*هل يستمر التجويع والقصف الجوي حتى تنصاع الحركة  لسلام القوة والتوازنات الدولية؟ *التاريخ والمستقبل حظيرة محروسة للمفاوضين الأشاوس *ألم تستخدم الحكومة الغذاء والدواء سلاحا ضد النازحين في دارفور وطردت المنظمات؟ *لم يوضح عرمان كيف يستطيع الجيش الشعبي فرض هيكلة وإصلاح على الجيش السوداني  

فيما يلي مقالان على خلفية المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية وتحديدا قضية توصيل الإغاثة إلى المتضررين، الأول للكاتبين عارف الصاوي ومجدي الجزولي بعنوان “المفاوضون الأشاوس” ، والثاني للكاتب عمار عوض وهو رد على المقال الأول،  

المفاوضون الاشاوس!

 ..عارف الصاوي ومجدي الجزولي

انتهت في ٢٧ نوفمبر الماضي الجولة العاشرة للمفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبيةقطاع الشمال بالتزامن مع الجولة الثانية  للمسار الثاني للتفاوض مع حركات دارفور المسلحة دون التوصل الي نتائج ملموسة رغم الآمال التي انعقدت عليها. تجددت المفاوضات مرة أخرى بجولة غير رسمية منتصف ديسمبر الجاري انحصرت هذه المرة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال وحكومة السودان أنقذت الآمال لكن لم تفض هي الأخرى إلي تقدم يذكر سوي تجديد “عزم” الطرفين على تحقيق السلام كل بصيغته،واستثارة حفيظة حلفاء الحركة الشعبية من حركات دارفور المسلحة إذ صرخ عنهم مني مناوي “صفقة ثنائية…صفقة ثنائية” أو رجس من عمل الشيطان!

الحقيقة أن الخلاف انعقد في عنوان التفاوض وتحذلق الجميع باللغة مبينين أن لهم شؤون ولعامة خلق الله شأن آخر، لا تربك ضمائرهم آهات الأمهات في ليل الحرب الطويل وهن يستسلمن لموت فلذات أكبادهن حيرى سوى من الأمل في رحمة الله. أما الأمل في حسن السياسة فالحق أنه انقطع منذ أمد بعيد، منذ أن استلت نخبة الحرب هذه، حاكمة ومعارضة،بنادق للحكم لم تعرف متى أو كيف تلجمها، كل يريد الفوز الكبير، ولا يشغله عن هذاالمطلب شاغل سوى ربما متاعب حجز التذاكر من عاصمة إلى أخرى.

. قالت الحكومة من جانبها أن الحركة الشعبية لم تأت للتفاوض بجدية أو هكذا قال إبراهيم محمود، مساعد رئيس حزب المؤتمر الوطني ورئيس الوفد الحكومي المفاوض، في مقابلة مع قناة الشروق عقب عودته من الجولة الفاشلة. أصدر ياسر عرمان بياناً في ختام جولة نوفمبر مؤكدا أن المؤتمر الوطني جاء بلا عزم لإنهاء الأزمة الإنسانية في المنطقتين ودارفور. الحق أن القضية الإنسانية كما درجت تسمية الفظائع الناجمة عن استمرار النزاع المسلح، أي الموت الرخيص الذي يطبق بفكين غليظين على كل حي في مناطق النزاع إنسان كان أم وحشا أم زرعاً، والأوصال المقطعة والنفوس المحطمة والحيوات المهدرة، أصبحت رهينة لحسابات الصيف العسكرية، وكذلك السكان، أهل المناطق المطلوب تحريرها أوتعميرها أو تنميتها بأي منطق أخذت، هم في هذا التصور عبء مصاحب للأرض يشكلون طرفامن الجغرافية إذا جاز التعبير أما التاريخ والمستقبل فحظيرة محروسة للمفاوضين الأشاوس.

