نبيل أديب كنا في الأسبوع الماضي تناولنا مسؤولية المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية عن إكتظاظ السجون بإلزامها للقاضي بحبس المدين بحكم قضائي ما لم يوفي بقيمة الحكم. 

ولكي يكتمل النظر لمسالة السجن بسبب الإخلال بإلتزام مدني في القانون السوداني ننظر اليوم لسوء التطبيق المتعمد للمادة 179 من القانون الجنائي، والذي يساهم بشكل كبير في تحويل العمل التجاري إلى مغامرة غير مأمونة الجوانب، قد تنتهي بصاحبها إلى فقدانه حريته، كما كانت تفعل بنظرائه أيام حمورابي.

ذهب إالكثيرون إلى أن العقوبة الجنائية التي تفرضها المادة 179 من القانون الجنائي على تحرير شيكات بدون رصيد كاف، هي مسألة ضرورية لحماية الجهاز المصرفى، وأيضاً لحماية الشيك كوسيلة أو أداة للتعامل التجاري. و سنرى حالاً سبب تمسك النظام المصرفي بتفسير هو اول من يعرف خطأه. أما بالنسبة للشيك نفسه فلا خلاف لنا مع القول بضرورة حماية الشيك بالعقاب الجنائي، ولكننا نزعم أن التطبيق الخاطئ للمادة يحمي الكمبيالات، وليس الشيكات. كل ما ننادي به هو أن نطبق المادة تطبيقاً صحيحاً.

الشيك المرتد وجريمة الإحتيال

السبب أصلاً في إسباغ الحماية الجنائية على الشيك دون غيره من الأوراق التجارية تقرر بسبب الوظيفة المختلفة للشيك كأداة وفاء ويمكن للحماية أن تجعل منه بديلاً للنقد متى أمن المتعاملون من خطر سوء إستخدامه. ولذلك فقد أدخلت تلك الحماية في الستينات من القرن الماضي، بإضافة الفقرة “ب” للمادة 362 (الإحتيال) من قانون العقوبات آنذاك. وقد رؤى آنذاك أن ما يمنع الشيك من أن يلعب دوره كأداة وفاء تحل محل النقد في الوفاء بالمبالغ المستحقة السداد هو أن الإلزام المدني بالوفاء بقيمة الشيك عند إرتداه لا يوفر الثقة التي تجعل التاجر يقبله كوسيلة مأمونة للسداد، وأن التهديد بالعقوبة الجنائية من شأنه إلزام الساحب بدرجة من الجدية في التعامل بالشيك تجعل المستفيد يتعامل مع الشيك كتعامله مع النقد. أضف لذلك أن الفعل الذي تم تجريمه هو فعل ينطوي على عدم أمانة تبرر مواجهته بالقانون الجنائي, فإذا عمد الساحب لأن يسدد المقابل في معاملة ما، بشيك يعلم بأن المصرف لن يصرف قيمته للمستفيد ، فإنه يكون قد إستخدم الشيك كأداة إحتيال وليس كأداة وفاء. إذاً فإن تجريم القيام بتسليم شيك مردود، وفاءً لإلتزام، أو بمقابل، بالإضافة لكونه تجريماً لصورة من صور الإحتيال، فإنه يهدف لأن يمنح الشيك ثباتاً بإعتباره أداة وفاء بإضفاء الثقة على التعامل بالشيكات، وهو الأمر الذي يؤدى للتقليل من كمية النقد المتداولة خارج المصارف. لذلك فإن تلك الحماية يجب أن تقتصر على الشيك فقط ولا تشمل غيره من الأوراق التجارية كالكمبيالات والسندات الإذنية والتي هي في أصلها أدوات إئتمان وليست أدوات وفاء. ولكن تطبيق المادة قاد لأن تنصرف الحماية التي قررها القانون للشيك، إلى الكمبيالة، وسنرى حالا ً الأثر الضار لذلك على القانون والإقتصاد على السواء.

