صلاح شعيب *أحزنني تورط هؤلاء "المعارضين" في الفساد! *لا زال الوقت طويلا لينتصر سودان الإبداع على سودان السياسة! * هكذا أرادو اقتلاع غرس محمد عمر بشير 

يبدو أن السودان سودانان، كان وما يزال. فإذا رجعنا إلى مرحلة ما بعد الاستقلال فإننا نعثر على سودان قائم على توطين ثقافة الظلم، والكراهية، والعنصرية، والفساد، والغش السياسي، ومحاربة المبدعين، وتعويق مشاريعهم.

والسودان الآخر هو الذي تمثل في سماحة وتوادد العلاقات الاجتماعية بين شعبه، وهي التي انتجت قيم ومضامين الإبداع في الثقافة، والفنون، والرياضة، والأكاديميا، وتجويد العمل في مساحات واسعة من العطاء البشري المتقن. ولعله رغم نضالات عدد كبير من أبناء السودان لهزيمة السودان السياسي الذي يتعهده حفنة من السياسيين القذرين إلا أنه ما يزال الوقت طويلا لنهاية صراع هذين السودانين حتى ينتصر سودان الإبداع على سودان السياسة، بما فيه من أهداف دينية ـ طائفية، ومطامح شخصانية على حساب مصلحة الجماعة. ومحمد عمر بشير وعدد كبير من الأكاديميين الذين زاملوه لعبوا دورا لتدعيم السودان الآخر القائم على أسس الاستقرار، والتقدم، والمحبة، والسلام. فهو قد ظل منذ فترة باكرة فطنا للصراع الذي نشب بين الشمال والجنوب وقدم مساهمته المميزة. وكذلك فطن لأهمية التعليم الأكاديمي الأهلي فغامر حتى أقام صرحا تعليميا كبيرا. وما يزال سودان السياسة يجابد لضرب الجامعة الأهلية والتي قام بتأسيسها. وقبلها كان قد أسهم في تأسيس معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم. وكان مشروعا رائدا وسابقا لزمانه في المنطقة، إذ إن البروف عمل على إدخال الدراسات متعددة المناهج، والتي تعرف بـ(Interdisciplinary Studies).

كلما أتمعن في السيرة الذاتية للبروف محمد عمر بشير أحس بريادته المعرفية في زمان كان تناحر المثقفين هو سيد الموقف. فالرجل حاز على دراسات عليا في ارقى الجامعات، إذ في أكسفورد حصل على بكالريوس إقتصاد من جامعة الملكة بلفاست، ثم على ماجستير في الأدب الإنجليزي بجامعة أكسفورد، وكان قبلها قد حصل على دبلوم الآداب من كلية الخرطوم الجامعية (غردون). ووظيفيا عمل مدرسا بالمدارس الثانوية ثم أستاذا بجامعة الخرطوم، وسفيرا بوزارة الخارجية، حيث تولى مدير الادارة الإفريقية  ثم عمل عميدا لكلية الدراسات الافريقية والآسيوية بالخرطوم. وبعدها كان صاحب فكرة إنشاء جامعة أمدرمان الأهلية، فضلا عن كونه سكرتيرا لمؤتمر المائدة المستديرة، فقد اصدر ستة كتب، وهي “جنوب السودان – دراسة أسباب النزاع، تاريخ الحركة الوطنية في السودان، التعليم ومشكلة العمالة فى السودان، تطور التعليم فى السودان، مشكلة جنوب السودان،التنوع والاقليمية والوحدة القومية. بترميديا – نظرات في العلاقات العربية والأفريقية.