طرحت الحكومة على الحركة الشعبية ما يشبه بيان استسلام غير مشروط، شجعها على ذلك ربما التحول في ميزان القوى العسكرية في المنطقتين إلى صالحها. تدرك الحكومة أن الإجهاز التام على الجيش الشعبي في المنطقتين هدف غير واقعي لكن سعيها حصارالجيش الشعبي ما استطاعت في موقع الدفاع والحد من قدرته على أي هجمات تستهدف المدن الرئيسة وطرق النقل ومناطق التعدين ومشاريع الزراعة الآلية. طرح المفاوض الحكومي تجديد الهدنة الإنسانية لمدة شهر يتم خلاله التفاوض على وقف شامل لإطلاق النار بمافي ذلك إجراءات نزع سلاح وتسريح الجيش الشعبي وبالمرة القضايا السياسية التي تخص المنطقتين، كل ذلك بضمان انتشار القوات المسلحة السودانية على الحدود بين السودان وجنوب السودان ما يقطع الطريق على خطوط إمداد الجيش الشعبي “المحلول”.

الحركة، ولا غرابة، رفضت الطرح الحكومي لكن قفزت أمامه بتجديد الدعوة إلى حل سياسي شامل على أساس “مؤتمر قومي دستوري” يَجبُ حوار الرئيس البشير الوطني. أما بشأن القضية الإنسانية فقد جددت الحركة مطلبها بفتح منافذ للمساعدات الإنسانية تمر عبر حدود السودان مع جنوب السودان وأثيوبيا دون تدخل حكومي، مطلب رفضته الحكومة معيدة تأكيدها على السيادة وإصرارها أن تأت المساعدات عبر السودان. انتهت جولة نوفمبر هكذا،كل طرف إعاد على الإعلام سيل الاتهامات المعتادة. اكتفت الآلية الإفريقية بإعلان نهاية الجولة وتأسفت كما الأطراف المراقبة من الدول الغربية على فشل الطرفين في التقدم بشأن القضية الإنسانية.

شرحت الحركة الشعبية قطاع الشمال في البيان الذي صدر بعد انهيار الجولة أن الحكومة لاتنوي الالتزام بمطلوبات الحل السياسي الشامل ولا تريد أن توافق على وقف العدائيات. أبانت الحركة أن وقف العدائيات شئ ووقف إطلاق النار شئ آخر، والشي بالشي. تمسكت الحكومة بإنها لا تقبل وقف عدائيات دون التوصل إلى ترتيبات إمنية تنتهي بحل الجيش الشعبي.

بشأن مطلب الحركة توصيل الإغاثة عبر حدود السودان مع جنوب السودان وأثيوبيا قال إبراهيم محمود في حوار مع قناة الشروق أن الحكومة ترى عدم موضوعية هذاالطلب، فالإغاثة يجب أن تتم من داخل السودان، وهي لا تمانع أن تتولى الأمم المتحدة بإتفاق معها عملية الإشراف على توصيل الإغاثة والمساعدات الإنسانية لكن من داخل السودان. الأهم من ذلك لا ترى الحركة الشعبية حاجة الي وقف إطلاق نار دائم لإيصال المساعدات، فهي يمكن أن تتم ولو على طريقة “الممرات الآمنة”، العبارة التي تثير حفيظة الحكومة بأي صيغة أتت.

يعود تاريخ العبارة إلى عملية “شريان الحياة” التي انطلقت في أول ١٩٨٩، وقتهااستفادت الحركة الشعبية الأم من شريان الحياة الأممي عبر كينيا في مواجهة حكومةالصادق المهدي. كتب المرحوم جون قرنق خطاباً إلي جيمس قراند المدير التنفيذي لليونسيف أثناء انعقاد المؤتمر العالمي عن الإغاثة العاجلة في الخرطوم، يدعوه إلى الاهتمام بالسكان في المناطق تحت سيطرة الحركة الشعبية. زعم قرنق وقتها أن ٩٠٪ من سكان جنوبي السودان في مناطق تحت سيطرة الجيش الشعبي. دعت الحركة الشعبية الأمم المتحدة إلى مناقشة ترتيبات الإغاثة في المناطق تحت سيطرتها إما بمؤتمر مماثل لمؤتمرالخرطوم او اي ترتيبات اخرى . رفضت الحركة الشعبية المنتصرة في الميدان العسكري رفضا قاطعا أي وقف لاطلاق النار، وهي صاحبة النار الأكثر ضراوة واقترحت وقتها “ممرات آمنةلتوصيل الإغاثة.

