جمال عبد الرحيم عربي لا يزال الغرب ممثلاً في دوله الكبرى خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أبعد ما يكون عن إدراك حجم القوى الجهادية الصاعدة وأجهل ما يكون بنطاق عملها وأفشل ما يكون في محاربتها،

على الرغم من التطور الكبير للحضارة الغربية في معظم مجالات الحياة، خاصة بعد الثورة المعلوماتية التي بلغت شأواً عظيماً أصبح بموجبها الحصول على المعرفة عن أي شأن لا يتعد نقرات أصبع.

لقد كان من المأمول من تلك الدول وخاصة الولايات المتحدة، بمقدرتها الفائقة على جمع المعلومات وتحليلها بما تملكه من مؤسسات و وسائل إستخباراتية وبحثية لاحصر لها، مقروناً بتجربتها الطويلة في التعامل مع التنظيمات الإسلاموية في أفغانستان، أن تكون أكثر من غيرها فهماً واستيعاباً لأيديولوجيات هذه التنظيمات وأنماط تفكيرها وأهدافها النهائية؛ بيد أن الواقع أثبت أن تقديراتها أبعد ما يكون عن ذلك. فالجماعات الإسلامية الجهادية التي وحّدتها الحرب ضد الروس في أفغانستان، وأغرقتها الولايات المتحدة بالسلاح، لم يكن لديها قضية وطنية بالمعنى المتعارف عليه، بل أنها لا تعترف بالأوطان أساساً، وإنما كان هدفها إنشاء أرضية للخلافة الإسلامية بشكلها القديم لتعود كامل المنطقة مستظلّة بنظام سياسي متوهّم كان ملائماً تماماً للبشرية قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام، إلا أنه لم يعد كذلك نتيجة للتطور الذي شهدته البشرية طيلة هذه القرون. يكفي إثباتاً لإختلاف تلك التنظيمات وشذوذها عن غيرها، إنقلابها الغير متوقع على من وقف معها ودعمها بالمال والسلاح والرجال والمعلومات، كإستهدافها للولايات المتحدة في عقر دارها، و ضرباتها التي طالت حتى مهد الرسالة نفسها.  

لقد كررت الولايات المتحدة نفس سوء التقدير عندما دمّرت دولة صدّام الوحشية بالعراق ظنّاً منها بأن البديل له سيكون مشكّلاً من محبّي ومنتظري الديمقراطية والحرية، إلا أنها فوجئت بأن الساحة تحفّها عمائم آيات الله السوداء ورايات علماء السنة السوداء كذلك، كأنما لم يكتفِ العراق من سواد نظام صدام حسين! ولم تجد الولايات المتحدة مناصاً لإيقاف نزيف دماء جنودها بالفلوجة والأنبار، والحفاظ على رؤوسهم فوق أكتافهم، غير أن تلجأ للوصفة الإستعمارية المجرّبة من مئات السنين: إرشاء زعماء العشائر ورجال الدين، ثم بعد ذلك التملّص التدريجي عن العراق وتركته مسرحاً للصراع بين جماعات الاسلام السياسي شيعياً كان أم سنياً. لقد كانت حرب أمريكا في العراق، في الواقع، مثالاً صارخاً على وجود أزمة مستفحلة ونقطة ضعف خطرة في منظومة الأبحاث وإتخاذ القرارات السياسية بالولايات المتحدة. حيث أنه ومن المعلوم بالضرورة في عالم السياسة أن أيّ فراغ سياسي مماثل لما حدث بالعراق لابد أن يقود لحراك سياسي واجتماعي كبير تتكالب كل القوى الداخلية والخارجية لملئه. لذا كان مطلوباً من الولايات المتحدة، قبل الشروع في خلق ذلك الفراغ، الإلمام الدقيق بتوازنات القوى ومدى تغلغل التوجهات الإسلاموية بشقيها الشيعي والسني في ذلك البلد الذي إنقطعت صلته بمؤسسات الحكم الرشيد لعهود بعيدة.

لقد دعانا للتذكير بتلك الأحداث، تصريحات الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، التي وردت في كلمة له عقب هجوم كاليفورنيا الوحشي بتاريخ 2 ديسمبر 2015 والتي تعهد فيها بتدمير تنظيم “داعش”، ولفت النظر فيها إلى أن الجيش الأميركي سيواصل تعقب مخططي الإرهاب في أي دولة، وأن استراتيجية محاربة “داعش” وضعها مخططون استراتيجيون عسكريون (للأسف الشديد – الكاتب) ويجري مراجعتها بشكل مستمر.  كما دعانا للتذكير أيضاً، اعلان  وزير الدفاع البريطاني، في ذات الوقت تقريباً، أن الضربات التي يشنها سلاح الجو الملكي البريطاني ضد تنظيم “داعش” ستجعل شوارع بريطانيا أكثر أماناً، حيث كان الوزير يتحدث أمام موظفيه في قاعدة اكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص التي تنطلق منها الطائرات للقيام بمهمات ضد تنظيم “داعش. ليس ذلك فحسب، بل كان الرئيس الفرنسي، وقبلها بأسابيع في أعقاب هجمات باريس المروّعة يتحدث بذات اللغة ويحرك قواته لضرب “داعش” بحكم مسئوليتها عن تلك الأحداث.