ولاحقا حينما كان السياسيون ينشغلون بتوزيع المغنم في الفترة الديموقراطية الأخيرة كان هو يطمح لدفعهم حتى يدعم قيام المباني الجديدة للجامعة الأهلية التي دفن بجوارها في مقابر حمدنا النيل. لقد كان البروف الذي تعرفت عليه، وعلى أخيه د. ربيع لاحقا، ضوءً في ظل عتمة الجهجهة السياسية التي فصلت الجنوب والذي كان شغله الشاغل. فاهتم بالتعاطف مع قضيته منذ أن كان شابا، وقدم مساهمة بحثية بديعة عنه. ولعله كان من رجال الدولة الذين يعملون في صمت، ويعفون عند المغنم. فرجل مثله لم يكن يصارع في الأركان القصية ليحوز بمنصب رئيس الوزراء الانتقالي وهو يستحق أكثر منه. ولم يتودد للزعماء حتى يعينوه وزيرا للتربية أو الخارجية، وليس هناك من هو أكفأ منه تدريبا وتأهيلا في شؤون الوزارتين. إنما كان همه المستقبل العريض لأبناء السودان جميعا فحقق ما أراد ووظف علاقاته المحلية والدولية لصالح الجامعة التي بدأت تخرج الطلاب في مبناها القديم جوار الإذاعة حتى أوجد لها أرضا بجوار مقابر حمد النيل. وقد نمت الأهلية وأصبحت شجرة باسقة تثمر في كل عام بآلاف الخريجين بفضل كده ومديرها عبد الرحمن أبو زيد، وبقية من الأساتذة المؤسسين أمثال الاكاديميين فاروق كدودة وحذيفة الإمام وسارة نقد الله وربيع عمر بشير ومعتصم أحمد الحاج وصلاح المليك وتاج السر الحسن، وآخرين.

لقد صب البروفيسير محمد عمر بشير كل خبرات حياته من أجل إنشاء الجامعة وتطويرها حتى تكون صرحا يساهم في تأهيل أبناء السودان أكاديميا. ولكن للأسف تقاعس بعض أصدقاؤه الذي اختيروا لمجلس أمناء الجامعة، والذين أهملوا في إدارة شؤونها بعد وفاته وتحولت الجامعة إلى بؤرة للفساد الذي أناخ بكلكليه في زمان الإنقاذ وتواطؤها.

لقد وظف البروفيسير بشير كل علاقاته المحلية حتى أقام هذا الصرح الكبير، وجلب له أفضل الإداريين، والأساتذة، والذين معظمهم رحلوا بعد وفاته قبل أن يعايشوا المأساة التي دخلت فيها الجامعة. أما على المستوى الإقليمي والدولي فقد استفاد من علاقاته الممتدة، وبفضله تلقت الجامعة دعما مقدرا من الدكتورة سعاد الصباح، والأمير الحسن ولي عهد الأردن حينذاك، واليونسكو، وعدد من الجهات الدولية. وهكذا صارت الجامعة منارة سامقة خرجت العديد من الدفعات من كل بقاع السودان، وتطورت بشكل مذهل اثناء إدارته حتى نافست جامعات البلاد وتميز خريجوها بتدريب أكاديمي كثيف بقدرات اكاديمية جديدة في البلاد، وهناك عدد كبير منهم تأهلوا في الدراسات العليا وصاروا أساتذة مميزين في جامعات البلاد، وبعضهم هاجر من السودان ويدرسون الآن في جامعات العالم بعد ان واصلوا مشوارهم الاكاديمي وحازوا أعلى المراتب التأهيلية. 

