د.  فيصل عوض حسن دَرَجَ السودانيون على الاحتفال بالاستقلال مطلع يناير من كل عام، وتأتي ذكرى هذا العام والبلاد في أسوأ حالاتها. فقد كان السودانُ أكبر الدول الأفريقية والعربية مساحةً، ومن أسبقها نيلاً للاستقلال، وحباه الله بمزايا عديدة بدءاً بالموقع الجُغرافي كرابط للدول الأفريقية والعربية، وانتهاءً بالموارد الطبيعية والبشرية المُتنوعة.

وتوقَّع الكثيرون، وفقاً لهذه المُعطيات، أن يكون السودان مُؤثراً وفاعلاً، ليس فقط أفريقياً وعربياً، بل في الشرق الأوسط ككُل، إلا أنَّ واقع الحال (خيَّب) كل التوقُّعات، ليس لاختلالٍ في موارده أو لعوامل طبيعية، وإنَّما بفعل أبنائه الذين لم يُحسنوا إدارته منذ استقلاله، وعملوا على تدميره بصراعاتهم لأجل السُلطة والموارد.

ورغم الواقع المأساوي الذي يحياه السودانيون على كافة الأصعدة، إلا أنَّ هناك تحديات ترتقي لمُستوى الوصف بـالـ(كوابيس) صَنَعَها المُتأسلمون وتُهدِّد استقلال وبقاء السودان ككيانٍ وأرض، وينبغي على السودانيين عموماً والطامعين في السُلطة (خصوصاً) الوقوف عندها وتدبُّرها، واستيعابها بأبعادها المُختلفة والمُعقَّدة. لعلَّ أخطر هذه الـ(كوابيس) الاقتصاد المُنهار و(تزايُد) الدين الخارجي للسودان، حيث شهد الاقتصاد تراجُعاً كبيراً عقب توقُّف الإنتاج، خاصَّةً القطاًع الزراعي الداعم الأوَّل لاقتصاد السودان. والناظر لسعر الصرف كأحد أهمَّ معايير الاقتصاد، يَلْحَظْ التراجع المُخيف للجنيه السوداني مُقابل الدولار، حيث كان الدولار عام 1989 يُساوي (12) جنيه سوداني، واقترب الآن من (12000) جنيه، مع الفارق بين الجنيه السابق والحالي، حيث قام الإسلامويين بتغييره لدينار يُساوي (10) جُنيهات، ثمَّ العودة للجُنيه الحالي ليساوي (100) دينار، وهو يعني عملياً تراجع جُنيهنا الأساسي بنحو (1000) مرة، والعِبْرَة هنا ليس بالمُسمَّى وإنَّما بالقيمة!

وخلال الفترة 2004-2013، وهي فترة الانتعاش الاقتصادي كما يزعُم المُتأسلمين، شهدت واردات السودان السلعية ارتفاعاً كبيراً، حيث كانت في عام 2004 نحو 4086 مليون دولار ووصلت نحو 9918 مليون دولار عام 2013، كما ارتفع عجز المُوازنة العامَّة من 800 مليون جنيه سوداني عام 2004 لنحو 6400 مليون جنيه عام 2013. وبلغت إيرادات النفط والغاز والفوسفات مُجتمعةً 5029 مليون جنيه سوداني عام 2004، ثم نحو 6400 مليون جنيه عام 2013، مما يجعلنا أمام احتمالين إمَّا أنَّ النفط كان أكذوبة أو تمَّ التهام عائداته! ويُلاحظ تزايُد الضرائب التي كانت عام 2004 حوالي 4203 مليون جنيه، وأصبحت عام 2013 نحو 24100 مليون جنيه، مما يُفسِّر ضعف الإنتاج المحلي مُتأثراً بارتفاع الضرائب من جهة، ويُؤكد اعتماد الدولة على الرسوم لتغطية إنفاقها العالي من جهةٍ ثانية. وفي الوقت الذي ارتفع فيه الإنفاق الجاري من نحو 3040 مليون دولار عام 2004 لنحو 43800 مليون دولار عام 2013، انخفض الإنفاق الرأسمالي من 1189 مليون دولار عام 2004 لنحو 947 مليون دولار عام 2013. ولم يُسجل الذهب أي رقم خلال الفترة 2004-2013، رغم مزاعم استخراجه والهالة الإعلامية التي أثارها بشأنه المُتأسلمون! مع سيولة بلغت عام 2004 نحو 9605 مليون جُنيه، ارتفعت لنحو 66446 مليون جُنيه عام 2013، مما يُؤكِّد زيادة التضخُّم تبعاً لحجم العملة المحلية المُتداولة وتراجُع قيمتها أمام الأجنبية.

