د. محمد محمد الأمين عبد الرازق كيف تمكن الأستاذ محمود من انتزاع حقوق السجين السياسي؟؟        ولدت الحركة السياسية في مؤتمر الخريجين على أثر إعلان ميثاق الأطلنطي عام 1942م، الذي وقعت فيه بريطانيا على إعطاء البلدان التي تساندها في الحرب العالمية الثانية حق تقرير المصير..

ومن هنا  بعث المؤتمر للحكومة بمذكرة يطالب فيها، إلى جانب مطالب أخرى، بحق تقرير المصير، وقد أحاط تلك المذكرة بتكتم شديد عاشت فيه حتى لجان المؤتمر الفرعية في ظلام دامس، فردت عليه الحكومة ردا يحمل كل الاستخفاف.. ثم أخذ يتداول مع الحكومة الردود بهذا الشأن، بدون أن يعنى بأن يقول للجان الفرعية، بله الشعب، كيف يريد أن يكون هذا المصير الذي يريد أن يُمنح حق تقريره.. ثم مضت فترة، وسرت في المؤتمر روح شعبت أتباعه شعبا على أساس الصداقات وتجانس الميول، مدفوعين بحب الغلبة على كراسي المؤتمر، ثم اتخذ كل فريق اسما سياسيا وبدأ التفكير عند القادة ساذجا صبيانيا!! فقد تخيّل بعضهم أنهم عندما يجتمعون على المطالبة بتقرير المصير، سوف تقدم انجلترا الحجة على عدم نضجهم السياسي، وسوف تقنع الدول الأخرى بذلك وتطلب وضع السودان تحت إشراف دولة عليمة بإدارة شئونه، ولا يكون لهم خلاص، حينذاك، من الإنجليز إلا بالتشبث بالدولة الأخرى الشريكة – مصر ذات الخبرة..

 ثم ماذا ؟ ثم يخرج السودانيون المصريين “بالسوط” !! هكذا كانوا يقولون!!

ومن هنا جاءت الدعوات إلى مصر!!

أما وحدة وادي النيل فجاءت من النفر الذين عاصروا حركة 1924م، ولم تتح لهم ظروف تغيبهم عن السودان ومسايرة التطورات الفكرية والقومية، التي جدت بعد ذلك التاريخ..

وجاءت دعوة الاتحاد مع مصر تحت التاج المصري، من فريق عملت فيهم عوامل الفكر والقومية السودانية، ولكنهم كانوا يرون أن السودان لا يمكن أن يقوم على رجليه من غير مساعدة خارجية.. وجاءت دعوات أخرى تريد مع مصر أشياء، لاهي بهذا ولا هي بذاك، وإنما هي تختلف عنها اختلافا هو على أقل تقدير، في أخلاد أصحابه كاف لأن يجعل لهم لونا يميزهم عن هؤلاء وأولئك يستطيعون عن طريقه جمع السند لمنازلة الآخرين، والفوز بكراسي المؤتمر..

      قلنا عاد التكتل لصفوف الخريجين هذه المرة على أساس الصداقات، فبرزت كتلة الأشقاء، وهو اسم تهكمي أطلقته كتلة ود أبوروف على هذه الشلة، وقد اشتق اسم الأشقاء من قرابة الأشخاص الذين تكونت منهم هذه الجماعة، وهم السادة: إسماعيل الأزهري وعلى الأزهري، يحي الفضلي ومحمود الفضلي، أحمد محمد يس وحسن محمد يس…الخ..

أما جماعة ود أبوروف- كتلة الاتحاديين- فهم السادة: إبراهيم يوسف سليمان، عبد الله ميرغني، إسماعيل العتباني، حسن أحمد عثمان الكد، حسين أحمد عثمان، حماد توفيق وآخرين..

وأما كتلة السيد عبد الرحمن المهدي فهم السادة: إبراهيم أحمد، عبد الله خليل، محمد الخليفة شريف، عبد الله الفاضل، عبد الكريم محمد، محمد على شوقي، الصادق شوقي ومحمد صالح الشنقيطي..