لقد اقتلع غرس الرجل الذي حاز على خبرات أكاديمية وعملية، موفورة وقيمة. كان أستاذا في جامعة نورث وسترن، وسكرتيرا عاما ومؤسسا ورئيسا للمنظمة السودانية لحقوق الإنسان منذ 1985، وسكرتيرا مشاركا في الجمعية الفلسفية السودانية الخرطوم 1962 – 1963. وعضوا مؤسسا ورئيسا للجنة خدمات الجامعات العالمية للسودان الخرطوم 1962 – 1967. ثم عمل سكرتيرا لمؤتمر المائدة المستديرة لجنوب السودان – مارس 1956وعضوا مؤسسا لاتحاد تعليم العمال السودانيين 1957 – 1959. كذلك نال عضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للدراسات الإضافية بالجامعة 1956 – 1961، هيئة التحرير (السودان في رسائل ومدونات) منذ 1966، الهيئة الاستشارية لمجلة الدراسات الأفريقية – جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس منذ 1975، الهيئة الاستشارية لمجلة الدراسات العربية منذ 1980، الهيئة الاستشارية لمجلة دراسات الشرق الأوسط ليفان – باكستان، وفد السودان لمنظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة 1970 – 1971، الهيئة التنفيذية لرابطة الجامعات الأفريقية 1972 – 1975، اللجنة الاستشارية لجامعة الدول العربية عن أفريقيا، إعلام جامعة الدول العربية 1973 – 1974، كما نال البروفسير بشير عضوية هيئة أمناء المعهد الأفريقي الأمريكي لنيويورك 1975 – 1978، هيئة لجنة تمويل التعليم العالي الجامعي حتى عام 1989، مجلس كلية الأحفاد الجامعية للبنات، مجلس أمناء مشارك بكلية سانت أنتوني – أكسفورد 1980، اللجنة التنفيذية للمعهد العالي الأفريقي منذ 1985، اللجنة التنفيذية لمنتدى الفكر العربي – عّمان 1985. كذلك كان البروف عضوا مؤسسا ونائبا لمنتدى الفكر العربي السوداني 1987، وعضوا منتخبا في لجنة الأمم المتحدة لمكافحة جميع أشكال العنصرية 1986م. 1988.

في حوار صحفي مع الأستاذ الراحل محمد الحسن أحمد قال البروفسور محمد عمر بشير عن اسباب إنشاء الجامعة: “لقد ظل إنشاء جامعة أهلية سودانية حلما يتطلع الى تحقيقه الرواد الأوائل والحادبون على مسيرة التعليم الأهلي. و لمقابلة احتياجات التنمية الأقتصادية, وكذلك الراغبون في حصول ابنائهم على مؤهلات جامعية في المجالات المختلفة دون احتياج للهجرة الى جامعات خارج السودان. إذ أن تلك الهجرة كانت تكلف السودان فيما مضى بين سبعين ومائة مليون دولار. إضافة الى أنها كانت تبعد الأسرة عن متابعة تربية الأبناء وتجعل الأبناء يعايشون مجتمعات غير التي تربوا فيها. واهتداء واقتداء من هذا وغيره واستهداء بما بدأه الاوائل بالصروح الشامخة التي بنوا في مجال التعليم الأهلي, قدرنا أن المرحلة هي مرحلة تتويج لذلك العمل الذي بدأه الاوئل بأن يتناسب كم التعليم الثانوي مع المواعين المناسبة بقدر الامكان في التعليم الجامعي . ومن حسن الحظ أن السودانيين من ميسوري الحال ومن القادرين على العطاء العلمي والفكري تجاوبوا مع الفكرة بصورة مذهلة وكان عطاؤهم المادي والعلمي فوق التصور..”

إن ما حدث لجامعة أمدرمان الأهلية مؤخرا بالتوازي مع التدهور الحادث في المجال الأكاديمي في البلاد يرينا إلى أي مدى ضرب الفساد بجذوره في كل مكان. فإذا كان الذين هم أمناء على العلم والمال، وتربيون في المقام الأول قد حولوا هذا الغرس المثمر إلى مورد للثراء الشخصي المفسد، فمن يا ترى هو أصدق على المال العام والخاص الآن؟. لقد حزنت جدا لتورط أسماء كانت تقود الرأي العام المعارض للنظام القائم، وكنت أتوقع أن أقرأ نفيا قاطعا من هؤلاء الشخصيات التي تتناول فساد الإنقاذ بكثير من البلاغة، ولكن خاب فألي مع كثيرين وجموا من هذه التحقيقات الصحفية التي نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي بينت بالتفصيل حجم الأموال التي استدانها عشرات الاشخاص من مجلس الأمناء دون أن يقوموا بإرجاعها حتى كتابة هذه السطور. وعلى كل الرحمة على البروفيسير محمد عمر بشير الذي كان إنسانا كبيرا، ووطنيا فذا، وأكاديميا ضليعا. والبركة في تلامذته، وخريجي الجامعة الذين سيعيدون هذا الصرح إلى سيرته الأولى يوما عبر مجهودات إصلاحية كبيرة لا تتوفر الآن.