ما هو الشيك المؤجل السداد؟

قالت الأعراب عن الخل الوفي أنه كالغول والعنقاء لا وجود له، ولكن الشيك مؤجل السداد أجدر من الخل الوفي بإحتلال هذا الموقع بجانب الغول والعنقاء، فليس هنالك مايمنع من حيث المنطق الوفاء في الخليل، ولكن الشيك مؤجل السداد تعبير يشير إلى ضدين لا يجتمعان معاً، أي أنه مثله مثل الغول والعنقاء من بنات الخيال. والخيال هنا هو خيال الجهاز المصرفي  وهو خيال فرضه ذلك الجهاز بما له من نفوذ إكتسبه من واقع كونه الدائن الأول للسلطة التي لا تستطيع أن تفرض سلطانها بدون ما يوفره لها من مال. فالشيك المؤجل السداد في القانون ليس بشيك على الإطلاق، بل هو كمبيالة مشروطة بحلول أجلها. الشيك هو وسيلة للسداد وليس للإئتمان. بمعنى أنه سداد فورى لمبلغ من المال وفاءً لإلتزام، وليس ضماناَ للمستفيد بأن يحصل على مبلغه فى زمن مستقبل، أو إذا تحقق شرط فى العقد، وإذا أصبح كذلك فقد قيمته كبديل للنقد ولم يعد هناك سبباً لإسباغ الحماية الجنائية عليه. الشيك هو كمبيالة مسحوبة على مصرف مستحقة الدفع عند الطلب وفقاً لأحكام المادة “76” من قانون الكمبيالات لعام 1917، وهو القانون الوحيد الذي يعرف الشيكات، ويحكم صحتها وتداولها . لكى يكون الشيك أداة وفاء يحل محل النقود يجب أن يكون غير معلق على شرط، وواجب السداد عند تقديمه للمصرف. والشيك الآجل السداد هو شيك معلق على شرط وهو غير قابل للدفع عند الإطلاع (أى فور إطلاع المصرف عليه)، بل هو مشروط بعدم تقديمه قبل التاريخ المبين فيه . لذلك فهو ليس بشيك، وإنما هو كمبيالة مسحوبة على مصرف.  ويلاحظ أن خانة التاريخ الذى يحملها الشيك لم يقصد بها تحديد تاريخ الإستحقاق، لأن تاريخ إستحقاق الشيك هو تاريخ تسليمه للمستفيد، ولكن قُصِد منها إلزام المستفيد بتقديم الشيك للمصرف في زمن معقول (لا يجاوز ستة أشهر فى كل الأحوال)، وإلا برأت ذمة الساحب بمقدار ما أصابه من ضرر نتيجة لتأخير تقديم الشيك ((م “77” (أ) قانون الكمبيالات)). أما إذا حُرِر الشيك بتاريخ مختلف عن تاريخ تسليم الشيك الفعلي فقد إختارت القوانين حلين للإبقاء على الشيك كأداة وفاء، الأول هو ما إختاره القانون السوداني التعامل معه بإعتباره كمبيالة مسحوبة على مصرف و ليس شيكاً. والثاني ما إختاره القانون فى بعض الولايات الأمريكية، والقانون المصرى، والذي منح المستفيد الحق فى صرف الشيك بمجرد تقديمه للمصرف، حتى ولو تم التقديم قبل اليوم المبين فيه (م “245” (2) من القانون التجاري المصري). أما فى إنجلترا فقد درجت المصارف على أن تحتفظ لنفسها عند فتح الحساب في إتفاقها مع العميل على فتح الحساب بالحق فى صرف الشيك حال تقديمه بغض النظر عن تاريخه. وإذا كان الشيك آجل السداد ليس شيكاً بمفهوم القانون التجارى، فهو أيضاً ليس كذلك بمفهوم القانون الجنائى.

