برفيسور احمد مصطفى الحسين  المتأسلمون "راح ليهم الدرب"، على تفاوت بينهم، وليس أدل على صحة هذا المثل السودانى الدارج على مجاميع المتأسلمين  من الندوة "الفكرية"، التى اوردت صحيفة التغيير الاليكترونية خبرا عنها بتاريخ 15 ديسمبر 2015 ، 

والتى تكلم فيها الشيخ عبد الجليل النذير الكارورى ، والقيادي الإسلامي التونسي البروفيسور محمد طاهر الميساوي، و الدكتورعبد الرحيم علي، رئيس شورى الحركة الإسلامية السابق، وكانوا يتحدثون وكأن الاسلام فسيفساء لا يعرف لها رأس ولا قعر، وتباينت أراهم، حتى لكأنك تقرأ لأشخاص يتتمون الى مرجعيات فكرية لا يجمع بينها شئ وليست هى دين الاسلام. وأبعدهم عن الفكر والتفكير والاسلام الشيخ عبد الجليل النذير الكاروري الذى نقلت عنه ” المجهر السياسي”، كما أوردت صحيفة التغير الأليكترونية، قوله، “إن الحركات الإسلامية خاصة السودانية حققت الكثير من المكاسب، وأن الحركات الإسلامية قامت أساساً من أجل أهداف سياسية وهي تمكين الدين، واستيلاؤها على السلطة يعدّ وسيلة لتحقيق تلك الغاية”.   وليس أدل على الجهل بالدين من هذه العبارة المتهافتة، فالشيخ لا يدرى أن تمكين الدين لا يكون بالسلطة ، اللهم الا اذا كان يعنى أن مجرد وجود من يزعمون انهم اسلاميون فى كراسى السلطة هو فى حد ذاته تمكين للدين. أو أنه يعنى أن تسيير المسيرات المرتبة والصراخ بمناسبة وبغير مناسبة “الله أكبر” و”لا دنيا قد عملنا” مع هزء العصى، والرقص الهستيرى، تمكين الدين. والواقع، على عكس ما قرر الشيخ، أن استيلاء الحركة الإسلامية على السطة كان وسيلة لتمكين الدنيا وليس الدين، والشواهد على ذلك كثير يخطئها العد. حتى تندر السودانيون بالقول أن اهل الجبهة (ادخلوا السودانيين المساجد ودخلوا هم السوق).

إن تمكين الدين هو فى الواقع تمكين قيمه فى نفس الفرد المسلم إبتداء، فاذا كنت تريد أن تقيم حكومة اسلامية، فيجب أن تقيمها فى نفسك أولا قبل أن تدعو الناس اليها. فإنه من السهل على النفس دعوة الاخرين واجبارهم على التدين، وصعب عليها دعوتها هى إليه، ولذلك سمى النبى صلى الله عليه وسلم جهاد النفس بالجهاد الأكبر حينما أشار الى الجهاد بالسيف بالجهاد الأصغر. وغنى عن القول إن تمكين الدين لا يكون بإطلاق اللحى الكثة، وافتعال “فلقات” الصلاة على الجباه المظلمة، وكثرة الحوقلة، وادعاء التدين الكاذب، والإنكباب على الدنيا. إن دين الاسلام دين عمل وليس دين قراءة، والعلم فيه وسيلته التقوى فهو ثمرتها (وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). وثمرة تمكين الدين فى الفرد تظهر فى تعامله مع الاخرين، وتكون دعوته الاخرين الى الدين بلسان حاله أبلغ من دعوته له بلسان مقاله. وتكون مراقبته لنفسه فى جميع أحواله،فى سره وعلانيته، لمعرفته بمراقبة الله له. فإذا حكم هذا الشخص فان الناس لايجدوا فيه ظلما، ولا فسادا، ولا غشا. فأين هذا من قول الشيخ الكارورى “ إن الحركات الإسلامية خاصة السودانية حققت الكثير من المكاسب”؟ ما هى المكاسب التى حققتها الحركات الإسلامية؟ وما هى المكاسب التى حققتها الحركة الاسلامية السودانية  التى خصها الشيخ الكارورى بالذكر؟ لقد عم الفساد إبان حكمها، وتدهور الإقتصاد، وتحطمت البنى التحتية، وانهارت القيم، حتى هرب منها الصادقون من أبنائها ، أو ، فى بعض الاحيان، الذين لم يجدوا “عضة” فى فسادها.