لم تجد حكومة الصادق المهدي مخرجا من الضغط العالمي سوى القبول بالاقتراح الذي نشأت بموجبه عملية شريان الحياة بضلعين، ضلع ينطلق من الخرطوم وآخر من نيروبي ولوكيوشوكيو الكينية. تنظر الحكومة اليوم إلى هذه التجربة باعتبارها شهادة على ضعف حكومة السودان العسكري في مواجهة تمرد مسلح على سلطة الدولة وخرق فادح لسيادتها لاتتصور القبول بمثلها وهي في حالة تقدم عسكري علامته المادية محدودية المناطق التي يسيطر عليها الجيش الشعبيقطاع الشمال الذي يقرأ في تقديرها من كراس الماضي.

انتهت المحاججة في هذه النقطة إلي رفض الحكومة القاطع لتوصيل الإغاثة من محطات خارج السودان وإدعاء الحركة الشعبية قطاع الشمال على لسان مواطني المنطقتين، الذين دعتهم بهذه المناسبة من الجغرافية إلى التاريخ، أن إغاثة تأتي من الخرطوم مرفوضة ولو كانت المن والسلوى.  

حفزت قضية المساعدات مجموعة من الناشطين والأكاديميين ومنظمات المجتمع السوداني على تجديد الجنس الأدبي المفضل للبرجوازية الصغيرة السودانية –” المذكرة “- فعنونواخطابا ضافيا بانجليزية صافية في ٧ ديسمبر الجاري ليس للشعب السوداني البطل وقواه الحية وإنما للرئيس الأميركي باراك أوباما وسكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون مفاده دعوة الإثنين للضغط على حكومة السودان حتى توافق علي توصيل الإغاثة عبرمحاور خارجية.

لم ينشغل أصحاب المذكرة بحقيقة أن عملية شريان الشمال كانت بالفعل سببا غير مباشر في إطالة أمد الحرب في جنوبي السودان ساهمت بقدر أو آخر في تعزيزاستعدادات الجيش الشعبي القتالية وحررته إذا جاز التعبير من أى مسؤولية تجاه المواطنين تحت سيطرته الذين صاروا كما أهل المنطقتين اليوم جزءا من جغرافية الميدان العسكري.

أقر حتى جون برندرقاست، حتى وقت قريب نصير الحركة الشعبية الأول في الولايات المتحدة وصاحب منظمة “كفاية”، في تقرير يعود إلى العام ١٩٩٧ أن عملية شريان الحياة وإن لم تطيل “الأمد الطبيعي” للحرب فقد “كان لها أثر بالغ على مجرى القتال. عززت العملية في الفترة ١٩٨٩ إلي ١٩٩٢ قدرات الجيش الشعبي، ثم حقق الجيش الحكومي بعض التقدم في الفترة ١٩٩٢ إلى ١٩٩٥ عبر عمليات إغاثة كبيرة في الشمال ومنه بالإضافة إلى قطع الطريق على الإغاثة  لمناطق بعينها خاصة خلال حملة الحكومة العسكرية عام ١٩٩٢ وغزواتهاعام ١٩٩٥ على شمالي بحر الغزال.” قال جيمس قرانت، مسؤول الأمم المتحدة عن الإغاثة وقتها،أن مسؤولياته انحصرت في الإغاثة ولم تشمل بأي حال من الأحوال النظر في أسباب النزاع وكيفية حله. قال لاري مينيار وتوماس فايس، كاتبان آخران حررا نقدا طويلا لعملية شريان الحياة عام ١٩٩٥، أن الأمم المتحدة أضاعت فرصا عديدة للمساهمة في التوصل إلى سلام في السودان. في ذات القضية، قال فيليب بوريل، منسق الأمم المتحدة للإغاثة في السودان،صراحة أن شريان الحياة ساهمت بدرجة أو أخرى في إشعال الصراع بالذات من خلال عمليات الإسقاط الجوي غير المتسقة.

للطرافة، قال برندرقاست في تقريره عام ١٩٩٧ أن عمليات الإغاثة لم تحد من التدهورالسياسي في السودان وأنما ساهمت فقط في إدارته. علل برندقاست هذا الدور السلبي بقوله أن عمليات العون الخارجي “تترك أثرا علي تفكير الناس

فتجعلهم يتوقعون حلولا من الخارج.” كأن برندرقاست يرد هنا علي المذكرة المعنونة إلى أوباما وبان كي مون و”كفاية” بين موقعيها.