أركان جريمة اعطاء صك مردود

تنص المادة (179) على أنه يعد مرتكبا جريمة اعطاء صك مردود، من يعطي شخصاً صكاً مصرفياً وفاء لإلتزام، أو بمقابل، ويرده المسحوب لعدم وجود رصيد للساحب كاف، أو قابل للسحب، مع علمه بذلك. وكل شروط المادة لا إنطباق لها على الشيك الآجل السداد، فالمادة تتطلب إعطاء شيكا، والشيك الآجل السداد كما أسلفنا ليس بشيك. وفى حكم صدر عام 95، رأت المحكمة العليا أنه لا غضاضة من إعتبار  الشيك المؤجل السداد شيكاً، طالما أنه يحمل تاريخاً واحداً وليس تاريخين، لأنه لا يكون معلقاً على شرط مدون فيه. وهو حكم مخالف لكل الأسس التى قام عليها نظام الشيكات فى العالم بأسره، وذلك لأن تحرير الشيك لا ينشئ اى إلتزام قانونى، وإنما ينشأ الإلتزام بتسليم الشيك. لذلك فقد نصت المادة “20” من قانون الكمبيالات على أن العقد لا يكون مكتملاً ولا يجوز الرجوع عنه إلى أن يتم تسليم الصك لأجل تنفيذه. والحماية الجنائية أيضاً لا صلة لها بتحرير الشيك بل بتسليمه، فالمادة 179 تتحدث عن إعطاء شيك، وليس تحريره. لذلك فإذا كان الشيك يحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ التسليم فهذا يعني أنه يحمل تاريخين، تاريخ التسليم وتاريخ إستحقاق السداد، وهذا يعني أنه كمبيالة وليس شيكاً لأنه عند دخوله دائرة الإلتزام والتداول لم يكن قابلاً للدفع عند الإطلاع.

والشرط الثانى هو أن يتم إعطاء الشيك وفاءً لإلتزام أو بمقابل، والشيك الآجل السداد يفتقد ذلك، لأن وجود التاريخ المؤجل على الشيك وقت تسليمه ينطوى على إقرار من الطرفين بأن الإلتزام الذى سُلِّم الشيك وفاءً له غير حال الأداء. وهذا يعني أمرين: الأول هو أن الشيك وقت تسليمه، وهو الوقت الذى يتوجب النظر له، لم يكن له  مقابل حال. والثاني أنه لم يعطى وفاءً بإلتزام بل ضماناً للوفاء بالإلتزام عند حلوله.

الجريمة المستحيلة

والشرط الثالث هو أن يصاحب إرتكاب الفعل المؤثم، وهو هنا إعطاء الشيك، حالة ذهنية معينة، وهذا مطلوب فى كل الجرائم، وبالنسبة لجريمة إعطاء شيك مردود فإن  الحالة الذهنية المتطلبة، هى العلم بأن الحساب ليس به رصيد كاف. فالنص القانونى يشترط أن يكون الشيك قد إرتد لعدم وجود رصيد كاف في حساب الساحب، مع علمه بذلك، وهو إشتراط ينصرف لزمن تسليم الشيك، وليس لزمن مستقبل، لأن العلم يجب أن يتزامن مع الفعل المرتكب وهو هنا إعطاء الشيك. والعلم هو إحاطة بواقعة مادية وما لم يقع بعد يستحيل الإحاطة به. الشيك الآجل السداد هو إتفاق بين طرفين، حُرِر الشيك بمقتضاه ليصرف فى زمن مستقبل يتوقع الإثنان أن يكون فيه فى حساب الساحب مالاً يجعل الشيك مقبول الدفع .أى أنه وعد بالسداد مدعوم بكمبيالة مسحوبة على مصرف، والقانون لا يجرم الإخلال بالوعد ما لم يتضمن وسائل إحتيالية ويتطلب فوق ذلك إنصراف إرادة الجانى وقت الوعد للإخلال به وهو ما تفتقده المعاملات التى يضمنها شيك مؤجل السداد.

