عبد الله الشيخ   الابتسامات في نهاية اللقاء كانت لـ " الضرورة دبلوماسية"، بعد أن رفضت أثيوبيا ايقاف العمل في بناء سد النهضة حتى تفرغ الشركات الفرنسية من تقييم جوانب التأمين الفنية لجسم السد ، الذي سيحجز خلفه اربعة وسبعون مليار منر مكعب من مياه النيل الازرق..

ما يقال، للرأي العام عن تلك اللقاءات الرسمية، هو بعض الحقيقة، فقد افادت التصريحات المشتركة، بأن الدول الثلاث قد توصلت الى “تفاهمات مشتركة” حول ملف سد النهضة، وأن”وثيقة الخرطوم” التي تم التوصل اليها بعد 12 اجتماعا، تنص “على تعاون الدول الثلاث، لحل النقاط العالقة بشأن تقليل تأثيرات ومخاطر سد النهضة على مصر والسودان”. و امتدح وزير خارجية مصر، سامح شكري تلك الوثيقة الجديدة ، وقال أنها “تعاملت مع الشواغل الرئيسية” التي تهم الدول الثلاثة بشأن السد، وأنها كانت نتيجة “للثقة والمصداقية والصدق والوضوح” خلال المفاوضات، مشدداً على أن مصر تعمل خلال كل الاجتماعات تأكيداً على الإطار القانوني المتمثل في إعلان المبادئ.. و شدد شكري على أن السودان شريك في تلك الشواغل ، ولا يقتصر دوره على الوساطة بين مصر واثيوبيا..

تلك الشواغل كما هو معلوم، تتعلق بالسعة التخزينية للسد، الذي يتطلب ملئه الاستحواز على نصيب دولتي المصب من المياه، ما يجعل سهول السودان ومصر اراض عطشى. هذه الشواغل لم تعد سراً ، لأن ارهاصات العطش قد ظهرت بالفعل في شمالي السودان، حيث لم يفِض النيل هذا العام، والآن الآن ، في هذا الشتاء القارس، يشمر الترابلة المزراعون، في عناء ثقيل، لحفر ” الكوديق” عبر  مئات الأمتار في الرمال ، بغية الوصول الى سرسار ماء النهر الضامر..!

 يتحدث المصريون عن خشيتهم على مستقبل الأمن المائي لبلدهم ، لأن سد النهضة بالنسبة لهم بمثابة “سد النفس”..الخرطوم أيضاً ، يلحقها رأس السوط، لأن السد يقع على بعد 20 كيلومتراً من حدوده مع اثيوبيا، ويُتوقع اكتمال  بناء سد النهضة في العام 2017  ليكون أكبر سد في افريقيا، وعاشر سد لإنتاج الكهرباء على مستوى العالم..المصريون لا يتشاغلون عن شواغلهم، وبيننا في السودان من  يظن بأنه في مأمن من الخطر، رغم أن الرئيس البشير، قد أكد في حوار تلفزيوني مع اسكاي نيوز عربية، أن  انفجار السد ــ لا سمح الله ــ  سيغرق الخرطوم..!

هذا السد الضخم  سيشكل بحيرة ضخمة في خاصرة السودان الشرقية، وبهذا يكون السودان قد ضُبَّ عليه من حلقه،بالسد العالي من ناحية الشمال، و بسد النهضة في خاصرته الشرقية، بينما اقتطعت نيفاشا نصفه الجنوبي..وأخطر من كل ذلك حقائق الجغرافيا السياسية ..! فالسودان أرض “مُغرية” للطامعين، يسكنها نحو 32 مليون من البشر ، بينما يصل تعداد الاثيوبيين نحو مائة وعشرة ملايين نسمة، وتعداد المصريين يتقافز نحو التسعين مليون..!

هذه الارقام الديمغرافية وحدها، تعطيك صورة واضحة لما ينتظر السودان من مخاطر، إن لم يتسارع أبناءه ــ اليوم قبل الغد ــ الى ايقاف حروب الاطراف وحل الازمة السياسية و تأمين الجبهة الداخلية، والانصراف الى انجاز مشاريع قومية في مجالات الزراعة والتصنيع، وإلا..وإلا فإن الدبلوماسية، التي أفلحت في تزويق اللقاءت الرسمية، لن تُفلح في ترطيب الكارثة..!

حقائق الجغرافيا ــ يا عزيزي ــ تشير الى شيئاً ما يزحف نحونا مثل قِطع اللّيل..قال النابغة الذبياني :”وأنت بأمرٍ لا محالةَ واقعٌ ــ ولا أنت مأمونٌ بشيءٍ أقوله / فإنّك كاللّيل الذي هو مُدركي ــ وإن خِلتُ أنّ المُنتأى عنك واسع”..! 

سيشهد العام الذي يطل علينا غداً،اختبارات حادة لعلاقات الدول الثلاث… إذا كانت المفاوضات “تقضي الغرض”، فإن فرص نجاحها أكبر إذا عرضت مصر  بدائلاً  لتوفير الطاقة الكهربائية لأثيوبيا، في مقابل فك الحصار عن مجرى النيل الازرق.. إن مضت التفاهمات على رتابتها ، سيكتمل بناء السد ولن تهدأ نُذر العاصفة..!

ربما، وربما، وربما، وربما أيضاً…!