خالد التيجاني النور *هل الصراعات الداخلية في "الحركة الشعبية" و"الجبهة الثورية" وراء هذا التحول؟ * لماذا انتقل عرمان إلى نبرة تصالحية مع "حوار الخرطوم" *حلفاء "الشعبية" مرتبكون ومناوي قالها بوضوح.. 

لم يمض وقت طويل بين انهيار الجولة العاشرة لمفاوضات السلام السودانية وبين استئنافها تحت لافتة “محادثات غير رسمية” أو إعطائها رقم لجولة “الحادية عشر” ليقال أن مياهاً كثيرة مرت تحت الجسر تبرر هذا التحول “المفاجئ” في مواقف طرفيها الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال والحكومة السودانية،

 

انتقالاً من تبادل حاد للاتهامات حول المتسبب في انهيار الجولة الماضية إلى لغة جديدة تماماً تتحدث عن “تفاهمات” مهمة أحرزها الطرفان بإتجاه تسوية ما،

 

فما الذي جرى بين الثالث وعشرين من نوفمبر الماضي والثامن عشر من ديسمبر؟.

بدا المشهد مثيراً ومفاجئاً للكثيرين حين تناقلت وسائط التواصل الاجتماعي نبأ ظهور ياسر عرمان رئيس وفد الحركة الشعبية المفاوض في أديس أبابا متحدثاً في الفضائية السودانية في نشرة أخبار السادسة مساء الجمعة قبل الماضية في ظهور نادر،

وزاد من درجة لفت الانتباه ليس إقدام التلفزيون الحكومة على استضافته بل اللغة الجديدة والنبرة الهادئة والمتصالحة التي كان يتحدث بها عن مخرجات جولة المفاوضات “غير الرسمية” على نحو جعل عناوين الصحف السودانية تتفق في وصف الحدث بأنه اختراق وتقدم في المفاوضات بين الحكومة والحركة.

رافق ظهور عرمان “المربك” لحلفاء الحركة الشعبية خصوصاً، وللمعارضين بوجه عام، صدور بيان الناطق الرسمي بإسم الحركة حاملاً مضموناً مؤكداً بأن إفادات عرمان لتلفزيون أمدرمان لم تكن من قبل المجاملة بل تعبير عن موقف سياسي متحول وجديد بالكامل للحركة الشعبية في تعاطيها المتطاول مع الصراع شبه المستدام مع نظام الحكم في الخرطوم. 

وقالت الحركة الشعبية في بيانها عقب ختام “المحادثات الرسمية “:

 

إن الجولة تميزت بمناقشة القضايا القومية والقضايا التي تهم المنطقتين، وتناولت قضايا السلام الشامل ومشاركة جميع الأطراف السودانية في الحوار والترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقتين”.

وفي رسالة لنفي انفرادها بالتفاوض لعقد صفقة ثنائية مع الحكومة أضاف البيان:

“أن الجولة أكدت أهمية وقف وإنهاء الحرب بشكل متزامن بالمنطقتين ودارفور، ومشاركة جميع الأطراف في الحوار الوطني بغية الوصول لإجماع وطني، ومخاطبة القضايا المتعلقة بالمنطقتين، وبناء أجندة وطنية لمستقبل السودان قادرة على توحيد السودانيين”.

ومضى البيان قائلاً:

إن “الطرفين لم يتمكنا في الجولة من حل القضايا الرئيسية العالقة ولكن تبادلا بشكل صريح وجاد مواقفهما من كافة هذه القضايا واتفقا على عقد لقاء غير رسمي في أقرب وقت لمزيد من البحث المتعمق في هذه القضايا وإجراء مشاورات لكل طرف مع حلفائه للوصول لسلام شامل”.