إضرار بالقانون وبالإقتصاد

بالإضافة لما فى هذه الممارسة من خطأ الزج بالأبرياء فى السجون، فإن المجتمع يتضرر من إسباغ حماية جنائية على تنفيذ وعد، لأن ذلك يوسع من دائرة العقاب بدون خطأ، وهي مسألة غير عادلة. أضف لذلك فإنها ممارسة تضر بالإقتصاد الوطني ، بما تؤدي إليه من زيادة فى النقد المتداول بالإقتراض المدعوم بالحماية الجنائية لمجرد الوعد بالسداد دون ضمان حقيقى، فالضمانات الحقيقية تجعل لحجم المال المتداول صلة بحجم الإقتصاد، أما زيادة النقد المتداول الذي لا صلة له بالثروة الحقيقية في المجتمع فيؤدي إلى زيادة وتيرة التضخم وكل هذا يتم بدعوى حماية النظام المصرفى وهو فى حقيقة الأمر يؤدى إلى تخريبه بالسماح بتقديم تمويل بضمان غير حقيقى.  أما السبب فى لجوء المصارف لذلك فيتمثل فى عدم رغبتها فى الإلتزام  بالصيغ الإسلامية. لا بد لي هنا ان أشير إلى إنني حين أذكر مصطلح الصيغ الإسلامية، أذكره بشكل محايد أي بما يدعيه هو نفسه عن نفسه، ولكنني لا أقصد أن أنسب تلك الصيغ للإسلام كدين يبحث عن العدل كمفهوم أساسي فيه.

عدم الإلتزام بالصيغ الإسلامية

ما صلة الجهاز المصرفى بالشيك المؤجل السداد ؟.الأصل هو أن المصرف لا يحتاج لشيك من عميله ما لم يكن مسحوباً على مصرف آخر. لأن الشيك أصلاً يضم أطرافاً ثلاث: الساحب، والمصرف، والمستفيد، أما سداد العميل للمصرف من حسابه الذي يحتفظ به لدى المصرف، فلا يتم عن طريق الشيكات، بل بأوامر كتابية بالخصم من الحساب، أو بما تتضمنه إتفاقات التمويل من إذن للمصرف بالخصم من حساب العميل عند حلول الإلتزام. والأصل أيضاً أن المصرف لا يقبل الشيكات المؤجلة السداد لمخالفتها للقانون. وقد كان المصرف في زمن المهنية والإلتزام بالقانون، يقوم بقفل حساب العميل الذي يقوم بتسليم شيكات مؤجلة السداد، حين تقدم تلك الشيكات للمصرف قبل حلول أجلها، أو حين يستنتج المصرف ذلك من الأرقام المتسلسلة للشيكات التي تقدم له للتحصيل. ولكن الأمر قد إختلف تماماً الآن حيث أصبحت الغالبية العظمى للشيكات المؤجلة السداد من حيث القيمة هي شيكات مسحوبة من عميل على حساب لدى نفس المصرف المستفيد من الشيك. ما الذي أدى لكل هذه الفوضى غير المسبوقة. إنه البحث عن الحماية الجنائية للتمويل المصرفي بدعوى ضرورتها لإستقرار المعاملات المصرفية.

لا أعتقد أن حبس المدين ضرورى لإستقرار المعاملات المصرفية بل أجده مهدداً لها، لأن سجن المدين لا يضيف للناتج القومى شيئاً بل هو خصم عليه لما يؤدى له من وقف عجلة الإنتاج. واجب الجهاز المصرفى هو تمويل مشاريع ناجحة تعيد مبلغ التمويل عن طريق زيادة الناتج القومى، ودراسة الجدوى المحكمة هى الضمان لذلك. أما الرهون والإمتيازات التي يوفرها العميل فتوفر ضماناً إضافياً لعودة الأموال المستثمرة حال فشل المشروع، ورغم أنها لا تضيف شيئاً للناتج القومى، إلا أنها لا تؤثر سلباً على الإقتصاد لأنها تنقل الثروة من يد ليد دون زيادة فى عرض النقود. أما منح التمويل على ضمان التخويف بالسجن فهو إهدار للمال ودعوة للتضخم لما يسببه من زيادة فى عرض النقود دون إنتاج مقابل لها.

