د. فيصل عوض حسن قَدَّم البشير في مُخاطبته لما يُسمَّى مهرجان البحر الأحمر للسياحة والتسوُّق ببورتسودان، مجموعة من الأكاذيب المكرورة لأهل السودان عامَّة وأهلنا في الشرق خاصَّة، بدأها بالحصار والمُؤامرة (المجهولة) ثمَّ دَلَفَ إلى تمثيلية الحوار الوطني الجارية الآن، مع بعض التهديدات التي لا تتناسب وحديثه عن الحوار.

بالإضافة إلى العلاج المجَّاني والرعاية الصحية ومحو الأمية وإجلاس التلاميذ، وتوفير مياه الشرب الصحية لمُواطني الشرق وغيرها من الأكاذيب.

والأخطر، وأكاد أجزم بأنَّه الحقيقة الوحيدة التي قالها بصدق، حديثه عن (ميناء جديد) بالبحر الأحمر لــ(إستيراد) الغاز الطبيعي، لتقليل تكلفته وإتاحته دون ضائقة مُستقبلية! فالحُجَّة التي استند إليها البشير وهي (استيراد) الغاز غير مقنعة وبعيدة عن المنطق، وتعكس خُبثه واستغلاله لانعدام (الغاز) الذي (عَجَزَ) عن توفيره، فقام بدَغْدَغَة مشاعر الناس ليُمَرِّر الـ(كِذْبَة)! وتَنَاسَى البشير ومن معه (جهلاً أو عَمْداً) جوانب علمية وعملية مُهمَّة، وهو أنَّ (استيراد) أي مُنتَجْ وليس فقط الغاز، لا يتطلَّب (إنشاء) موانئ جديدة وإلا (تَلَاشَتْ) الدول غير الشاطئية، وإنَّما يحتاجُ لاستراتيجيات (استيرادية) وبرامج وسياسات اقتصادية مدروسة بعناية ودقة. ووفقاً للقواعد الاقتصادية الرصينة، فإنَّ الحاجة لميناءٍ جديد تقل إذا كان لديك ميناء كبير ومُعتمَد عالمياً كميناء بورتسودان، والأولوية تكون لتهيئة وتطوير الميناء القائم وفقاً للمُتطلَّبات القياسية العالمية! وعلى هذا، فإنَّ الأفضل إتاحة مواعين تخزينية جديدة إذا كانت القائمة محدودة السِعَة، لتكوين احتياطات استراتيجية ومُجابهة الظروف الاستثنائية، بما في ذلك توفير الغاز بأوقات النُدرة وبأسعار مُناسبة، وهو خيارٌ أقلَّ تكلفةً من إنشاء ميناء جديد مع وجود ميناءين بحريين للسودان! كما تَنَاسَى البشير ومن معه الظروف الاقتصادية الماثلة، التي تتقاطع وبناء ميناء جديد من جهة، وضعف الإقراض من جهةٍ ثانية. وحتَّى لو وُجِدَتْ جهات دائنة، فسينعكس الأمر سلباً على تكلفة إتاحة هذا الغاز وبالتالي أسعاره، بخلاف رفع (حجم) ديوننا الخارجية وفوائدها، وهي جميعاً (اعتبارات) تُؤكِّد عدم معقولية حُجَّة الميناء لأجل الغاز!