كان أولى بأصحاب المذكرة أن ينظروا من موقع المستقل المشغول بالقضية الإنسانية في المنطقتين إلى مسألة الإغاثة وكيفية توصيلها دون الأخذ السريع بموقف طرف حربي ضد آخر، فربما ساهموا إذن في حلها وتوصيل الإغاثة فعلا لا المناجاة بها ضمن رهان سياسي على الحركة الشعبية قطاع الشمال باعتبارها الطرف الأولى بالمناصرة في حرب جغرافيتها المنطقتين.

تتيح الانجليزية الصافية التي كُتبت بها المذكرة ضمن منافع أخرى الإطلاع على مباحث واسعة نقدية حول الحرب والسلام في السودان والعلاقة بين الحروب وعمليات الإغاثة بما في ذلك عملية شريان الحياة وتداعياتها، لكن كتاب المذكرة فضلوا السهو عن هذا الفرض شاغلهم أذن أوباما.  

لم تعد القضية الإنسانية، التي قال ياسر عرمان أنها أولى أولويات الحركة، إلى صدرالتفاوض في المحادثات غير الرسمية التي انعقدت في منتصف ديسمبر. قال ياسر، الذي انتخب تلفزيون السودان من تصريحاته جانبا للعرض في نشرة الأخبار في خبطة دعائية، أن المحادثات كانت شفافة مؤكدا في رسالة إلي حلفاء الحركة الشعبية أنه طرح على الحكومة  حلا شاملا بديلا للحلول الجزئية مما يمكن جميع الأطراف أن تصبح جزءا من العملية السياسية. كرر ياسر أن قضية المنطقتين مرتبطة بالإصلاحات الهيكلية الشاملة في بنية الدولة السودانية وأن الحركة مستعدة للتفاوض بمشاركة الآخرين حول الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة للمنطقتين بالارتباط والتزامن مع الحوار والحل السياسي الشامل.

متى تركنا تجريد “الحل السياسي الشامل”، قرين “اتفاقية السلام الشاملو”بسط الأمن الشامل” جانبا واتبعنا شيطان التفاصيل بان موضوع الحرب والتفاوض، مصيرالفرقتين التاسعة والعاشرة في الجيش الشعبي لتحرير السودان الأم وفق وصف الحكومة أو الجيش الشعبي لتحرير السودان – قطاع الشمال في عبارة الحركة. قال ياسرعرمان في خطابه أن “الحركة الشعبية تطرح (قيام) جيش سوداني واحد مهني (…)، بدلا عن صيغة الجيشين التي طرحت نيفاشا مع ترتيبات أمنية جديدة انتقالية للجيش الشعبي في إطار هيكلة وإصلاحات الجيش الموحد.”

يبدو للوهلة الأولى أن هذا الموقف ينسجم مع إصرار الحركة على رفض الحل الجزئي الذي يتخوف منه حلفاؤها، ويرونه بابا لصفقة ثنائية تحيل الحركة إلى شريك في الحكم وتترك سواها في عراء المعارضة. في هذا الخصوص، دعى ياسر قوى المعارضة مرة أخرى إلى“الاتفاق على رؤية موحدة حول مسار الحوار والتفاوض ونتائجه النهائية وعلاقته بالوسائل الأخرى” يقصد الوسائل الحربية، وهو الذي ظل يعيد ألا انفصام بين الصراع المسلح والانتفاضة الشعبية والتفاوض فجميعها وسائل هدفها “الحل السياسي الشامل”.

استكانت قوى المعارضة لتزاوج المناهج هذا على طريقة كلو خير، لبن، سمك، تمر هندي أملها أن تسقط من هذه السماوات حكومة انتقالية تفعل الأفاعيل بالمؤتمر الوطني، كأن تاريخا طويلا من الاشتباك بين العمل المسلح والمدني، بين الانقلاب والعمل الجماهيري، بين صفوة الضباط والحركة الجماهيرية، لم يكن، وليس منه ما يستفاد، دع عنك الاشتباك بين القوى المدنية والحركة الشعبية الأم التي فازت بالدولة في جنوب السودان لتجدد الحرب حول السيطرة عليها.