 يُقدَّم التمويل ـ فى النظام التقليدى ـ بضمانة كل أو بعض أصول العميل، فإذا فشل في رد التمويل يستولى المصرف على أصوله ويسيلها ويسترد مبلغ التمويل. و ذلك بالضرورة يتطلب أن يتحمل العميل الفائدة البنكية حتى لحظة إسترداد المبلغ ، لأن المبلغ الذي قدمه المصرف هو في حقيقته مال المودعين الذين يدفع لهم المصرف فائدة بنكية أقل من التى يتقاضاها من العميل ليحقق ربحاً. ويحتم ذلك أن يتحمل العميل سعر الفائدة طوال فترة بقاء أموال المودعين في يد العميل. ولكن صيغ التمويل الإسلامي تنتهى فيها الربحية بإنتهاء أجلها، وإلا وقع الأمر في دائرة الربا الذى لا يعدو أن يكون زيادة المال في مقابل الأجل. عندما إتخذ نميري قراره الإرتجالي بتبني النظام المصرفي الإسلامي، ظل الجهاز المصرفي يفترض ضرورة حصوله على مقابل التمويل (الفائدة البنكية) منذ لحظة صرف المبلغ وحتى لحظة إسترداده، غير عابئ بأن ذلك لم يعد متاحاً في الصيغ الإسلامية، فلوى عنق تلك الصيغ لتعطيه ما يريد. ولنأخذ المرابحة مثالاً لما نقول. يتم التمويل عن طريق المرابحة بأن يقوم المصرف بشراء السلع التي يرغب العميل ( الآمر بالشراء ) بشرائها ويعيد بيعها للعميل بسعر مؤجل يضيف إليه عمولته وربحه ( وهى نسبة محسوبة على مبلغ التمويل من لحظة إنفاقه حتى اللحظة التي يصبح فيها واجب السداد ). ولكن النظام الإسلامي لا يتيح للمصرف أن يحصل على ربح ( فائدة بنكية ) مقابل الأجل. فمتى حان أجل سداد المرابحة وفشل الآمر بالشراء في سدادها لا تجوز المطالبة بالفوائد عن الفترة التي يقتضيها تحصيل الدين عن طريق الإجراءات القضائية ويتحمل المصرف وحده تكلفتها. حتى تجعل المصارف مبلغ التمويل منتجاً لربحية لحين السداد لجأت إلى معالجة الأمر بمرابحة ثانية وهمية تتيح للعميل أجل للسداد وتتيح لها الحصول على مقابل لمبلغ التمويل، وذلك بأن تشتري سلع لا وجود لها تسدد سعرها للعميل (ضعف مبلغ التمويل الأول) و تعيد بيعها له بثمن مؤجل يتضمن الربحية والعمولة على المبلغ كاملاً. يرد العميل  مبلغ التمويل الأول ويستخدم الفرق كتمويل إضافى بضعف تكلفة التمويل البنكي! وهذا يعني أن المصرف يضطر لتمويل سداد القرض حتى يتمكن من موازنة ربحية التمويل مع قيمة الحصول عليه. وتتكرر هذه المعالجة إلى أن يصل الأمر إلى إفلاس العميل لأن إستخدام التمويل في غير الإنتاج يرفع تكلفة الإنتاج ويجعل رد التمويل مستحيلاً فتكرار المرابحة لأكثر من مرة هي آلية لإنتاج التعسر . لجات المصارف بدلاً عن ذلك للإسراع بزمن إسترداد ديونها عن طريق إستخدام الآلية الجنائية، والتي تتيح القبض على المدين وعدم إطلاق سراحه حتى سداد المبلغ المرتكبة بشأنه الجريمة، بدلاً عن المدد المتطاولة التي تأخذها الدعاوي المدنية. ليتم ذلك لجأ المصرف إلى الإستعاضة عن ضمانات لم تعد متوفرة للعميل بقبول شيك مؤجل السداد، محولاً بذلك الشيك من أداة وفاء لأداة إئتمان مع فرض عقوبة جنائية عليه، وهو أمر يتعارض مع أبسط قواعد القانونين التجارى و الجنائي.