لم يقم خلاف بين كتلتي الأشقاء وود أبوروف يبلغ درجة الخصومة، ولكن الخلاف بدا ظاهرا، ومن الوهلة الأولى، بين كتلة الأشقاء التي يترأسها السيد إسماعيل الأزهري وكتلة أصدقاء السيد عبد الرحمن التي يترأسها السيد إبراهيم أحمد.. وعندما انهزمت هذه الكتلة- أصدقاء السيد عبد الرحمن- في الانتخابات الأولى لجأت للأنصار، وأخذت تستعين بهم، ووجدت ثغرة فاتحة في دستور مؤتمر الخريجين، لأن كلمة خريج كانت تعني أي شخص يزكيه اثنان من الخريجين بأنه خريج.. فكلمة خريج كانت تعني حتى من أكمل تعليمه الأولي، فاستطاعت بذلك، أن تهزم جماعة الأشقاء في انتخابات الدورة التالية واستولت على هيئتي القيادة!!

هزت الهزيمة جماعة الأشقاء، واتضح لهم أن كراسي المؤتمر أصبحت بعيدة المنال، فأخذ السيد يحي الفضلي يتودد للسيد محمد نور الدين وكيل البنك الأهلي المصري ومن كبار الختمية ليكسبه إلى جانب الأشقاء، وهكذا استطاعت كتلة الأشقاء أن تلقى السند من الختمية، وتهزم كتلة أصدقاء السيد عبد الرحمن في آخر دورة للمؤتمر جمعت الخريجين!!

على أثر هذه الهزيمة، ظهر حزب الأمة بالغا مكتملا برئاسة السيد الصديق المهدي وسكرتارية السيد عبد الله خليل، وضم أصدقاء السيد عبد الرحمن وزعماء العشائر.. وبهذا انفرط عقد الخريجين، وانتقل الصراع إلى ميدان واسع ونزلت الطائفية إلى الشارع تنشر أحقادها وسخائمها وعداوتها التقليدية بين أفراد هذا الشعب الطيب وقادة الكتلتين من ورائها يغذونها سوءا وخوفا وأكاذيب!! فقام قادة الأشقاء بدعاية تقول إن السيد علي الميرغني عزم على تصفية أملاكه، والرحيل إلى مصر بعائلته لأن الإنجليز سوف يتوجون السيد عبد الرحمن ملكا على السودان، وكان لغموض حزب الأمة، ما أثار الريب وأخاف الختمية ودعاة الاتحاد مع مصر، فأخذوا يتمسكون بدعوتهم أكثر من ذي قبل.. ومن ذلك التاريخ أصبحت كل معركة تدور بين الأحزاب، هي في حقيقتها معركة بين رجلين، وتنافس بين طائفتين!! وأصبح العمل السياسي ستارا يحجب عن الشعب تشفي الطائفتين من بعضهما البعض، وحرص الطموحين من الخريجين على كسب السند الشعبي الذي يكونون به زعماء!! 

            هنا أدرك بعض الخريجين، أن المؤتمر قد فشل في أداء رسالته في جمع شتات الخريجين، والسير بالشعب في طريق الوعي, فزهدوا فيه، فوقف بعضهم من المؤتمر موقفاً سلبياً، ورأى البعض الآخر أن يقف موقفاً ايجابياً ويعمل خارج المؤتمر.. فنشأ الحزب الجمهوري في  أكتوبر عام  1945م، وكان أول حزب جمهوري، وفكرة إنشائه ترجع للأخ أمين مصطفى التني وهو لم يستمر طويلاً عضواً في الحزب..

     تكون هذا الحزب في بادئ الأمر من محمود محمد طه، أمين مصطفي التني ، منصور عبد الحميد، إبراهيم المغربي ، محمود الأزهري، أحمد محمد خير، إسماعيل محمد بخيت ، صالح عبد القادر ، عبد القادر المرضي وحسن طه.. وعقد أول اجتماع له بالمقرن تحت الشجرة التي تقوم عند المسطبة، عند المدخل الشرقي.. وقد أعقبت هذه الجلسة جلسات أخرى بجهات مختلفة نوقش فيها دستور الحزب مراراً، وتم إقراره نهائياً في أول جلسة أثبتت بسجل وقائع الجلسات، في يوم 28/ 10/1945م، بإجماع كل الحاضرين من أعضاء اللجنة التمهيدية وهم السادة المذكورين آنفاً فيما عدا إبراهيم المغربي واحمد محمد خير، اللذين تغيبا عن هذه الجلسة.. وفي هذه الجلسة وضعت النقاط التي تبين هيكل المذكرة التفسيرية التي تصحب الدستور وقد أوكل إعدادها لعبد القادر المرضي..

 وفي هذه الجلسة أيضاً أجريت الانتخابات لتكوين المكتب فكانت نتيجتها كما يلي :-

محمود محمد طه                           رئيساً

إبراهيم المغربي                            نائب رئيس

عبد القادر المرضي                        سكرتيراً

أمين مصطفى التني                       نائباً للسكرتير

احمد محمد خير                            أميناً للصندوق

الباقون                                      أعضاء

دستور الحزب عام 1945م :-

الاسم : الحزب الجمهوري

المبدأ:  الجلاء التام..