يقول الأستاذ محمود محمد طه، إن النفوس الخربة، اذا طبقت الشريعة، فستطبقها، على “الغفير” وليس على الأمير. والنفوس الخربة هى التى تتمظهر بشكليات الدين وقلوبها فارغة منه. والباحث فى ” المكاسب التى حققتها الحركة الاسلامية السودانية ” لا يجد غير التطبيق العملى والتجسيد الفعلى لقول الأستاذ محمود هذا. اللهم إلا إذا كان الشيخ يعنى المكاسب الدنيوية  التى حققتها الحركة لمنسوبيها ، من عمارات شاهقة وسيارات فارهة، وعيشة ناعمة. فالشعب السودانى لم يجد منها الا القتل والتنكيل والقمع والحروب والتشريد والجوع وضنك العيش وذل المسألة والغلاء والظلم والفساد. وما كان نتيجة كل ذلك الا تنفيرا للشباب الذكى عن الأسلام، فظهرت حركات الارتداد عنه، ونسمع كل يوم عن قضية ردة فى المحاكم، وما خفى منها أعظم. كما هرب المثقفون والكوادر العلمية والفنية والمهنية من أبناء السودان وهجروا البلاد وشاركوا فى عمار بلاد الاخرين التى استقبلتهم وأكرمتهم. كما تزيل السودان كل تقارير المنظمات الدولية عن التنمية، والصحافة، وحقوق الإنسان والمرأة. هل هذه هى المكاسب التى يعنيها الشيخ؟

إن الاعتراف بفشل الحركة الإسلامية لا يصدر الان من أعدائها، ولكن من منسوبيها أنفسهم الذين تفرقوا أيدى سبأ. وقول الشيخ “ أن الإسلاميين تحولوا الآن من تحدي الاصطفاف إلى تحدي التمكين خاصة في تونس، الجزائر، السودان، مصر وتركيا”، فهو قول يجافى الحقيقة تماما، فان التمكين الذى قام به الاسلاميون ليس سوى تمكين و اصطفاف من أجل الدنيا وتمكينا لها. ومن علامات النفس الخربة أنها لا تتهم نفسها بالتقصير، وانما تبحث عن جهة أخرى لتعليق أخطائها عليها ومن هنا نفهم قول الشيخ “ ان شعار الحركات الإسلامية اختطف من قبل الغرب وصنعوا له حركة اسمها داعش التي يقاتل في صفوفها 500  بريطاني فشعار داعش كلمة حق أريد بها باطل “. وما الفرق بينكم انتم وبين داعش. فحينما قامت الحركة الاسلامية بانقلابها فى السودان، لم تختلف ما قامت به من فظائع عما تقوم به داعش الان. فإذا صح قول الشيخ أن “داعش”اختطفت شعار الحركة الإسلامية”، وهو عنوان عملها، فما هو وجه الاختلاف بينها وبين الحركات الإسلامية والحركة السودانية التى ترتكز على نفس الفهم السلفى للاسلام الذى تتبناه داعش.

 ولعل القيادي الإسلامي التونسي البروفيسور محمد طاهر الميساوي كان أكثر صدقا من الشيخ حين قرر “إن الحركات الإسلامية بعيدة عن فهم الواقع المعقد والمركب والمتحرك محلياً وعالمياً، وكثيراً ما تأخذ اللحظة الآنية كل جهودها. وأشار إلى أنه حتى الآن لا توجد إجابات لديهم كقيادات إسلامية حول هوية الدواعش”. وهى لا تستطيع فهم هذا الواقع “المعقد والمركب والمتحرك محلياً وعالميا”، ولا ينبغى لها، لأنها لا تملك فكرا اسلاميا منهجيا يمكنهم من فهم هذا الواقع المعقد، لأنها غارقة فى كتب التراث واجتهادات الاوائل ، دون أن يكون لهم صدقهم وتقواهم، التى لا تخاطب هذا الواقع المعقد، وهم، كما قرر البرفيسور، “كثيراً ما تأخذ اللحظة الآنية كل جهودهم” وذلك لأنهم لا يفكرون الا فى الدنيا ومطائبها. أما عدم وجود ” إجابات لديهم كقيادات إسلامية حول هوية الدواعش”، فمرده أنهم أنفسهم لا يملكون هوية غير هوية الدواعش، ولم يقل احد منهم حتى الان اين يختلفون كإسلاميين عن الدواعش، وجماعات التطرف الأخرى.  فهم الواقع “المعقد والمركب والمتحرك محلياً وعالميا”، لا يوجد فى فكر اسلامى سلفى، ولم توفره فكرة اسلامية أخرى بمنهج واضح كما وفرته الفكر الجمهورية، التى قامت على مفهوم “حكم الوقت”، الذى يميز بين حاجة وطاقة المجتمع فى القرن السابع الميلادى وطاقة وحاجة عصرنا الراهن. فدعت الفكرة الجمهورية بمنهج واضح لتطوير التشريع الاسلامى، ليس تقحما على الشريعة، ولكن بالانتقال من نص فرعى فى القران المدنى، خدم وقته حتى استنفده، الى نص أصلى فى القران المكى، كان منسوخا حكما وبذلك يؤسس النظام الاسلامى على قاعدة من الديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