هل يصلح السجن لمواجهة التعثر؟

المتعثرون هم مستثمرون حصلوا على تمويل من المصارف إلا أنهم عجزوا عن سداده كلياً أو جزئياً عندما أصبح واجب السداد، وهو جزء من المخاطر المصاحبة للإستثمار في مختلف ضروبه، وما شهده العالم في العقد الماضي من هبوط حاد في أسواق الأوراق المالية الكبرى هو إنعكاس لتعثر بعض المؤسسات المالية الكبرى، وما أفضى إليه من فقدان الثقة في الأسهم المطروحة، ومحاولة المضاربين للإستفادة من ذلك في المعاملات القصيرة الأجل .

والتعثر هو منتج جانبي للدورة الإقتصادية، ففي حالات الرواج تكثر أموال المدخرين لدى المؤسسات المالية، فيزيد عرض المال وتقل تكلفة التمويل، وهو الأمر الذي يشجع المستثمرين على التوسع في الإنتاج بإستخدام التمويل المتاح، ويستمر التوسع حتى يزيد عرض المنتجات عن الطلب عليها، ويعجزالمستثرون عن تصريف سلعهم، ويعجزون تبعاً لذلك عن إعادة مبالغ التمويل، فتلجأ المصارف إلى تسييل أصولهم مما يؤدي بدوره إلى مزيد من الكساد  قد يفضى بدوره إلى تعثر المؤسسات المالية والمصارف.

عندما تتعثر المؤسسات المالية في الدول الصناعية المتقدمة تلجأ حكومات تلك البلدان لإقراض المؤسسات المالية المتعثرة لإقالة عثرتها، حتى تستمر عجلة الإنتاج بما توفره تلك الأموال من طلب على السلع. الوضع في الدول النامية لا يتيح ذلك، فالإستدانة من النظام المصرفي هو أساس التمويل الحكومي، وبالتالي فليس هنالك لدى الحكومة ما يمكن أن توفره من أموال لسد الفجوة، فتلجأ إلى ما تجيد عمله، وهو إيداع المستثمرين المتعثرين غياهب السجون . وسجن المستثمرين فى أزمنة الكساد لا يكشف عن فطنة لما يقود إليه من إغلاق مؤسساتهم وتشريد العاملين بها، وبالتالي خروجهم من دائرة الطلب الفعال على السلع والخدمات . ولكن ما يهم أهل القانون فى هذه المسألة هو أن السجن عقوبة جنائية، والعقوبة الجنائية تفرض بسبب إرتكاب الجريمة، ولا يجب أن تكون أحد المخاطر التي تواجه العمل الإستثماري. وهذا يعني أن التعثر الناجم عن أحوال الإقتصاد لا يجب أن يقابل بالعقوبة مهما أدى إليه ذلك التعثر من فقدان لأموال المودعين، فالقانون الجنائي لا يتدخل إلا عندما يتم أخذ أموال الغير بغير رضاهم إما خفية أو بالعنف أو بالخداع أو بالخيانة، أما إذا عجز طرف عن رد مال إقترضه من آخر برضا لا تشوبه شائبة فهذا أمر يخرج عن نطاق القانون الجنائي .

عند بداية تدهور القانون في نهايات العهد المايوي تم إستخدام السجن لإسترداد أموال فُقِدت في معاملات مدنية أو تجارية، فأجاز القانون سجن المحكوم عليه بسداد دين مدني عن طريق المادة 243 من قانون الإجراءات المدنية، وأجاز القانون السجن كوسيلة ضغط، فمجرد إتهام شخص بإرتكاب جريمة مالية يودع السجن ما لم يسدد مبلغ الإتهام، لحين إنتهاء المحاكمة. وفي ذلك الجو الذي تمت بمفاهيمه مقايضة الحرية بالمال تسلل إلى  أحكام القانون، ودون سند منه، الحكم بسجن من لا يستطيع الوفاء بكمبيالة مسحوبة على مصرف بإعتبارها شيكاً مؤجل السداد. وفى ظل كل هذه القوانين والممارسات فليس غريباً أن يكون هنالك رجال/نساء أعمال في السجن، وإنما الغريب هو أن يكون هنالك رجال/نساء أعمال أصلاً.

نبيل أديب عبدالله

المحامي