د. محمد محمد الأمين عبد الرازق كيف تمكن الأستاذ محمود من انتزاع حقوق السجين السياسي؟؟        نزلت الطائفية الميدان فأشعلت حرباً شعواء بين طبقات الشعب المختلفة، ولجأت لأنواع من السباب والخصومة وأساليب من الرعونة، لم يعرفها الخلق السوداني من قبل..

وانقسم السودانيون – جميع طبقاتهم – انقساما لم يعرفوه في تاريخهم الطويل، فاغتنم الانجليز والمصريون هذه الفرصة, وتدفقت الأموال المصرية وامتلأت منها جيوب قادة أحزاب الوحدة, وبذل الإنجليز نفوذهم لقادة حزب الأمة وأتباعه، وأوعزوا لزعماء القبائل بمساندته، والانضمام إليه، كما قامت كل أجهزة الحكومة بشد أزره وممالأته على أحزاب الوحدة.. وانحرفت الصحافة السودانية ولم تفرط في نصيبها من الرشاوى، التي كانت تقدم لبعض رؤساء التحرير وأصحاب الامتياز من مصر، وللبعض الآخر من الإنجليز.. فأصبح رؤساء التحرير وأصحاب الامتياز أبواقاً يعددون حسنات السادة المصريين والإنجليز!!

      في هذا الجو الخانق، انبرى الحزب الجمهوري يحذر مغبة الشحناء، ويدعو قومه في لين وفي شدة، إلى الجادة، ويصدر النشرات لتوعية الشعب وكشف أساليب قادة الأحزاب المضللين..

فأصدر المنشور أدناه :

منشور ((1))

((يا جماعة الأشقاء.. ويا جماعة الأمة))

    يا جماعة الأشقاء.. ويا جماعة الأمة.. أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية.. أيها القادحون قادحات الإحن فيما بين أبناء الأمة.. أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة.. إنكم لتوقرون أمتكم وقراً يؤدها!!

    يا هؤلاء وهؤلاء: أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لا تقوون على أعمال الرجال الأشداء.. وأنتم تتمسحون بأعتاب الإنجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صوراً شوهاء.. أنتم تريدون السلامة، وانتم تريدون الملك.. أنتم تستغلون سيداً لا يعرف ما تريدون وانتم يستغلكم سيد يعرف ما يريد، والبلاد بينكم أنتم وأنتم على شفا مهواة ومهانة!!

فليلطف الله ببلاد لا يخدم نهضتها إلا صغار الموظفين أو كبار الموظفين، وليتدارك الله ديناً باسمه يحيا أناس في برد العيش، وقرار النعمة، ورخاء الدعة، وباسمه هم لأبنائه يكيدون!!

يا هؤلاء وهؤلاء: إن الله لواحد وان الدين لواحد و إن الوطن لواحد، ففيم تتقسمون على هذا النحو المزري!!

يا هؤلاء وهؤلاء: لأنتم أشأم على هذه البلاد من كل شؤم وشؤم!!

يا هؤلاء وهؤلاء: كونوا ليوثاً غضاباً، أو فكونوا قردة خاسئين، وارحموا شباب هذا الوادي المسكين فقد أوسعتموهم غثاثة وحقاراً وهواناً!!

أيها السادرون من هؤلاء وهؤلاء: لا تحسبن أن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب.. كلا.. فلتشهدن يوماً تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن – يوماً يرجف كل قلب ويرعب كل فريصة..

                                      الحزب الجمهوري

قرار مؤتمر الخريجين ووثيقة الأحزاب:

قلنا في كلمتنا عن تكوين الأحزاب السياسية من داخل مؤتمر الخريجين: ((ثم انقضت فترة، وسرت في المؤتمر روح شعبت إتباعه شيعاً على أساس الصداقات وتجانس الميول مدفوعين بحب الغلبة على كراسي المؤتمر ثم اتخذ كل فريق اسماً سياسياً، فكان منهم من يريد للبلاد اندماجاً مع مصر، ومنهم من يريد لها اتحاداً معها، ومنهم من يريد لها شيئاً لا هو بهذا ولا هو بذاك، وإنما هو كاف لأن يجعل لهم لوناً سياسياً يميزهم عن هؤلاء وهؤلاء ))..