لا يشك عاقل، بالطبع، في سلامة تلك القرارات السياسية والعسكرية وإحتمالات نجاحها العالية في إضعاف المقدرات العسكرية لداعش وربما طردها من الأرض الشاسعة التي تحتلها في سوريا والعراق. لكن هل سيكون ذلك كافياً لجلب الأمان والطمأنينة للبشرية؟ التجربة تقول لا، والعقل أيضاً يقول لا!

فالتجربة في أفغانستان خلقت المزيد من البؤر لتنظيم القاعدة تحت نفس المسمّى أو بمسميات أخرى. ونشرت العنف في جميع أنحاء العالم من قبل أن تولد “داعش” عقب إندلاع الثورة السورية. تقف مثالاً على ذلك تفجيرات قطارات لندن (يوليو 2005)، ومجزرة فورت هوود بتكساس (نوفمبر 2009) وغيرها من مئات الأحداث المشابهة في أسبانيا وأمريكا وبريطانيا والهند والسعودية وروسيا واندونيسيا وغيرها. يكفي أن هنالك تنظيمات مثيلة للقاعدة وتمارس نفس وسائلها وتنادي بذات أهدافها، كل ذلك بدون أن تكون وليداً عضوياً للقاعدة، حيث جامعهما هو الفكرة الخبيثة وليس التنظيم. مثال: بوكو حرام بنيجيريا وما حولها و جماعة أبوسياف بالفلبين والمرابطون بمالي.   

ذلك ما أثبتته التجربة؛ أما العقل فيقول “لا” أيضاً حيث أن داعش ليست دولة بالمعنى المتعارف عليه، أكثر من أنها فكرة يمكن أن تُنشيء دولة باسمها في أي وقت وفي أي أرض مناسبة. فالفهم الجهادي التكفيري للإسلام الذي تقوم على قواعده هذه التنظيمات المتطرفة والإرهابية، لا يعترف بمبدأ المواطنة أصلاً؛ كما يعتبر العالم كله أرض معركة له لتحقيق هدفه النهائي المتمثل في إقامة “الخلاقة الإسلامية” بنمطها الموغل في القِدم. لقد كان الإرهابيون قاب قوسين أو أدنى، في مطلع عام 2013، من إنشاء دولة على النسق الداعشي على أراضي دولة مالي وبالتالي خلق موقف ربما يكون مشابهاً من حيث تعقيده للوضع في الشرق الأوسط الآن لولا التدخل السريع والحاسم من الجيش الفرنسي. فالعقل والتجربة، إذاً، يثبتان أن الفكرة الشريرة لا يمكن أن تسحقها إلا الفكرة الخيّرة؛ وهي نتيجة منطقية عبر عنها بشكل واضح الشيخ محمد بن راشد عندما صرّح في مقال له بصحيفة “الشرق الأوسط” بتاريخ 28/9/2015 قائلاً: “لا بد من مواجهة هذا الفكر الخبيث بفكر مستنير، منفتح، يقبل الآخر ويتعايش معه (…) إن الشباب الانتحاري الساعي للموت بسبب إيمانه بفكرة خبيثة لن يوقفه إلا فكرة أقوى منها ترشده لطريق الصواب، وتمنعه من الانتحار، وتقنعه بأن الله خلقنا لعمارة الأرض وليس لدمارها”.

إن من الدلائل الواضحة على سوء التقدير الملازم للقوى الغربية، وسوء فهمها للجذور الحقيقية التي أنجبت داعش ورصيفاتها، أنه وفي ذات الوقت الذي تتكدس فيه الأساطيل والطائرات لإقتلاع “داعش”، يموت ويُجرح العشرات من الأبرياء في أقصى غرب الولايات المتحدة بواسطة زوجين عاليي التعليم ومتاحة أمامهما فرص كثيرة للعيش الطيب والتطوير الذاتي، علماً بأن التحقيقات أثبتت عدم إرتباطهما التنظيمي بداعش أو غيرها. وقبل هذه الحادثة شهد العالم المئات والالآف من مثيلاتها سواءاً في الغرب أو الشرق بدون أن يكون لها سبب واضح غير الكراهية للآخر وإحتقار الحداثة ونواتجها.

يجنح قطاع واسع من الكتاب والسياسيين، بل حتى الناس العاديين، إلى عزو نشؤ الفكر المتطرف والإرهاب لعوامل سياسية أو إقتصادية بحتة في إغفال لجذوره الفكرية. كما يتم التركيز بشكل كبير على الغزو الأمريكي لأفغانستان (اكتوبر 2001) والعراق (مارس 2003) بإعتبارهما يشكلان عاملين حاسمين في ذلك النشوء وما أعقبه من تمدد. في الواقع، وبدون الذهاب بعيداً في التاريخ، فإن الحقائق تقول بغير ذلك، حيث نجد أن فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي قد شهدت بروزاً واسعاً لظاهرة الإرهاب الاسلاموي على نطاق واسع عندما استهدف من ضمن من استهدف السياح في مصر وسفارات الولايات المتحدة في بيروت ونيروبي ودار السلام ومساكن الآمنين في الخُبر، وغير ذلك بالعشرات. بل أن مركز التجارة العالمي بنيويورك الذي استهدفته القاعدة عام 2001 والذي بسببه اندلعت حرب أفغانستان، كان مستهدفاً قبل ذلك من قبل الجهاديين، حيث فُجِّر بشكل محدود عام 1993 مخلفاً وراءه مئات القتلى والجرحى.