ما معنى حديث ياسر عن جيش سوداني واحد موحد إذن؟ يبدو أن ياسر عرمان يتفاوض في أديس أبابا حول دمج الجيش الشعبي في القوات المسلحة بدلا عن نزع سلاحه وتسريح مقاتليه كما تريد الحكومة، لكنه بدلا عن الإعلان الصريح عن مجريات التفاوض اختار أن يعلق هذه الخطوة بإصلاحات في الجيش كتم كنهها. السؤال الموضوعي كيف يتسنى للجيش الشعبي – قطاع الشمال أن يفرض على قوة عسكرية تفوقه مرات عدة وعتاد ، برنامج هيكلة وإصلاح أيا كانت صيغته؟ اختار ياسر التحايل بالغموض بدلا عن الصراحة التي يفرضها واقع الأحداث ويتطلبها العمل السياسي المسؤول مكررا بذلك تجربة ترشحه للرئاسة عام ٢٠١٠ حين انسحب بليل من نشاط جماهيري شد إليه قوى واسعة علقت على قيادته الآمال وظل إلى يومنا هذا صامتا عن مواجهة المسؤولية عن قراره سوى بكتابة الشعرالركيك كأن الذين تنادوا لنصرته قصر لا يعقلون حظهم أنهم صاروا مادة لحلم ياسر في الالتحاق بجيل الستينات المجيد، شاباز وما إلى ذلك.

بطبيعة الحال، إن أحرزت الحكومة تقدما في محادثاتها مع الحركة الشعبية تنتفي ضرورة“الاجتماع التحضيري” التي تنتظره المعارضة الرسمية بفارغ الصبر ظنا منها أن القوى الدولية ستضغط على النظام حتى يفكك نفسه بآلة الحكومة الانتقالية، إلا أن يكون ديكورا مصاحبا لاتفاق الحكومة والحركة حول مصير مقاتليها. الحكومة من جانبها، تتصورالاجتماع التحضيري مقدمة لولوج المعارضة في “الحوار الوطني” على طريقة تراجي مصطفى، فهو عندها عين “المؤتمر القومي الدستوري” الذي ظل شعارا ثابتا للمعارضة منذ أواخر الثمانينات، أعادت تدوير المفهوم بما يخدم بقاء سلطتها، كما أعادت تدوير مفاهيم أخرى مفضلة عند المعارضة الرسمية، الهوية وما أدراك ما الهوية.

نحن إذن قبالة كومة من العبارات التي فرغت معانيها تشغل الأوراق والبيانات حبرا صرفا لكن لا مدلول لها في الواقع، الحوار الوطني، المؤتمر القومي الدستوري، الحل السياسي الشامل، أصبحت مادة الخلاف بين أعضاء النادي السياسي ومنتهاه.

أما صراع غمار الناس من أجل الحياة فمحله الجامع الذي استنجد به مزارعو نهر النيل هربا من حلف البنك الزراعي والمباحث واسطوانات الغاز التي صارت قضية لجهاز الأمن يتتبع تنقلاتها بين وكلاء التوزيع. وشلل الأطفال الذي لم تتفق الحكومة والحركة الشعبية سوى على قطع أمصاله عن بنات وأبناء المنطقتين وحمى الدينق التى تتغذى من معسكرات النزوح في دارفور وكالي الفرنسية حيث يتكدس الشباب الطامح إلى عبور القنال الانجليزى تصطاد منهم القطارات روحا بعد اخرى.


arif.elsawi11@gmail.com

 

============

على ضوء مقال ” المفاوضون الأشاوس”

هل يدعم مجدي الجزولي  وعارف الصاوي استمرار الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب؟

كتب : عمار عوض*

طالعت باهتمام شديد في اليومين الماضيين ،المقال الذي سطره الاستاذان  ،مجدي الجزولي ،وعارف الصاوي ،الذي اتى بعنوان “المفاوضون الاشاوس ” في صحيفة “اليوم التالي” التي تصدر في العاصمة السودانية الخرطوم .

