د. محمد محمد الأمين عبد الرازق        انتهينا فيما سبق من رصد إلى أن الأستاذ محمود رفض توقيع الكفالة والتوقف عن العمل بالسياسة، واقتيد لتوه إلى سجن كوبر..

وفي داخل السجن اشتعلت المواجهة مع الانجليز ، فقد حكي السيد نصر الدين السيد أحداث دخول الأستاذ محمود للسجن في اللحظات الأولي ، عندما التقي بوفد الجمهوريين المتحرك بالجنوب ، وقد علي انتخابات مجلس الشعب الأخير في نهايات مايو ، قال:

 (اقتيد الاستاذ محمود إلي السجن بواسطة أثنين من الضباط السودانيين، وعندما وصلوا مكتب التسجيل أطلق الأستاذ يديه بقوة وانتزع دفتر التسجيل وضرب به وجه الضابط الانجليزي المسؤول!! ثم رفض القيام للضباط الانجليز على عينك يا تاجر!!، وعندما عاتبه أحد الضباط المصريين محتجاً علي عدم القيام له رد عليه الاستاذ: ( أنا لو كان بقيف للزيك البيجيبني هنا شنو!!)..

 ويواصل السيد نصر الدين، الذي كان ضابطاً برتبة ملازم آنذاك:

 (رفض الأستاذ محمود أن يلبس زي المساجين ، فكلف الانجليز أحد الضباط السودانيين بأن يلبسه إياه بالقوة، لكن الضابط قال للأستاذ محمود بعد أن وضح له المهمة المكلف بها، قال إنه لن ينفذها حتى لو يقلع الكاكي ويذهب إلي منزله!! فنظر إليه الاستاذ محمود ملياً ثم قال له: اذهب وقل لهم قال سيلبسه غداً بعد نهاية يوم العمل، وقال السيد نصر الدين : الغريب أن الانجليز فرحوا لهذا الرأي!!)..

قال الاستاذ محمود لطلاب الدراسات الافريقية حول هذه الاحداث:

       عندما دخلت السجن قررت لابد من أن أحدث حاجة في داخل السجن، وهي المخالفة لتعاليم السجن، وقوانين السجن وأوامر السجن.. وضباط السجن كانوا اثنين من الانجليز قلت لهم : أنا ماعندي معاكم أنتو حاجه شخصية.. الحكومة ما بتعترف بالمسجون السياسي ، لكن دا سجن سياسي بطبيعة حاله، كونها ما بتعترف بيهو دا مابغيّر الحقيقة دى ، ويبقي حقكم تعرفوها وتحترموها.. إذا كان أنا مسجون سياسي وأنا بقول للحاكم العام أنت تخرج من البلد لا يمكن أن أطيع أوامركم وانتو موظفين صغار وإنجليز!! وفعلاً فهموها بالصورة دى فلمن يمروا أنا ما بقوم ليهم ودى كانت بتقتضي أن أعاقب بزنزانه.. في الزنزانة أنا بصوم ما يسمي بالصيام الصمدي عند الصوفية.. الجمهوريون في الخارج يرفعوا المسألة بأني مضرب عن الطعام لسوء المعاملة بالسجن) .. أنتهي

       استمرت هذه المواجهة داخل السجن طيلة شهر يونيو ، ومما جاء في الصحف عن ذلك هذا البيان:

الرأي العام 26/6/1946م بيان رسمي من مكتب السكرتير الاداري عن رئيس الحزب الجمهوري:

 ( أظهرت بيانات في الصحف المحلية حديثاً بخصوص محمود محمد طه الذي هو الآن تحت الحراسة بالخرطوم بحري نتيجة لرفضه أن يمضي كفالة المحافظة علي الأمن .. وهذه البيانات قد  احتوت علي معلومات غير دقيقة ، والحقائق كالآتي: لمدة يومين رفض محمود أن يشتغل وهذا يخالف قوانين السجن ، فلم يعمل له أي شئ في اليوم الأول، أما في المرة الثانية فقد حكم عليه بالبقاء ثلاثة أيام بالزنزانة والأكل الناشف .. ولو أنه رفض أيضاً إن يقف عند الكلام مع ضابط السجن فإن العقوبة التي نالها الآن لم تعط له لهذه المخالفة لنظام السجن ، وبهذه المناسبة يجب ان يعلم أن كل المساجين مهما كانت جنسياتهم يجب أن يقفوا إلي ضابط السجن إنجليزياً كان أو سودانياً)  انتهي..