ونقل بيان الحركة عن عرمان قوله:

إن”الجديد في هذه الجولة هو طريقة إدارة الحوار والموضوعات والصراحة والشفافية التي تميزت بها”،

وإلى “ضرورة الحل والسلام الشامل ومشاركة الجميع في الحوار وضرورة توفير الطعام والسلام والحريات”.

من الواضح أنه خلافاً لما ذكره عرمان فإن الجديد في هذه الجولة ليست مجرد مسألة شكلية تتعلق ب”طريقة إدارة الحوار” فقد كان متاحاً دائماً اقتراح أساليب وطرق متعددة لإدارة تفاوض منتج، إذ لا يتصور أن مجرد التفاهم على شكل إدارة المحادثات لا مضمونها هو من أعطى هذه الجولة كل هذا الزخم،

 

ولذلك يبقى منطقياً الاستنتاج أن دوافع عقد “محادثات غير رسمية” بالأساس ليست متعلقة بجوانب إدارية بل تدفعها معطيات جديدة دخلت على الخط جعلت اللقاء نفسه ممكناً خلال اسابيع قليلة على انفضاض الجولة العاشرة بدون إحراز أي تقدم على الرغم من أنها استؤنفت بعد مرور عام كامل على آخر جولة تفاوض بين الطرفين،

 

كما أن لغة التعبير عن حقيقة ما جري خلف الكواليس بين الأطراف الفاعلة كشفت عن نقلة كبيرة بين الاتهامات الغاضبة المتبادلة بين الطرفين إلى لهجة يغلب عليها الحرص على التمهيد ل”تطور ما” على وشك الحدوث في مسار العلاقات بين الطرفين.

وما يؤكد أن هناك “شئ ما” سيحدث قريباً في هذا الملف ما ورد في بيان الحركة على الرغم من أن “الطرفين لم يتمكنا في الجولة من حل القضايا الرئيسية العالقة ولكن تبادلا بشكل صريح وجاد مواقفهما من كافة هذه القضايا”، إلا أن تضمن الإعلان عن الاتفاق على “عقد لقاء غير رسمي في أقرب وقت لمزيد من البحث المتعمق في هذه القضايا وإجراء مشاورات لكل طرف مع حلفائه للوصول لسلام شامل”،

 

والسؤال هل حقاً إن لم يتم التوصل لتفاهمات حول القضايا الرئيسية العالقة فكيف تسنى مسارعة الحركة الشعبية إلى التبشير بـ”تحولاتها الجديدة” فهل يعقل أن ذلك تم لمجرد التفاهم على “طريقة جديدة لإدارة الحوار”، أم أن هناك ما هو أكثر من ذلك إلى درجة تجعل الحركة “مطمئنة” للإقدام على هذه الخطوة التي لا شك تثيرحفيظة وشكوك حلفائها والمعارضين عل حد سواء،

وأن المطلوب كما ورد في البيان أن الغرض هو إتاحة فرصة لتسويق هذه “التفاهمات الغامضة” للحلفاء وهي مسألة معنية به الحركة أكثر من الحكومة كونها ليست في وضع يضطرها إلى ذلك، في حين أن أن الحركة تحتاج بشدة لإقناع حلفائها في ظل الاتهام التاريخي له بالتنكر لهم والمضي في عقد صفقة ثنائية نحو ما جرى في تسوية نيفاشا. 

واللافت في هذا الخصوص أن الحكومة تحلت بالصمت إلا من تصريحات خفيضة وتركت مهمة الإعلان عن هذه التطورات للحركة الشعبية، وهو ما يطرح سؤالاً: لماذا تبدو الخرطوم زاهدة إلى هذه الدرجة، اللهم إلا إذا كان أحد نقاط التفاهم بحيث يسهّل مهمة الحركة في التسويق لـ”تحولها الجديد” خشية أن يكون دخول الحكومة صادماً ومعرقلاً لجهود عرمان،

 