وجاء اهتمامي بالمقال لعدة عوامل ،يأتي على رأسها أنه أتى من أصدقاء اعزاء ،اكن لهم احتراماً خاصاً ،اضافة لأني بحكم مهنتي الصحفية ،وتخصصي في ملفات القضايا الدولية ،في مكان عملي الحالي ،ومن المعلوم ان القضايا الانسانية اضحت متشعبة ،ولديها تقاطعات دولية ،كما انه من باب اولى ان اهتم بالأمر مادام يتعلق ببلدي السودان .

ومنبع اهتمامي الاكبر ،هو ان المقال كرس لفكرة التضحية بالمدنيين في سياق تسريع  الحصول على اتفاق سياسي ،وشكل دعما لطرف وموقف الحكومة السودانية في هذا الخصوص ،الى جانب ان المقال يدعو ضمنيا للتضحية بالقانون الدولي والإنساني وهو ما سنتعرض له بالتفصيل .

هناك عدة حجج ترد في صلب المقال ضمنيا ،وفي بعض النقاشات التي اديرت حول المقال في وسائط التواصل ،كان الاستاذ عارف الصاوي اكثر وضوحا فيها ،حيث يعتبر ان الحكومة السودانية دولة ذات سيادة ،لا يمكن لها ان تقبل بوجود ممرات انسانية لإغاثة المتضررين من الصراع ،في اقليمي جنوب كردفان والنيل الازرق ،من دول الجوار ،لكن هذا الدفع يهزمه تاريخ الحكومة السودانية “ذات السيادة ” نفسها ،عندما وافقت عبر القيادي فيها والسفير الحالي مطرف صديق ،بالموافقة على مرور المساعدات الانسانية الى “جبال النوبة – جنوب كردفان ” في اتفاق بيرقت استورك  بسويسرا عام 2000 ،والخاص بوقف اطلاق النار الانساني في جبال النوبة .

الحجة الثانية المستقاة من المقال ،ان الكاتبين يشرعان عبر ايرادهما لبعض المقتطفات ،موقف الحكومة السودانية الذي يرى ان المساعدات الانسانية للمنطقتين سيقود الى تشوين الجيش الشعبي ،الذي يقاتل الحكومة السودانية ،بما يعني استمرار الحرب .

ومن وجهة نظر الكاتبين فان وصول المساعدات سيقود بطريقة غير مباشرة الى تطويل امد الحرب ،مثل ما حدث في الحرب الاهلية بين (الشمال والجنوب) في السودان قبل الانفصال ،نسبة لعملية شريان الحياة وقتها ،وهي حجة حكومية بامتياز ظلت ترددها الحكومة في طاولة المفاوضات وفي اوساط المجتمع الدولي.

 

وفي هذا فإن الكاتبين يناقضان بوجهة النظر اعلاه ،دعوة الحركة الشعبية لإيصال المساعدات من داخل السودان ،ومن محاور خارجية ايضا  ،حيث يفترضان ان الحكومة السودانية في موقف قوة ،ولا يمكن ان تقبل بدخول المساعدات من الخارج ،وليس هناك ما يجبرها على ذلك ،ويستدل الكاتبان بأن توازنات القوى هي ما قادت الى قبول الحكومة السودانية ،في عهد رئيس الوزراء الاسبق الصادق المهدي بعملية شريان الحياة في جنوب السودان.

دعونا نهمل تجربة “شريان الحياة” لبعض الوقت ،وننظر في مالأت منطق القوة الذي يتبناه الكاتبان في امر المساعدات الانسانية ،وخير مثال لذلك هو الوضع في نزاع دارفور في غرب السودان ،حيث رفضت الحكومة السودانية عبر منطق “القوة والتوازنات الدولية ” الذي يتشارك معها فيه “عارف ومجدي” ،لعدم دخول المساعدات الانسانية الى الاقليم ،مالم تكن قادمة من داخل السودان ،او عبر بواباته البحرية والجوية ،والتي اسندت للأمم المتحدة وبعض المنظمات وقتها ،ما هي النتيجة التي حصلنا عليها عبر هذا الوضع ؟

صارت الحكومة السودانية تستخدم ” الغذاء والدواء ” كسلاح ضد النازحين في المعسكرات التي يوجد بها من يناهضون سياستها ،تارة تعطل وصول الحاويات والشحنات القادمة من المؤانئ ،وتارة اخرى تقوم بشراء ذمم قادة بعثة الامم المتحدة ليسيروا في ركابها عبر نفس ” منطق التوازنات في دول القارة الافريقية ” التي ينتمي لها قادة البعثة في دارفور ، ومن الجدير بالذكر ان نائب الرئيس السوداني حسبو عبد الرحمن يصرح هذه الايام بإغلاق كافة معسكرات النازحين في دارفور ،وهذا هو نتاج منطق القوة والتوازنات العسكرية التي يبشر بها الكاتبان .