الغرض: (أ) قيام حكومة سودانية ديمقراطيه حرة مع المحافظة على السودان كامل حدوده الجغرافية..

(ب) الوحدة القومية..

(ج) ترقية الفرد والعناية بشأن العامل والفلاح..  

(د) محاربة الجهل..

(ه) الدعاية للسودان..

(و) توطيد العلاقات مع البلاد العربية والمجاورة..

العضوية: 1- لكل سوداني بلغ من العمر 18 سنة..

          2- لكل مواطن ولد بالسودان وكانت إقامته فيه لا تقل عن عشرة                 سنوات..

مال الحزب : يصرف في الأغراض التي نشأ من أجلها الحزب..

مذكرة تفسيرية

            لما كانت الغاية من قيام الحكومات، هي أن تهيئ للفرد أقصى ما يمكن أن يصل إليه من الرفاهية، رأت هذه الجماعة التي تكونت باسم “الحزب الجمهوري “، أن أنسب نظام يلائم نفسية هذا الشعب، ويتجاوب مع رغباته، ويحترم أعراضه، ويحمي منافعه، هو قيام حكومة جمهورية ديمقراطية حرة.. وقد توخت جماعتنا أن تبين نوع الحكم الذي تسعى إليه لئلا يكون هناك ما من شأنه أن يترك الناس في ظلام من أمرهم.. ذلك بأن الحكم الجمهوري لا يجعل فضلاً لمواطن على آخر إلا قدر صلاحيته وكفاءته للاضطلاع بالأعباء المنوطة به، ولأنه من ناحية أخرى لا يقيد الناس بضرب من ضروب الولاء والتقديس اللذين لا مصلحة للإنسانية فيهما.. وخلاصة القول أن هذا الحزب وكما هو ظاهر، يرى أن النظام الجمهوري، هو أرقى ما وصل إليه اجتهاد العقل البشري في بحثه الطويل عن الحكم المثالي، وعلى هذا الأساس وللأسباب المذكورة  فضله..

     والسبل المؤدية إلى هذا الهدف قد يختلف الناس في فهمها، أما رأي هذا الحزب فهو أن مثل هذه الغاية لا تتم إلا بالتحرر من النفوذ الأجنبي في جميع مظاهره.. ذلك لأننا نؤمن بأنا قد بلغنا درجة نستطيع بها أن ندير شئوننا بأنفسنا، وليس أدعى لتجويد هذه الخبرة اللازمة لفن الحكم من أن نمارس هذا الفن نفسه ممارسة غير مشوبة، وعلى الطريقة التي نرتضيها..

وعلى ضوء هذه الحقيقة تتكشف لنا حوائج نستدعي منا التفاتاً خاصاً:

1. العناية بالوحدة القومية : ونرمي بذلك إلى خلق سودان يؤمن بذاتية متميزة، ومصير واحد، وذلك بإزالة الفوارق الوضعية من اجتماعية وسياسية، وربط أجزاء القطر شماله وجنوبه شرقه وغربه، حتى يصبح كتلة سياسية متحدة الأغراض متحدة المنافع متحدة الإحساس..

  2. ترقية الفرد من ناحيتيه الانتاجية، والمعيشية، حتى يتمكن من استغلال موارد بلاده الزراعية والصناعية بإنشاء جمعيات تعاونية لهذا الغرض، وإنشاء نقابات توجه العمال التوجيه الصحيح..

3. تعليم الفرد حتى يصبح عضواً صالحاً في المجموعة يدرك ما عليه من الواجبات وما له من الحقوق..

4. الدعاية للسودان بشتى الوسائل حتى يتمكن من أن يسمع صوته خارج هذا النطاق المحلي الضيق..

5. نحن وإن كنا لا نريد أن نرتبط بشيء ما في الوقت الحاضر، لكن لا يمكننا أن نتجاهل الأواصر التي تربطنا بدول الشرق العربي بشكل خاص، والمنافع التي تربطنا بالأقطار المجاورة وسوف تتكيف علاقتنا مع هؤلاء جمعياً على هذا الأساس..

                              الجمعة:20 ذو القعدة 1364

                              الموافق : 26 أكتوبر  1945م

(من مذكرات الأستاذ أمين محمد صديق سكرتير الحزب الجمهوري)