وما يلفت الانتباه أيضاً أن عرمان سارع في رسالة طمأنة إلى “الرفاق والحلفاء والأصدقاء” ليس من قيادات القوى السياسية والمجتمع المدني” بل وحتى لـ”قيادات الحركة الشعبية وأعضاء وفدها المفاوض والخبراء وتنظيماتها ومكاتبها الخارجية”، وهي قائمة طويلة تعكس حجم التحدي الذي يواجه عرمان لإقناع كل هذه الأطراف المتوجسة من الخطوة المقبلة،

ولكن كان لافتاً في هذا البيان الحديث عن “الحوار الوطني” الجاري حالياً من خانة الرفض إلى “خانة” التعاطي معه بتساؤلات تبتغي تحسين فرصه لا إلغائه، متخذاً من تصريح منسوب للاستاذ علي عثمان محمد طه بأن الحوار الدائر حالياً هو “الوثبة الأولى ويحتاج لوثبة ثانية”،

وهو ما رأى فيه عرمان قابلية للتطوير والدخول في مرحلة جديدة تبدأ بمؤتمر تحضيري بمشاركة الغائبين بأمل تجاوب الحكومة مع تسوية تفضي لمربع سياسي جديد.

ومهما يكن من أمر فإن هذا التطور اللافت في موقف الحركة الشعبية مجرد رأس جبل الجليد، صحيح أنه ليست هناك معلومات كافية متوفرة عن حقيقة ما يجري، ولكن قرائن الأحوال تشير إلى أن هناك معطيات جديدة حاسمة ساعدت في حدوث هذا الانتقال الدرامي للحركة الشعبية في غضون أسابيع قليلة من التركيز على مواقف تكتيكية تتعلق بترتيبات أمنية محدودة لتمرير العون الإنساني للمنكوبين إلى المسارعة في طرح توجه جديد يدعو للتعامل مع قضية التسوية الشاملة،

 

فهل لهذا “الموقف المتحول” علاقة بتطورات وديناميات الصراع الداخلي سواء على صعيد الحركة الشعبية نفسها على وجه الخصوص، أو على صعيد “الجبهة الثورية” التي بلغ فيها الصراع حداً جعلها أخيراً ذات رأسين أو تنظيمين منقسمين،

 

وفي هذا الخصوص فقد كان لافتاً هجوم مني أركو مناوي وانتقاده لمحادثات أديس أبابا الأخيرة رافضا وصفها بأنها غير رسمية، واعتبرها تواطؤ من الوسطاء والحكومة الحركة الشعبية للتخلص من “إزعاج ملف” دارفور والتمهيد لتسوية ثنائية للمنطقتين تحت لافتة التسوية الشاملة.

غير أن السيناريو الأكثر رجحاناً، حسب مصادر دبلوماسية وسياسية مطلعة، أن هذه التطورات المهمة تتجاوز حسابات الأطراف المحلية، وتشير إلى أن تحركات وضغوط دولية محددة مارستها الأطراف الأكثر تأثيراً في الملف السوداني استناداً إلى توفر خطة ما أو معطيات لديها بأن تغييراً حاسماً سيطرأ على المشهد السياسي السوداني في غضون فترة منظورة،

وهو أمر من شأنه أن يطلق ديناميات تفاعل لتطوراتها ستخلق توازنات متغيرة وهو ما يعني أن الفاعلين الموجودين على المسرح سيكونون الأكثر قدرة على رسم ملامحها،

وبهذا التحليل فإن بقاء الحركة الشعبية معتصمة بموقفها في الخارج سيجعلها بالضرورة خارج لعبة التوازنات الجديدة، وان السبيل الوحيد لتكون عنصراً فاعلاً أن تكون حاضرة فيها،

وما هذا الانقلاب في موقف الحركة إلا من باب التمهيد للانتقال من موقف الضغط من خارج الملعب، لتكون عنصراً في قلبه،

وهو ما يعني أن التحولات المقبلة ستتجاوز سقف انتقال اللعبة من الأطرف إلى المركز.