بل الادهى والأمر ان الحكومة قامت بطرد احد قادة بعثة  الامم المتحدة وهو الدبلوماسي الهولندي ” يان برونك ” من منصبه ،وأبعدته ليس من دارفور فحسب بل من السودان نفسه . ولم تكن هذه هي السابقة الوحيدة اذ قامت نفس الحكومة بطرد منسق الامم المتحدة علي الزعتري من السودان ومن دارفور عام 2015 و اجبرت الامم المتحدة على سحبه من الخرطوم .

وكانت ثالثة الاثافي في عملية الاغاثة من الداخل التي يدعمها كاتبا  المقال ،عندما قامت نفس الحكومة السودانية بطرد 13 منظمة دولية كانت تعمل على اغاثة النازحين في دارفور ،مما قاد الى فجوة غذائية وصحية يعاني منها سكان الاقليم المنكوب الى اليوم .

ويظل السؤال هل هذا هو النموذج الذي يدعوا الكاتبان له ؟ ” الاغاثة من الداخل ” ! هب ان الحركة الشعبية ومن خلفها من تمثلهم من النازحين في مناطقها وافقت ” جدلاً” على مقترح الاغاثة والمساعدات من الداخل ،ما الذي سيحدث ؟ بالنظر لتجربة دارفور التي اوردنا شواهدها اعلاه ،ستقوم الخرطوم بالتحكم في البعثة الاممية التي ستاتي لهذا الخصوص ،وطرد مسؤوليها الذين لا يتوافقون مع سياساتها ،وطرد المنظمات الاجنبية التي ستدخل للعمل في المساعدات الانسانية ،اذا وافقت لهم اصلا في الدخول . هل هذا ما يصبو له الصديق ” عارف ” الذي اعرفه جيدا وشققت صدره والذي لم التقيه منذ اكثر من ست سنوات لا اعلم ما الذي استجد فيها من افكاره .

وهنا لا بد من ايراد حجة الحركة الشعبية ،التي استقيتها من مفاوضيها في موضوع الاغاثة ،وطرق وصول المساعدات ،التي تغافل عنها كاتبا المقال ” المفاوضون الاشاوس ” تماما ،ولم يرد في مقالهم اي من دفوعات مفاوضي الحركة الشعبية ،وهو ما يخدش كثيرا من “استقلاليتهما ” .

حيث ترى الحركة الشعبية بحسب وفدها المفاوض انها ترى في تجربة طرق وصول  “المساعدات الانسانية الى دارفور ” دليلاً على فشل طرح الحكومة في هذا الخصوص الداعي لاقتصار وصول المساعدات من الداخل السوداني . لذا فهي تطرح عملية ” متعددة المسارات ” مسار داخلي للمساعدات ينطلق من مدن ” الابيض والدمازين ” ومسار خارجي ينطلق من دولتي “جنوب السودان واثيوبيا ” وهو ما يتيح عدم سيطرة الحكومة على ” عمليات الإغاثة” لتسيرها وفق هواها ،وتطرد في سبيل ذلك كل من لا يغني على ليلاها من المنظمات او المبعوثين الدوليين .

ومن المفيد التذكير مرة اخرى ان اتفاق وقف اطلاق النار الانساني في جبال النوبة والذي وقعته نفس الحكومة قد سمح بإيصال الاغاثة من كينيا الى جبال النوبة ،فما الذي تغير من سيادة السودان الان ، مع ان هذا الاتفاق ،هو الذي ابتدر وفتح الطريق لاتفاق نيفاشا بعكس ما روج الكاتبان من فكرة “اطالة امد الحرب بفعل الاغاثة”

وبالعودة الى حجة المقال بأن عمليات الاغاثة من الخارج ستطول امد الحرب ،مع ان الحركة الشعبية بحسب مفاوضيها لم تطرح اقتصارها على الخارج فقط ،لكن ما هو البديل الذي يطرحه كاتبا المقال ؟ البديل وفق مقالهم ان يستمر القصف الجوي وقتل وتجويع المدنيين لتنصاع الحركة ومن تمثلهم من شعبي المنطقتين لاطروحات السلام “سلام القوة والتوازنات الدولية”.