لعلَّ البشير أراد (تهيئة) السودانيين عموماً وأهل الشرق بصفةٍ خاصَّة، لبيع أو (التنازل) عمَّا تبقَّى من أراضيهم لمُستفيدٍ آخر، خاصةً إذا استصحبنا (تأكيدات) رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين لبرلمانه قبل شهر، بأنَّهم (يعتزمون) بناء ميناء داخل السودان و(سيحصلون) على أرض هذا الميناء، ولم يَنْفِ البشير أو أحد افراد عصابته الإسلاموية ذلك التصريح أو (يستنكروه) أو يشجبوه! وبالإضافة إلى التبريرات الاقتصادية التي ذكرناها أعلاه، فإنَّ هذه الفرضية تزدادُ قوة، بإشارات البشير (وفق ما أوْرَدَتْه الصحف) إلى إنشاء سكك حديدية (حديثة) جديدة، وهو أمرٌ يحتاجُ لتكاليف عالية جداً قد تفوق إنشاء الميناء، وينطبق عليها ما قلناه أعلاه بشأن القروض أخذاً في الاعتبار مٌعدَّل العائد والإهلاك ونسبة المُخاطرة وغيرها من الاعتبارات، بخلاف تعذُّر أمر السكة حديد تبعاً للحصار المفروض على السودان، والذي تَسَبَّبَ فيه البشير وجماعته ويتَّخذونه حَجَّة لأي (فَشَلْ) أو (دَمَار) لَحِقَ ويَلْحَقُ بالبلاد! علماً بأنَّ أثيوبيا تستخدم ميناء بورتسودان منذ فترة ليست قصيرة، ولم يُدرك السودانيون حتَّى الآن عوائد هذا الاستخدام وأين ذهبت! والأخطر، أنَّ أثيوبيا ستلتهم جميع المناطق المُؤدِّية للميناء المزعوم كما التهمت غيرها.

ما يَدْفَعْنَا لهذا الاستنتاج، ليس فقط أكاذيب المُتأسلمين التي ألفناها، وإنَّما مُخطَّطاتهم المُتسارعة لبيع وتقسيم السودان، وعلى رأسها مُثلَّث حمدي الذي حَصَرَ السودان فقط في (دنقلا، سنار والأبيض)! واختار المُتأسلمون للشرق وأقصى الشمال تكتيكاً مُغايراً لما انتهجوه بدارفور والمنطقتين، تمثَّل في تركهما (الشرق وأقصى الشمال) لُقْمَةً سائغة للاحتلالين المصري والأثيوبي، وما يتبقَّى منهما يتمَّ التخلُّص منه بالبيع! وهنا قد ينبري البعضُ مُنافحاً ومُدافعاً عن البشير وعصابته الإسلاموية، نقول أنظروا لتجاوُزات كلٍ من أثيوبيا ومصر وتعاطي المُتأسلمين معهما. فقد احتلَّت مصر مُثلَّث حلايب وواصلت التوغُّل بجهة وادي حلفا، حتَّى التهمت ثلاثة أرباع العُمُوديات المُتاخمة لها وقَارَبَت حدود شمال دارفور، والبشير وعصابته لم يكتفوا بالفُرْجَةِ فقط، بل قَدَّموا لمصر المزيد من التنازُلات لعلَّ أبرزها أو الـ(مُعْلَنْ) منها، التصديق للجرَّافات المصرية منذ عام 2006 بمُمارسة الصيد على سواحل البحر الأحمر السودانية، وما تزال رغم عدم التزامها بالامتناع عن صيد بعض الأسماك أو استخدام جَرَّافات (مُدمِّرة) في عملية الصيد! ثمَّ وَاصَلَ المُتأسلمون وبشيرهم الـ(نبطاح) عبر بناء سدود الشريك وكجبار ودال لصالح مصر، ويكفي أنَّ سد دال داخل حدود بحيرة النّوبة المصرية كما أفاضَ المُختصُّون في توضيحه، وسيدفع أهلنا في أقصى شماله ثمن هذه الكارثة الإسلاموية وحدهم، فقط لأنَّهم خارج مُثلَّثهم الملعون! وآخر صور الـ(نبطاح)، تصدير ـ(800) ألف رأس من الماشية السودانية لمصر، دون مُبرِّرات أو عوائد موضوعية!

