقن بها أصلا.

وتحدث الرجال مع النساء يعتبر جريمة بحكم العرف السائد.

لا أحد هناك يتحدث في السياسة!

 

توجس المواطنون من أي حديث عن “الحكومة” سلبا او إيجابا في الغالب، إلا علي أونور كان استثناء فقال” إنسان  الريف خدعه الموالون  للنظام وغاب عنه من يبصره بحقوقه، وأهلنا تمت تعبأتهم بعدم التعامل مع أي جهة  وأن الكل سيستغلهم لذلك  أصبحوا في عزلة مثل أصحاب الكهف ونحن نحاول توعيتهم حتى لا تستمر سياسة المناطق المقفولة”

أما معتمد القنب السابق  أو بشار  قال “للتغيير الإلكترونية” ان هناك مشاريع تنموية نفذت منها تشييد 13 مدرسة أساس ومدرستين ثانويتين وحفر 33 بئر بالمحلية وبناء مراكز صحية وتعيين عدد 4 اطباء وبناء رئاسة المحلية وربط المحلية بطرق مسفلتة . (في هذه الحالة لا بد من سؤال خبير في قضايا التنمية هل الانجازات التي ذكرها المعتمد كافية؟ وفي البدء كان يجب ان تذكر معلومات عن المحلية وعدد سكانها ومساحتها لتقييم هل تعيين اربعة اطباء يكفي؟ هل 13 مدرسة تكفي؟)

مواطنون يعتقدون ان الحكومة تعاقبهم بالإهمال

 بعد ذلك  تحولنا لجنوب سواكن حتى إيرم وأشت على طريق طوكر وجنوب سواكن وشمالاً وشرقاً بمحازاة محلية القنب، الأسكندرية، واللالوبة، والحال في كل هذه المناطق يغني عن السؤال، فالأوضاع إن لم  تزد سوءاً فليس هنالك تفاضل حيث لا خدمات ولا مقومات حياة، والخوف من السياسة أو الزهد فيها هو السائد،  قال لنا المواطن   إبراهيم  هامساً وهويرعى خرافه غرب سواكن ” الحكومة تعاقب بعض المناطق عشان وقفت ضدهم في الإنتخابات الفائتة” وشكا إبراهيم حتى من التنظيمات التي تتحدث باسم قومية البجا(التي تشكل غالبية السكان هناك) وقال”ساندناهم ولكن بدلا من أن يعملوا لصالحنا صاروا ضدنا” وأضاف   الشيخ ابراهيم باسماً “عشان كدا الناس هنا بيقولوا ليكم نحن كويسين وأنتو شايفين الحال الأمر لله” وانقلب وجهه عبوساً وتبعثرت الإبتسامة ، لعل ما يعنيه  الشيخ ابراهيم تؤكده أعداد كبيرة فيقول صالح علي  من شباب  الوحدة الأسكندرية القطاع الشرقي  “إن الحكومة تعاقب كل من يقف ضدها أو ينتقدها حتى لو كان شخصا واحدا يمكن أن تعاقب بسببه  مناطق كاملة، ونحن عانينا لفترات طويلة ولذلك وقفنا ضد الحكومة وكنا نحسب أنهم سيسعون لكسبنا بتقديم ما نحتاجه  من خدمات وذلك  من حقنا  ولكن عمليات التهميش والإهمال بغرض التركيع من أساليب المستبدين لذلك  مارسوا علينا الضغط طيلة الفترة الماضية،  ولكن ذلك زدانا قناعة ويقين بغياب عقل الحكومة وعدم صلاحيتها ، فهي تضيق الخناق على نفسها  وتزيد وتيرة الإحتقان وتعمق الشرخ وتطفئ مشاعل الأمل” على حد تعبيره، وبدا صالح واثقا من ان التغيير سيأتي.

