سيف الدولة حمدنا الله *لأنها أرملة ضابط أمن جبروا بخاطرها! *السيدة تهاني درست القانون على كبر للتسلية حين انشئت جامعة قرب منزلها! *تقديم الست الوزيرة لاستقالتها زي استخدام الجوكر في" تلي ماتش"! *لماذا لا تذهب لتؤانس آمنة ضرار في وحشتها؟

لا أميل للتفسير القائل بأن ضغوطاً قد مُورست على السيدة/ تهاني تورالدبّة الوزيرة بوزارة العدل لتقديم إستقالتها بسبب تدخلها في موضوع إبنها، والمُرجّح عندي أن الوزيرة قد أحسنت فهم الكيفية التي يتعامل بها الرئيس مع إستقالات وزرائه، وأدركت أن أفضل سيناريو يُمكّنها من الحفاظ على منصبها هو تقديم إستقالة، فيرفضها الرئيس، وما فعلته الوزيرة يُشبه إلى حد كبير عملية إستخدام “الجوكر” التي كان يلجأ إليها الفريق المهزوم في مسابقات “تيلي ماتش” التلفزيونية، حيث تُؤدي المجازفة به إمّا إلى أن يُعوِّض الفريق خسارته إذا نجح في الفقرة التي إستخدم فيها الجوكر، أو إلى خروجه من المباراة بهزيمة مُضاعفة، وهي فكرة (تقديم الإستقالة) تقوم على النظرية الشعبية التي تقول “يا صابت يا خابت”، وقد صاب تقدير الست الوزيرة  فقدمت إستقالتها وبقيت في المنصب.

الحسابات، لم يكن هناك سبيل لبقاء الوزيرة في منصبها دون لجوئها لهذه المجازفة، فالمخالفات التي إرتكبتها (إستغلال النفوذ والتأثير على سير العدالة) هي نفسها التي يُعيّن شاغل الكرسي الذي يجلس عليه من يولّى وزارة العدل ليقوم بإختصام الذين يقومون بمثلها وتقديمهم للمحاكمة ويُطالب بتوقيع أقصى العقوبات عليهم، فقد كان الصحيح أن تُترك الوزيرة لتمضي في إستقالتها وتعود لوضعها السابق كأم وربّة منزل مُتفرّغة لتربية الأولاد، فالسيدة تهاني في الأصل دخلت وزارة العدل بأساس خاطئ، فهي ليس لها لا في العدل ولا في الوزارة، فقد درست القانون على كِبَر وعلى سبيل التسلية في جامعة أنشئت حديثاً بالقرب من مسكنها بمدينة سنار، وليس لها خبرة تُذكر في مجال القانون قبل جلوسها على أعلى كرسي بالوزارة. 

تقديم وزراء الإنقاذ للإستقالة بهدف البقاء بالمنصب، نظرية مُجرّبة وناجحة وأصبح لها أصول وجذور، فقبل سنوات قليلة رفض الرئيس قبول إستقالة وزير الصناعة عبدالوهاب عثمان، وهي إستقالة كان يستوجب على الرئيس قبولها ومعها عقوبتي الحبس والغرامة في ضوء ما تسبّب فيه الوزير من أخطاء ترتب عليها إهدار أموال الدولة نتيجة الجهل وسوء التخطيط، ففي حفل إفتتاح مصنع سكر النيل الأبيض في يوليو 2012 والذي بلغت تكلفته 1.2 مليار دولار، وفي حضور سفراء الدول الأجنبية، وبعد إنتهاء الخطب والأغاني والرقص والأهازيج، توجّه الرئيس للكبس على ذر تشغيل المصنع حتى تهدر الماكينات ببداية الإنتاج، وفوجئ الجميع بأن الماكينات صامتة ولا تستجيب، فإنفض السامر في خيبة، وإتضح فيما بعد أن ذلك قد حدث نتيجة تعذر الحصول على شفرة التشغيل بسبب المقاطعة الأمريكية، وهو الأمر الذي لم يحسب حسابه الوزير، وإعتقد أنه يمكنه تجاوزه بفهلوة وسطاء وسماسرة هنود، وقد تكلّف السودان مثل مبلغ تشييد المصنع لتصحيح هذا الخطأ الذي كان يمكن تفاديه منذ البداية باللجوء إلى تكنلوجيا غير خاضعة للمقاطعة.

  

يمكن للمرء أن يفهم أن تُرفض إستقالة وزير صناعة أو زراعة أو خارجية ..الخ عقب أي كارثة أو فضيحة تتعلق بسلوك يتصل بمنصبه، بيد أن هذا لا ينطبق على وزير بوزارة العدل في شأن يتعلق بمخالفة لقواعد السلوك المهني،  ذلك من شأن الإبقاء على الوزيرة في منصبها والتغاضي عن المخالفات التي وقعت منها أن يؤدي إلى إفساد مهنة النيابة في مجملها، ففي ديوان النائب العام اليوم مئات من وكلاء النيابة الشباب وكثير منهم حديثي التجربة بالمهنة، وليس أمامهم قواعد سلوك مكتوبة تحكم طريقة تعاملهم مع القضايا التي يباشرون فيها إجراءات قضائية، ويعتمدون في ذلك على إكتساب قواعد السلوك التي يمارسها رؤسائهم ومن سبقوهم في المهنة،  والوزيرة – بحكم منصبها – تعتبر الرئيس المسئول عن جميع وكلاء النيابة في السودان، فبأي وجه تستطيع الوزيرة أن تحاسب وكيل النيابة الذي يُسيئ إستخدام سلطته في الإفراج عن أحد أقربائه أو أصدقائه أو من تربطه به مصلحة !! أو بإستخدام السلطة في القبض الجائر على خصم له أو لأحد من هؤلاء !! أو غير ذلك من المخالفات التي تتعلق بالسلوك المهني !! 

كما أن النيابة أصلاً فيها ما يكفيها من مآخذ، فهي مهنة وليدة ولاتزال تتحسس طريقها لبناء إرث مهني تسير عليه الأجيال المتعاقبة، ومهما كان دلال هذه الوزيرة على النظام لكونها أرملة عنصر بجهاز الأمن أو خلافه، فليس من المقبول أن يُجبر خاطرها على حساب مهنة لها تأثير مباشر على حياة الناس مثل مهنة تطبيق العدالة، وإذا كان لابد من الإحتفاظ لها بمقعد وزاري، فلتذهب لتؤانس آمنة ضرار في وحشتها بوزارة العمل أو تابيدا بطرس أو تُعيّن مع جيليكوما بالشباب والرياضة وهي في النهاية مناصب تؤمّن لها السيارة والأبّهة التي تبتغيها من الوظيفة. 

هذه مرحلة جديدة ينتقل فيها النظام من فساد الوظيفة إلى إفساد الأجهزة العاملة بالدولة، وواجب السيد/ وزير العدل والنائب العام التصدي لهذا الموضوع من تلقاء نفسه مهما كلفه ذلك من تضحية، بأن يُصر على عزل السيدة الوزير من منصبها بديوان النائب العام، وأن يُقنع الرئيس بالتراجع عن موقفه بعدم قبول إستقالتها، وأن يستمر في إتخاذ الإجراءات في مواجهة وكيل النيابة الذي قام بترضية الوزيرة بإطلاق سراح إبنها بالمخالفة للقانون وقبل إكتمال التحريات على النحو المعروف، حتى يعتبر بذلك وكلاء النيابة الآخرين، فلا يوجد شخص يسحق أن يُجامل على حساب حُسن سير أجهزة العدالة وتطبيق القانون.

  

saifuldawlah@hotmail.com