       كان هناك اتصال بين الأستاذ محمود وأعضاء حزبه بالخارج للتنسيق في العمل داخل وخارج السجن وكان الأستاذ محمود يرفض أن يكون مجرماً كما أشار هو، ويعتبر نفسه سجين سياسي ويجب أن يعامل معاملة السياسيين ..

هذا نموذج للخطابات التي كان يتم تبادلها مع الجمهوريين بالخارج وكان ينقل هذه الخطابات بعض الضباط السودانيين الشرفاء الذين يقفون مع الوطنيين وهم في الخدمة:

(أخي أمين : تحية لك ولإخوانك وشوقاً وبعد.. فهذا الجواب اتجاه موفق ما في ذلك شك والله أسأل أن يسدد الخطأ والخطى.. إدارة السجن مضطربة جداً لتحركاتكم وأصبح الحكمدار يحاول التودد بكل سبيل.. معاملتهم لي فيها كثير من الحذر الشديد، وقد أخبرني أنه جاء في عمل شئ ينقذ الموقف لأني مصر علي ألا أقف لمدير الخرطوم وخلافه فسألني: أتعتقد أنك بوقوفك مع المساجين عند زيارة المدير تجعل من نفسك مجرماً معهم؟ فقلت: ذلك حق ولكنه ليس كل الحق.. فأني بوصفي رئيس حزب سياسي يناضل من أجل بلاده سيحط من الجهاد الوطني إن رضيت أن أقف لأي رجل إجلالاً له.. قال : ذلك معقول ، ثم فكر وقال: إنه يريد أن يجعل لي مقاماً خاصاً في السجن لأقيم فيه وذلك لئلا تسري الروح هذه في باقي المساجين.. فهم لا يرون أن يعترفوا للمسجون السياسي بأي حق.. إن الحكومة الآن تقبض علي الجمر وتود بكل سبيل أن لو أمضي لها التعهد لتخرج من الحرج ببقية الكرامة لأنها تشعر أن ما ارتكبت من خطأ سيحيي الجهاد الوطني ويضعفها هي في نظر المجاهدين.. ومن المحقق أن الحكومة لا تريد أن تعترف بمكانة للسياسي السوداني، ولا للأحزاب السودانية.. وفرصة وجودي هنا ستخدم هذه النقطة بالذات خدمة لا حد لها، إذا استغل استغلالاً حسناً.. فأنا سأضغط علي إدارة السجن، فلا أقبل أي معاملة أقل من معاملة المسجون السياسي، وأن أقيم في مكان مميز وأن توفر لي وسائل الراحة والقراءة والكتابة، وألا ألبس ملابس السجن وألا أقيد إلا في الحدود التي تكفل للحكومة عدم نشر آرائي السياسية مثلاً، وان أحترم من رجال البوليس والإدارة في كل هذه الحدود.. وهذه أشياء تؤذي الحكومة أبلغ الإيذاء.. فأري أن تطالبوا أنتم بها في الخارج ، وبعدها تطالبوا بإطلاق سراحي.. فإنه من غير المعقول أن تطلق الحكومة يدها في أعدائها كيف تري؟ وحيث ترى.. ذلك بأن رجال السياسة السودانيين هم عتاد البلاد ومسلكهم أعداء للحكومة وحرب عليها.. ويمكنكم أن تحتجوا أكثر من هذا بأن تذكروا بأن الحكومة تستعين علي أعدائها رجال السياسة الوطنية بالجراثيم.. فإنها قد أدخلتني في زنزانة يسكن فيها مرضي السل، وكان بالقرب مني مريضان في الطور الأخير من المرض وقد منعت الماء في ليلة، فاضطررت لأخذ ماء الوضوء منهم ومن أزيارهم .. وقد كانا يحضران ويتحدثان معي جزءاً من الوقت ، ويقفان عند باب الاودة بكل حسن نية وهما طليقان يقفان في كل مكان بالحوش من غير مراقبة مثلاً .. كل هذه أشياء تستطيعون أن تكبروها وتهللوا بها وتوجهوها إلي صدر الحكومة.. وستطلق سراحي يوم أصبح متعباً لهم في الداخل وأنتم في الخارج.. وإني بعون الله وتوفيقه لن أمكث طويلاً هنا، ولكني سوف أخرج يوم أخرج والنضال الوطني مركز جداً بفضل مجهودكم في الخارج ومجهودي في الداخل) أنتهي …. من مذكرات أمين محمد صديق ..