الحكومة “شغالة شنو؟

وفي عودتنا مجددا إلى بورسودان وأحيائها الفقيرة  التقينا بالمواطن محمد محمود من القادسية بالديوم الشرقية، الذي تحدث “للتغيير الإلكترونية” ساخطاً  وقال : إن الحكومة لا تلتفت لمواطن ولا يهمها فرغم معاناتنا   دمرت الحكومة مساكننا بجرافات الإزالة بحجة انها عشوائية  وبيعت الأرض بواسطة السماسرة ونحن في العراء ،حتى الأحياء السكنية المخططة  يدفع مواطنوها للشركات والبنوك تكلفة الكهرباء أضعافا! والحكومة تنصلت من مسؤلياتها  والبنوك تسجن المواطنين كل يوم بسبب عدم قدرتهم على دفع الأقساط  بالإضافة لعدم وجود مياه وتردي الخدمات الصحية والمرضى يتعالجون  بمالهم “طيب الحكومة شغالة شنو ؟” “وحتى  بمالك ما تلقى علاج لغياب التشخيص وعدم توفر الأجهزة ، لذلك  ينتشر الدرن في كثير من المناطق بسبب الجوع والإهمال   والحكومة تتكتم وتتسترعليه وتبيد الأدلة التي تكشف ذلك  وهذا يعتبر عمل لا انساني أخر  ،  وما  بين الكتمان والإنكار يظل المواطن معرضاً للموت  من جميع الاتجاهات”(كيف تتكتم الحكومة وتتستر على مرض الدرن؟ مثل هذه المعلومات يجب التقصي عنها لانها تصلح كمادة خبرية).

أخيرا،  توقفنا بسوق “الوحدة وسلالاب شقر” الأعداد الكبيرة من  العاطلين عن العمل والفاقد التربوي الذين يترددون على أندية المشاهدة ويتبارون في لعب الورق .

ثم إنتقلنا إلى الديوم الجنوبية  ووصلنا حي بغداد وهو حي عشوائي يقطنه أكثر من اربعة آلاف يصعب دخوله من شدة الإكتظاظ حيث لا مداخل ولا مخارج،  الناس يتكدسون  وراء الجولات والخيش والشوك، وسط  بيئة متردية غير صالحة لحياة البشر، ويجد المرء صعوبة في استيعاب ان منطقة كهذه هي جزء لا يتجزأ من مدينة بورتسودان السياحية ذات الفنادق الفخمة والكورنيشات المطرزة والمهرجانات الصاخبة .  

تقارير حكومية

اوردرت وزارة التخطيط والمرافق العامة في الاشهر الماضية في نشرة لها تلقت” التغيير الإلكترونية” نسخة منها عن بدأ تنفيذ القرى النموذجية في العام 2006 والعدد المستهدف هو 30 قرية نموذجية  بواسطة شركة زادنا بتمويل إتحادي وولائي ، وقد توقف العمل بهذه القرى نهائيا بعد أن بدأ  لأسباب أطلقوا عليها “فنية”  ،كما أن جميع  القرى التي بدأ فيها العمل لم تكتمل  والغالبية لم يتم الشروع فيها  .

أما عن المياه  فذكر التقرير  بأن السدود بخور أربعات هي المصدر الرئيس لمدينة بورتسودان وأطرافها وتوفر حوالي 75 % من المياه بسعة تخزين الطلمبة 16 مليون لتر مكعب ولكن بسبب تراكم الطمي يخزن حوالي 7 مليون لتر مكعب علماً بأن التشغيل فيه بدأ 2014..

فإذا كان هذا هو حال المدينة وأطرافها القريبة فكيف يكون وضع الأرياف البعيدة التي تشكو من الجفاف  وقلة مصادر المياه.

ورغم مظاهر العمران الحديث وبريق الأرصفة والشوارع والشواطئ في “الجزء المخملي” من مدينة بوتسودان يرى خبراء في  في التمنية الريفية  ان بورتسودان متخلفة تنمويا، فما زلت تعاني من أزمة متفاقمة في”مياه الشرب”، وأولويات الإنفاق العام فيها تغيب الصحة والتعليم لصالح المباني وزخرفة الشواطيء وتجميل المدينة للسواح، ويضيف الخبراء أن التنمية ما لم تستهدف الإنسان وتولي إهتماما للريف فلا قيمة لها وهي كالحرث في البحر.

 شملت جولتنا البوابات الخلفية لمدينة بورتسودان، والأحياء العشوائية  والأرياف القريبة منها، وما زال أمامنا الكثير جدا من الوهاد والروابي والتلال والجبال  التي لم نصلها والأوضاع فيها أكثر إثارة للدهشة، والأمل يحدونا إلى طرق أبواب صمتها وعزلتها.