الأخطر في الأمر ارتفاع ديون السودان الخارجية التي كانت نحو 20 مليار دولار عام 2000 ارتفعت لنحو 30 مليار دولار عام 2007، ثم لنحو 41.4 مليار دولار عام 2011، ثم لنحو 43.7 مليار دولار عام 2012، وبلغ إجمالي خدمة الدين نحو 45 مليار دولار عام 2013 حسب صندوق النقد الدولي، ولا ندري كم بلغت الآن. والمُؤلم أنَّ هذه الديون لم يستفد منها السودان، بل شكَّلت عبئاً إضافياً سيتحمَّل تبعاته الشعب السوداني مُستقبلاً، وسيزداد الأمر سوءاً، عقب (مُوافقة) المُتأسلمين على مُعدَّلات فائدة عالية جداً ليأخذوا ديوناً جديدة! وتَكْمُنْ الخطورة في (صعوبة) سداد السودان لأقساط ديونه بظروفه الماثلة (غياب الإنتاج وعدم وجود فوائض نقدية)، وبالتالي سيستحوذ الدائنين على الـ(ضمانات) التي (قَدَّمها) المُتأسلمون لنيل تلك الديون، وهي غالباً (أراضي) الدولة و(أصولها) العقارية أي استعمار جديد للسودان، وهو الـ(فَخْ) الذي أوْقَعَنَا فيه المُتأسلمون باحترافية ولم يتدبَّره العديد من الطامعين في السُلطة، كما لم يستوعب أخطاره وأبعاده غالبية أبناء الشعب السوداني!

ثاني الـ(كوابيس) التي تُواجه السودان وتعترض (استقلاله)، تتمثَّل في الاحتلال الأجنبي للبلاد بأكثر من صورة، منها حالة مصر التي بدأت باحتلال حلايب وتَمَدَّدت من جهة وادي حلفا، والتهمت كلٍ من عُمُودِيات الصحابة واشكيت ودبيرة وسره (شرق وغرب)، وفرص (شرق وغرب) وثلاثة أرباع أرقين، وشارفوا شمال دارفور! وهناك الاحتلال الأثيوبي لمنطقة الفشقة الزراعية والغنية بالموارد المعدنية، بخلاف سد النهضة وتهديداته واستغلال أثيوبيا لميناء بورتسودان وتأكيداتها ببناء ميناء آخر (داخل السودان)! والأسوأ مساعي المُتأسلمين لتغيير التركيبة السُكَّانية، واستبدال الشعب السوداني بآخرين، مُستندين لتجويع وتشريد وقَمْع وإفقار وقتل أبناء البلد و(دَفْعِهِمْ) لمُغادرتها، و(احتواء) و(جَلْبْ) آخرين وتجنيسهم، و(مَنْحِهِمْ) مزايا تفضيلية (سكن، تعليم، علاج، تمويل… إلخ) وأحياناً (استوزارهم) خصماً على إنسان السودان الأصيل! وتغيَّرَت معالم ومظاهر العديد من المُدُن والمناطق بما في ذلك الخرطوم، نتيجة للوجود الأجنبي الكثيف الذي لم يُؤثر فقط على الخدمات والسلع النادرة أصلاً، بل امتد ليشمل فرص العمل والحياة الكريمة، والأخطر التهديد الأجنبي للسيادة الوطنية و(طَمْسْ) الهوية.