       من وحي هذا الصراع أستشار الحاكم العام السيد الدرديري محمد عثمان الذي كان زميلاً للأستاذ محمود بكلية غردون ، فقال له الدرديري أنه يعرف الأستاذ محمود منذ الصبا فهو لا يتنازل عن رأي يراه الحق حتي لو أدي ذلك إلي موته .. فأصدر الحاكم العام قراراً بإطلاق سراح الأستاذ محمود دون قيد أو شرط بعد خمسين يوماً فقط فلم يكمل العام المقرر في الحكم الأساسي .. وذلك بسبب الأثر الذي تركته المواجهة داخل وخارج السجن .. نشر الخبر في الصحف فانهالت البرقيات والرسائل علي مكتب الحزب الجمهوري بالتهنئة لهذا النضال المشرف للسودانيين ، وإليك نماذج من تلك البرقيات: 

* سكرتير الحزب الجمهوري – أمدرمان

       كان سجن الرئيس درساً قيماً لشباب الجيل في الايمان والروح وقد سررنا لخروجه لا شفقة عليه ولكن ليواصل الجهاد الوطني..

                                          حسن بابكر القضارف 24/7/1946م

* محمود محمد طه – الحزب الجمهوري – أمدرمان

       تأكل النار الصدأ واللمما وبها يسمو كريم الذهب

       ويرى الحر العذاب المؤلما لذة في الحق ياللعجب

       ياسجيناً قدره قد عظما وسما حتى جثا في السحب

                                  أحمد محمد عثمان – عطبره 29/7/1946م

* الاستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري – أمدرمان

       أعضاء جبهة المؤتمر الوطني بالابيض يرون في خروجك من السجن آية واضحة للإيمان بالوطنية الصادقة ويعدون جهادكم رمزاً للكرامة السودانية، فبقلوب مفعمة بالغبطة يشاركون اخوانهم الجمهوريين السرور بعودتكم لميدان الجهاد.                          السكرتارية 24/7/1946م

* أمين صديق ، البوستة الخرطوم للرئيس

       دخلته رجلاً وغادرته بطلاً وضربته مثلاً

                                  علي عبدالرحمن – الابيض 27/7/1946م

* سكرتير الحزب الجمهوري – الخرطوم

       إن جميع اعضاء الجبهة الوطنية بسنجة مستبشرون بالإفراج عن رئيس حزبكم العظيم وهم جميعاً يبتهلون إلي الله أن يسدد خطاكم ويتمنون للرئيس العافية وحسن الجهاد..

                            سكرتير عام الجبهة الوطنية- سنجة 2/8/1946م

* محمود محمد طه أمدرمان

       عرفنا فيك المثل الأعلي منذ عهد الطلب، فسرنا أن يعرف القاصي والداني هذا القلب الكبير.

                                         صديق الشيخ – كوستي 30/7/1946م

*محمود محمد طه – أمدرمان

       اوفيت كرامة السودان وإبائه حقهما – فتلعش رمزاً صادقاً للوطنية الخالصة- لك تقديرنا واعجابنا.

                                  أتحاد طلبة كردفان- الابيض 23/7/1946م

* محمود محمد طه – أمدرمان

       لقد سجلت بعزمك القوى وإيمانك الصادق فخراً للأجيال فالتعش مرفوع الرأس – لك مني التهاني.

                                  الطيب حسن / عطبره 24/7/1946م

       لم يتوقف الصراع مع الانجليز بنهاية هذا السجن الأول ، فقد ذهب الأستاذ محمود إلي رفاعة بعد إطلاق سراحه ، في أغسطس 1946م ، وقاد ثورة رفاعة ضد الانجليز عندما اعتقلوا امرأة خفضت بنتها بموجب قانون منع الخفاض .. وثار الجمهور خلفه إلي سجن الحصاحيصا وأخرج المرأة بالقوة .. ونتيجة لهذا حكم عليه مرة أخرى بالسجن لعامين كاملين قضاهما بين مدني وكوبر ، وسار نفس السيرة فأضطر الانجليز إلي وضعه في (غرفة خاصة) تفادياً للحرج الذي يحدثه بمواجهته الصارمة، فكان هذا الوضع هو النواة التي بني عليها وأسس حق السجن السياسي السودانيين..

وبهذا النضال، كان الأستاذ محمود أول سجين سياسي في الحركة الوطنية بعد مؤتمر الخريجين، وهو كما رأينا قد انتزع هذا الحق انتزاعا بقوة عزيمته وإصراره على الحق مهما كلفه من ثمن..