لقد تراكم من الأحداث والظواهر ما يسمح لصناع ومتخذي القرار بالإستثمار أكثر في مجال آخر لا يقل أهمية، إن لم يزد عليها، من مجالات الحرب ضد التطرف والإرهاب؛ وهو مجال الفكر والإعلام ومؤسسات صناعتهما. إن الحرب الفكرية ضد التطرف والإرهاب ليست سهلة إطلاقاً نسبة لأن الأيديولوجيات المتطرفة نجحت وبذكاء شديد في ربط أفكارها بكثير من القواعد الفقهية والمسلّمات التي يستند عليها الفقه والفكر الاسلامي المعاصر مما يجعل فك الإرتباط هذا أمراً بالغ الحساسية. إن مما لا شك فيه أنها حرب تحتاج لتغييرات جوهرية في الخطاب الديني المطروح عبر المؤسسات التعليمية ودور العبادة ووسائط الإعلام، في إتجاه أن يتماهى هذا الخطاب مع حقائق العصر بدون أن يفقد أصالته وتفرده.

على الرغم من تلك الحساسية، إلا أنه بات أوضح من أي وقت مضى أن هنالك تفهماً من قبل القيادات السياسية بالشرق الأوسط لهذه التغييرات، حيث أن سيف الإرهاب مسلطاً عليها مثل غيرها. فبقدر ما كان لافتاً تصريحات الشيخ محمد بن راشد التي أشرنا إليها أعلاه، أصبح لافتاً أيضاً جهد المملكة العربية السعودية في ذات السياق والذي برز من خلال جهدها في تشكيل التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، حيث أكد مجلس الوزراء السعودي في جلسته بتاريخ 21 ديسمبر 2015 على: “أن البيان المشترك بإعلان تشكيل تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب عسكريا وفكريا وإعلاميا، بالتنسيق مع الدول المهمة في العالم والمنظمات الدولية، ويضم مجموعة من الدول الإسلامية التي تشكل أغلبية العالم الإسلامي، يجسد تحقيقا للتكامل ورصّ الصفوف وتوحيد الجهود لمكافحته بجميع أشكاله ومظاهره والقضاء على أهدافه ومسبباته، وأداءً لواجب حماية الأمة من شرور كل الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة أيا كان مذهبها وتسميتها”.

من المُفترض، وفقاً لهذا الفهم، أن تُتخذ قرارات كبيرة من قبل التحالف الإسلامي في إتجاه تنزيل إستراتيجيته على أرض الواقع. وبدون تخوف أو تردد يجب على التحالف العمل على مختلف المحاور المرتبطة بقضايا الفكر والإعلام. فالمقررات المدرسية تحتاج لمراجعات كبيرة تزيل ما علق بها من مفاهيم ساعدت على بروز ايديولوجية التطرف والإرهاب، والمؤسسات الدينية والدعوية تتطلب إعادة هيكلة تعيد المسجد لدوره الطبيعي كمكان للعبادة وليس لنشر الخطب السياسية وتجنيد الشباب، والمؤسسات الإعلامية في حاجة لإعادة تحديد لأهدافها بحيث ينطلق منها الفهم المستنير للدين الذي يستهدف إبراز قيمه ومقاصده العليا التي تدعو للإعمار والبناء والأخوّة بين جميع الملل والنحل. والأهم من ذلك كله، وهذا مربط الفرس، أن يتم مراجعة قواعد ومفاهيم أصول الفقه الذي تتبناه المؤسسات الدينية الرسمية، والذي وضعه ناس من دم ولحم لكنهم أضفوا عليه قدسية تتجاوز تلك المعطاة للنص القرآني نفسه، مراجعته وفقاً لحملة تجديد شاملة تستهدف ترجيح الموازين لمصلحة العقل على حساب النقل، و لمصلحة الدراية على حساب الرواية.

من الصعوبة بمكان تصوّر أن تتم التغييرات في الفكر والإعلام ومناهج التعليم وأصول الفقه بسهولة. فهناك آلاف العوائق والمطبات أخطرها المؤسسات الدينية الرسمية والشعبية. إلا أن أننا نرى أنه إذا إجتمعت الرغبة المعلنة من الحكومات التي يسيطر فيها المنهج الديني السلفي، وبما تمتلكه تلك الحكومات من نفوذ على المؤسسات القائمة و طغيان على حركة المجتمع، إجتمعت مع الضغوط الكثيفة من المجتمع الدولي على تلك الحكومات وساعدها ذلك المجتمع على حسم ترددها في الذهاب بعملية التغيير للمدى المنشود، ربما يكون الناتج صحة وعافية لكليهما.