ولكن الأجاويد لم يسرهم أن ينفرط عقد المؤتمر فسعوا بين هؤلاء وهؤلاء لتوحيد الكلمة وقد كان, فخرج قرار المؤتمر يدعو الى (( قيام حكومة سودانية ديمقراطية في إتحاد مع مصر وتحت التاج المصري ))!!

ولكن الأجاويد لم يكتفوا بذلك، فلا بد لهم وقد نجحوا في أن يوفقوا بين أحزاب المؤتمر المختلفة، بشئ من التنازلات عن مبادئها المعلنة، بأن يطلبوا من زعيم هذه الأحزاب السيد إسماعيل الأزهري أن يتنازل بعض الشئ عن هذا المبدأ الجديد المعلن، ومن قادة حزب الأمة أن يتنازلوا لبعض الشئ عن مبدئهم (( السودان للسودانيين )) ليلتقي الجميع في نقطة بجمع الشمل..

فكانت مساومات وكانت ترضيات بين من يريدون المصريين، ومن يريدون الإنجليز، فظهرت الوثيقة ( هكذا أسموها هذه المرة ) الوثيقة التي تنص على: (( قيام حكومة ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا !!))

على إثر هذا أصدر الحزب الجمهوري البيان التالي:

موقف الحزب الجمهوري

من مؤتمر الخريجين ووثيقة الأحزاب:

يتساءل بعض المهتمين بشئون المجتمع عامة والدوائر السياسية خاصة، عما سيكون عليه موقف الحزب الجمهوري من المؤتمر، ومن وثيقة الأحزاب، وهذا ما حدا بنا إلى إصدار هذا البيان ليقف المتسائل على الحقيقة التي ينشدها..

أولاً:- إن هذا المؤتمر يسمى رسمياً مؤتمر الخريجين العام، وهذا معناه، أن أي عمل ينطوي تحت لوائه إنما يعبر عن آراء وغايات الخريجين، لا عن سواهم من المواطنين، لأنهم غير أعضاء فيه..

    ولما كان الحزب الجمهوري قد فتح عضويته لكل سوداني قد بلغ من العمري الثامنة عشرة، ولكل مواطن ولد بالسودان، أو كانت إقامته لا تقل عن عشر سنوات لم يبارح خلالها البلاد، فإن أي عمل يقوم به هذا الحزب تحت لواء المؤتمر، إنما يحمل اسم خريجي هذا الحزب وحدهم، ولا يعبر عن بقية أعضائه الذين يكونون الأغلبية فيه.. ولهذا سوف لا يعمل الحزب الجمهوري سياسياً تحت لواء المؤتمر..

أما عندما يصبح هذا المؤتمر مؤتمر السودان العام، ويصبح لكل سوداني حق العضوية فيه، فسوف يقرر الحزب الجمهوري موقفه من جديد.. وأما في نطاق الإصلاحات الاجتماعية فسوف يتعاون الحزب مع أي هيئة تضطلع بها دون أن يكون هذا التعاون مقيداً بضرب من ضروب التبعية..

    هذا وموقفنا إزاء وثيقة الأحزاب يتلخص في أننا من جانبنا لا نقرها، لأنها تختلف في جوهرها اختلافاً واضحاً عند دستورنا..

 على أننا لا نفهم لماذا نتقيد باتحاد وتحالف، فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي في الحرية موضع المساومة، بأن ندفع ثمن الحرية اتحاداً مع هذا أو تحالفا مع ذاك!!

                                      عبد القادر المرضي

                                    سكرتير الحزب الجمهوري

                                      9/11/1945م

مناهضة قانون الخفاض الفرعوني:

       في عام 1946م أصدر المجلس الاستشاري لشمال السودان قانون منع الخفاض الفرعوني .. فأخرج الحزب الجمهوري منشوراً بإمضاء رئيسه يهاجم فيه المجلس الاستشاري ويوضح فيه رأيه في القانون وفي موضوع الخفاض..