للأسف الشديد الغالبية العُظمى من السودانيين لا تهتم بهذه التحديات، وخاصةً الأحزاب والحركات والكيانات السياسية المُختلفة الذين يهتمُّون فقط بالسُلطة والثروة، واللتان ستُصبحان (عسيرتان) في ظل الانهيار الاقتصادي شبه الكامل وتزايُدْ حجم الديون الخارجية والاحتلال الأجنبي المُشَرْعَنْ! حتَّى ولو نال البعض السُلطة عبر (الاتفاقات المشبوهة/الصفقات)، فسيصطدمون بتعثُّر الاقتصاد وأقساط الديون (واجبة السداد)، وهي الـفِخَاخْ التي صَنَعَهَا المُتأسلمون ويسعون للهروب منها الآن، بحجة (الحوار) وقبول اقتسام السلطة، عقب تدميرهم للقواعد الإنتاجية وتهريبهم لأموال السودان للخارج ومنها نسبةً عالية من تلك القروض، وبهذا سيُساعد الطامعون المُتأسلمين على الهروب دون مُساءلة أو عقاب أو استرداد ما نهبوه من أموال، وبذات الوقت لن يتمتَّعوا بالسُلطة التي ستنهار دون ثروة! هذا بخلاف استحالة استرداد الأراضي المُحتلَّة في ظل وجود اتفاقات أبرمها المُتأسلمون مع المُحتل، فضلاً عن الأجانب الذين أصبحوا مُواطنين وما يُمكن أن يُسببوه من مشاكل، دون مُراعاةٍ للسودان الذي احتواهم، فولاؤهم سيكون لبلدانهم الأصلية، وهكذا يتجلَّى الخُبث الإسلاموي في أبشع صوره!

مُشكلتنا تَكْمُنْ في اختلال تفكيرنا السياسي الذي يعتمد على المُستَجْلَب من الخارج وترديده كالببغاء، دون معرفة مُلاءمته لواقعنا السوداني (الاستثنائي)، سواء كانت هذه المُواءمة تتعلَّق بالجوانب السياسية أو المالية أو الاجتماعية/الثقافية. حتَّى لو ادَّعى البعض وجود فكر سياسي (سوداني خالص)،  فهو بعيد عن العلمية، حيث لا يسعى ساستنا لـ(تحقيق) غاياتهم إنَّما (ينتظرون) و(يأملون ويتوقَّعون) تحقُّقها ودونكم حالنا الماثل. والواقع إنَّنا بحاجة ماسَّة لتفكير استراتيجي، ليس فقط للتطوير، ولكن لأجل بقاء السودان ككيانٍ ودولة، والتمييز بين الوطن (الكيان) وبين الحزب أو الكُتلة التي ننتمي إليها، وعدم الخلط المُخل بين كلٍ منها. فالوطن يحتل مُؤخِّرة الاهتمامات، بما يؤكد أنَّ الصراع القائم سببه الموارد أو المنافع السلطوية والاقتصادية.

إنَّ الاحتفاء باستقلالنا يتجاوز (ترديد) الأناشيد ورفع الإعلام هنا وهناك، إلى إجراءات وأفعال تدعم تغيير واقعنا الخطير، ليس فقط لتحقيق الديُمقراطية، ولكن لأجل بقاء السودان وإنقاذه من التلاشي والتذويب والاستلاب، بفعل الـ(كوابيس) التي صَنَعَهَا المُتأسلمون عدو السودان (كياناً وشعباً) الأوَّل، وعلينا التخلُّص منهم ومُعالجة الدمار الذي ألحقوه ببلادنا، بدءاً بالاقتصاد والسياسة والشخصية السودانية المُتسامحة، وانتهاءً بضرب النسيج الاجتماعي المُترابط، وصُنْع الصراعات القبلية والجهوية بيننا، وهي اعتبارات تتطلَّب تضافرنا وترابُطنا والتحرُّك بنحوٍ عاجل ومدروس لإحداث التغيير الذي يعكس استقلالنا الحقيقي.