وذهب فى ذات الاتجاه الناقد القيادي الاسلاموى الدكتور عبد الرحيم علي، رئيس شورى الحركة الإسلامية السودانية السابق، الذى أشار “الى أن الحركات الإسلامية لم تنجح في مجالات الثقافة والسياسة ، وأنها اضطرت إلى أن تعبئ نفسها في قوالب غربية “التعامل مع البنوك – إنشاء البرلمان”. وتعبئتها لنفسها فى قوالب غربية كما زعم الدكتور هو خروج على الشريعة، الذى لا يعتقد هو بأنها قابلة للتطوير، ولا سبيل للحديث عن البرلمانات والديمقراطية من داخل اطار الشريعة الاسلامية كما يعرفها المشاركون فى هذه الندوة. بل أن كثير من رجال الدين، وليس فى الاسلام رجال دين، يكفرون من يقول بالديمقراطية ويعتبرونها كفرا بينا. والا فليحدثنا الدكتور الفاضل عن المرجعية الاسلامية التى استندت عليها تلك الحركات فى تعاملها مع البرلمانات والبنوك، وليس فى الشريعة الاسلامية بنوكا اسلامية اوغير اسلامية. لقد أضطرت تلك الحركات لهذه القولبة “على حسب تعبير الدكتور الفاضل” أضطرارا، ، لأنها لا تملك منهجا اسلاميا واضحا فى السياسة والاقتصاد والإجتماع. ولعل قول الدكتورالذى أكد فيه “على أن الحركات الإسلامية التي استجابت إلى القوالب التي وضعها الغرب نجحت أكثر من تلك التي لم تستجب”. إن الحركات التى استجابت لقوالب الغرب،كما يسميها الدكتور، لا يسند فعلها هذا نص شرعى ولا حديث شريف. وقال البروفسير علي، “إن روح العصر من صنع الغرب ولا تستطيع الحركات الإسلامية كسرها” يدل على افلاس الحركات الاسلامية وخواء فكرها، فلم تجد لها ملجأ، وقد حاصرتها القيم الحديثة إلا فى قوالب الغرب ومؤسساته. واعترف الدكتور “أن الحركة الإسلامية المصرية رغم أنها من أكبر الحركات الإسلامية في المنطقة ، لكنها لم تطور نفسها، والغالب المعلوم الآن لا يسمح بوجود حزب ديني، لكنه يسمح بوجود جماعات إسلامية”. ولا أدرى ماذا يعنى الدكتور بقوله ” لكنها لم تطور نفسها”، وهل يقصد بتطوير نفسها على هدى الفكرة الجمهورية؟ لا أعتقد ولكن،على حال لا سبيل لذلك، الا بها.

إن التضارب الذى ظهر فى مداخلات الشيخ، الذى يرى نجاحات الحركات الاسلامية، وزملائه، الذين يقرون بفشلها، يوحى بأنهم ينتمون الى افكار مختلفة وكأن حقائق الشريعة والدين امور نظرية لم تجد حظا للتطبيف مما يعطيهم الحق فى التنظير فيها. وهذا فى حد زاته دليل واضح على أن المتأسلمين قد راح الدرب عليهم.