وبالنسبة لأثيوبيا فقد مَنَحَها البشير صَكاً بأحقيتها ببني شنقول، وذلك بتوقيع الاتفاق الإطاري لسد النهضة (الكارثي) المُقام على أرض بني شنقول السودانية، وهو أمرٌ شرحناه كثيراً وسنُفردُ له مساحة قادمة إذا كان في العمر بقية. كما صَمَتَ البشير على التهام أثيوبيا لمليوني فدَّان بالفشقة، وعلى تهديداتها وتعدِّياتها المُستمرَّة لأهالي المناطق الحدودية، الذين بلغ عدد المقتولين منهم في آخر حادثة (45) مُزارعاً سودانياً، وفق ما أوْرَدَتْه صحيفة الجريدة السودانية يوم 24 ديسمبر 2015. وهناك الأكاذيب الإسلاموية بشأن ترسيم الحدود مع أثيوبيا، وفي هذا نتذكَّر التصريحات الـ(مُوثَّقة) لوزير الداخلية الأسبق ومُساعد البشير الحالي، يوم الجُمعة 7 أكتوبر 2011 عن اكتمال أعمال لجنة ترسيم الحدود بين السودان وأثيوبيا، وأنَّها سترفع أعمالها للجنة العليا برئاسة البشير ورئيس الوزراء الأثيوبى (آنذاك) ملس زيناوي لإكمال العمل بصورة نهائية! وحتَّى الآن لم يكتمل ترسيم الحدود، والجميع تائه بسبب (أكاذيب) البشير ومن معه وآخرها أنَّ الملف سيُحْسَم قبل نهاية 2016! في ما نفى ديسالين أمام برلمانه ما يَتَرَدَّد عن ترسيم حدود أثيوبيا مع السودان وتخليهم عن بعض الأراضي، وأكَّد قاطعاً بطَرْحْ ملف الحدود كاملاً على شعبهم الأثيوبي لنقاشه والتقرير بشأنه قبل عملية الترسيم، وهو ما تفعله الدول المُحترمة مع شعوبها حرصاً على مُقدراتهم! علماً بأنَّ الاتحاد الأفريقي وجَّه بـ(إنهاء) ترسيم الحدود بين جميع البُلدان الأفريقية قبل نهاية عام 2016، وذلك وفق تصريحات وزير الخارجية الحالي وهي مُوثَّقة (أيضاً)! فكيف يُعيدون الفشقة كاملةً خلال عام، وترسيم الحدود مع التوغُّل والاستيطان الأثيوبي الماثل؟!

المُحصلة ليس في استعراض أكاذيب البشير وجماعته الإسلاموية، فهي معلومة بالضرورة للقاصي والداني، وإنَّما التوعية بحقيقة ما يفعلونه ويُخطِّطون له، وحتمية منعهم وعدم إتاحة الفرصة أمامهم لتنفيذها، سواء كان بيعُ البلد أو تمزيقها، أو تغيير تركيبتها السكانية و(استبدالنا) بآخرين وغيرها من الجرائم التي فعلوها وما زالوا. والـ(خوف) لم ولن يحمينا من بطشهم، ليس فقط بدارفور أو المنطقتين، فقد طال البطش الإسلاموي كل مناطق السودان، ككجبار ومدني وبورتسودان والقضارف والخرطوم وغيرها من المناطق!

والـ(صَمْتْ) لم يُحافظ على بلدنا التي كان المُستعمر أكثر حرصاً عليها من المُتأسلمين، وهي في مُجملها (اعتبارات) تدفعنا لعدم انتظارهم وتصديق أكاذيبهم، خاصة ما يُسمَّى حوار انسحب البعضُ منه عقب اكتشافهم لأكاذيب المُتأسلمين ونَقْضِهِمْ العهود مع كل من اتفقوا معه وهم كُثُر! وعلينا كذلك تجاوُز (تهديداتهم) فهم واهنون ومُتهالكون ولا قضية لهم، قد يبطشون قليلاً لكنهم لن يصمدوا طويلاً أمام إرادة التغيير الصادقة.

إنَّنا على اختلاف مشاربنا وأحزابنا وعقائدنا ومناطقنا الجُغرافية أمام (مَحَكْ) حقيقي، فلنقف صفاً واحداً لننجو جميعاً وننقذ أنفسنا وبلادنا من الشر الإسلاموي، والفرصة مُواتية لإحداث التغيير المنشود ولا مجال للانتظار أكثر حتى لا نفقد المزيد من أراضينا وأرواحنا.