 وقد لخص الأستاذ محمود محتوى المنشور لطلاب معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم عام 1975م بالآتي:

( إن لكل أمة عادات حسنة وعادات سيئة، وعادة الخفاض الفرعوني عادة سيئة .. لكن العادات السيئة في الشعوب لا تحارب بالقوانين، وإنما تحارب بالتنوير والتعليم والإقناع .. الانجليز لم يكن غرضهم من إصدار القانون كرامة المرأة ، وهم في الحقيقة فتحوا لها سوق النخاسة وكل الأبواب التي لا تكون بها كريمة.. فغرض الانجليز الحقيقي من إثارة موضوع الخفاض، وقد أثير ذلك في البرلمان البريطاني، أن يقولوا للعالم في رد علي حركتنا الوطنية ، أن السودانيين لا يزالون همجيين يمارسون عادات متخلفة كهذه ولذلك فإنهم لم يبلغوا الرشاد الذي يؤهلهم لحكم أنفسهم، ليستمروا في البقاء بالبلاد)..

 هذا هو ملخص محتوي المنشور .. وبالفعل كان المنشور مثيراً وأحدث رد فعل مباشر من جانب الانجليز ، فأرسلوا الخطابين التاليين إلي الأستاذ محمود:

1/ الخطاب الأول:

مكتب التحريات الجنائية          36هـ/م ت ج ص.ب 288

الخرطوم في 24/3/1946م

محمود محمد طه .. تاجر .. امدرمان

السيد المحترم: بموجب هذا مطلوب حضورك بمكتب التحريات الجنائية الساعة التاسعة يوم 25/3/1946م للإجابة علي أسئلة تتعلق بمنشورات يعتقد أنها صدرت عن الجمهوريين.. أرجوا التكرم بالتوقيع لاستلام هذا الخطاب..

                                                المخلص ج.أ.س يرايس

                                            ملاحظ مكتب التحريات الجنائية

2/ الخطاب الثاني:

( ورقة تكليف بالحضور للإدلاء بمعلومات تتعلق باحتمال الاخلال بالسلام) (انظرالمادتين 81 و84)..

إلي محمود محمد طه، مقاول أمدرمان

       بما انه قد تبين لي بمعلومات موثوق بها أنك قد أصدرت منشوراً يعتقد أنه من المحتمل أن يثير الشعور بالكراهية ضد الحكومة، ويؤدي إلي الاخلال بالسلام أو إلي إزعاج الطمأنينة العامة.. فأنت بموجب هذا مطلوب حضورك شخصياً للمثول أمام محكمة الجنايات في يوم 2/6/1946م الثامنة صباحاً لتوقع علي كفالة مالية قيمتها خمسون جنيهاً، وأيضاً لتوقع علي كفالة بواسطة ضامن واحد بمبلغ خمسون جنيهاً علي ان تحفظ السلام وتمتنع لمدة سنتين عن القيام بالأعمال غير المشروعة والتي من المحتمل أن تخل بالطمأنينة العامة، أو تبين السبب الذي يمنعك عن التوقيع علي هذه الكفالة وهذا الضمان..                                    و.س. ماكدوال             قاضي جنايات الخرطوم 29/5/1946م

       يلاحظ في الخطابين أن الانجليز تعمدوا تجاهل مخاطبة الاستاذ محمود بوصفه رئيساً لحزب سياسي، وهو اتجاه لعدم الاعتراف بالاحزاب التي تخرج علي الخط المهادن للانجليز.. هذا وقد شغلت أنباء مواجهة الجمهوريين للانجليز صفحات الصحف في تلك الايام، وهذا نموذج:

       (الرأي العام -3/6/1946م: مثل الأستاذ محمود محمد طه المهندس أمس أمام قاضي الجنايات المستر ماكدوال متهماً من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الإخلال بالأمن العام، وقد أمره القاضي أن يوقع علي صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيهاً لمدة عام لا يشتغل خلالها بالسياسة، ولا يوزع منشورات أو يودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك .. ولكن الأستاذ محمود رفض التوقيع مفضلاً السجن، وقد اقتيد لتوه إلي سجن كوبر)          انتهي..