وبدل ان يطرح كاتبي المقال فكرة جديدة لإيصال المساعدات او مقترح موضوعي عمدوا الى “حشر” “شعر” و”كتابات” رئيس وفد الحركة المفاوض في اطار اهتماماته العامة ،ولعمري هذا هو ابلغ دليل على عدم موضوعية الكاتبين ،وانهم ان لم يفوتا الفرصة لعزفهما ضمن “الجوقة” التي “اختارت” ام “رسم” لها السير في هذا الطريق ،وانا لست بذلك عليم !!

ما يحدث في المنطقتين من قصف ،وقتل ،وتجويع يومي ،لم يحرك شعرة من ” مجدي وعارف” اللذين تباكيا في صدر مقالهما على حياة المدنيين ،حيث لم ترد في كتابهما اي حديث ،او ادانة لعمليات القصف والقتل اليومي هذه : ” الاخطر ليس استمرار الحرب بفعل وصول المساعدات ،الاخطر يا اصدقائي هو تشجيع استمرار جرائم الحرب التي تقع في المنطقتين ،وغضكما الطرف عنها ،بل دعوتكما ضمنيا لاستمرارها ” وهذا التحول في موقفيكما هو مربط الفرس .فهل يمكن المساواة بين الذي يمتلك سلاح طيران ويقصف المدنيين وبين الذي لا يمتلك هذا السلاح الفعال .

الموقف الاكثر ادهاشا في تحولات كاتبي المقال هو نظرتهما الى ” المذكرة” التي تقدم بها اكثر من 100 شخصية اعتبارية ،ومنظمة مجتمع مدني ،اذ عدها كاتبا المقال فعلاً من افعال ” البرجوازية ” ودمغا اصحابها بانهم انحازوا الى مواطني المنطقتين ،المتضررين من الصراع الذين تمثلهم الحركة الشعبية سياسيا في التفاوض . رغم ان من كتاب “المذكرة” مبعوث الرئيس الامريكي الاسبق اندرو ناتيوس والمدير السابق لهيئة المعونة الامريكية ، وهناك قانونيون وأكاديميون مشهود لهم بالنزاهة والاستقامة في سائر اوروبا ،ولكن كاتبي المقال “الاشاوس” طعنا فيهم دون ان يرمش لهما جفن ،وهذا امر محير اذا نظرنا لموقف الحكومة من المذكرة نفسها التي اعتبرتها “منحازة للحركة ” وهو نفس موقف ” عارف ومجدي”!!.

هنالك اربعة عوامل اقرتها المواثيق الدولية ،والأمم المتحدة ،لأي عملية انسانية تتمثل في :الانسانية ،والحياد والنزاهة ،والاستقلالية ،وهذه لا يمكن ان تتوفر في اقتصار وصول المساعدات على الداخل السوداني .

كما ينص القانون الدولي الانساني على ان قيام طرف بمنع وصول المساعدات الانسانية الى المتضررين، تحت اي دعوى من الدعاوى يعد جريمة ضد الانسانية  ،فهل يمكن هنا ان نسال هل دعوى كاتبي المقال بعدم ارسال المساعدات الانسانية لانها تطيل من فترة الحرب ،يمثل مشاركتهما في الجرائم ضد الانسانية التي تحدث في المنطقتين ،استنادا الى السوابق الدولية المشابهة لذلك عندما وجدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة ان حجب قوافل المساعدات الانسانية كان جزءا من “خلق أزمة إنسانية”،  و التي عدت جريمة  جنبا إلى جنب مع جرائم الإرهاب والتهجير القسري، والاضطهاد باعتبارهما جرائم ضد الإنسانية.  

واخيرا ماهو موقف الكاتبين من تهجير سكان الانقسنا من المناطق الخصبة بالقرب من الدمازين ،هل يصب ذلك في خانة الشعر “الركيك” ايضا ام في خانة المساواة الاخلاقية والسياسية بين الطرفين .