خالد فضل   هل قدرنا كسودانيين أن نجتر المناحات السنوية كلما أطل أول عام ميلادي جديد ؟ 

الحقيقة الواضحة أنّ خللا كبيرا صاحب مسيرة بناء الوطن منذ لحظة نيله للإستقلال عن الاستعمار البريطاني المصري في فاتحة ينائر1956م , لذلك بدت صورة الوطن (الشيخ) على ما هي عليه الآن , فعلى العكس من مراحل النمو الطبيعية للكائنات الحيّة تلك التي تولد صغيرة فتكبر بمرّ الأيام , تبدو صورة بلادنا , فقد ولد بأسقام كان يمكن معالجتها خلال مراحل النمو المضطرد , لكن حصل عكس ذلك تماما , حتى كانت البلاد تصل الى مرحلة الانقسام لشعب واحد في دولتين كلاهما تعاني من علل مقعدة بالنمو الطبيعي .

كل شئ في سودان صبيحة الاستقلال في التاريخ البعيد ذاك صار ذكرى حبيبة يتمنى غالبية الشعب أنْ تعود , بما في ذلك الخريطة ذات الرسم المهيب والتي يمكن لطفل الروضة أن يرسمها دون عناء , ومساحة الغطاء الغابي التي تضاءلت من حدود 40% الى تخوم ال10%, لقد عبّر مصطفى سيدأحمد عن الحال ب(حتى الفصول صابا الجفاف).

  عندما تقرأ أو تسمع وصف حياة غالبية السودانيين في تلك السنوات الباكرة لميلاد الوطن , ينتابك الشك في صدق الرواية والرواة , ولكن عندما تكون في أعمار جيلي التي تنقص بعقد واحد من عمر الاستقلال , لا يتطرق اليك الشك فيما سبق من روايات وأوصاف, فقد عشت على المستوى الشخصي مرحلة طفولتي في بداية السبعينيات من القرن الماضي في قرية اسمها (أبو رويشد) ريفي الجاموسي , غرب  مدينة المناقل بحوالي 40كلم , في تلك القرية كان يوجد ضابط صحة يرأس تيم من عمال النظافة 7عمال, يضع دمغته كل فجر على الذبيح في جزارة القرية , ويتأكد من دفن النفايات جيدا وغسل أدوات الجزارين , وكان عماله يجوبون شوارع القرية الترابية لجمع القمامة وكنس الشوارع من روث البهائم فتأمل ! كان منزله يلاصق منزل المساعد الطبي (الحكيم) الوالد فضل طه متعه الله بالصحة والعافية , ولذلك تبدو تلك الصورة جليّة في ذاكرتي كأنّها حدثت بالأمس , الآن أقطن في حي يمكن تصنيفه من الأحياء الحديثة الراقية في شرق النيل بمدينة الخرطوم بحري , أجزم أنّ طفلتي الصغيرة ذات السنوات الأربع لم تدخل في قاموس مفرداتها كلمة (عربية القمامة) , رغم أنّها تردد مقطع أغنية لا أدري من أين التقطته يقول (بص الوالي جا وسعو لي السكة بص الوالي جا دلكو بالدلكة ) , لقد صار لبص الوالي أغنية , بينما أكداس القمامة وسط عمارات الأسمنت تسد الطرقات , والوطن في عمر الستين , فهل من مقارنة بين شيخوخته الآن وصباه في سنوات عقد السبعين؟

  كان الناس في دارفور على سنوات طفولة الوطن وصباه , يجوبونها على ظهر الجمال والحمير والحصين والثيران ومشيا على الأقدام الحافيتين لا يخشون سوى الضباع والسباع والثعابين والعقارب وهوام الأرض , الآن الوطن في شيخوخته , يقول أحد شيوخ معسكرات النازحين , دارفور استلمها الجنجويد , ولم يعد للحكومة عليها سلطان , وما أدراك ما الجنجويد , إنّهم من يفكون جنازير فردهم المكلبش  ويخرجونة عنوة من داخل قاعة المحكمة في نيالا وأمام القاضي , ولا يستطيع أحد أن يقول (بغم), فهل الوطن الشيخ في تمام عافيته ؟

  في طفولة الوطن وصباه الباكر , كان مدير التخطيط ووزير الأشغال يوزعان الخطة الاسكانية في أم درملن وبحري , وعند بلوغهما المعاش , يسكنان بالإيجار في ذات الحارات التي وزعّا قطعها السكنية على المواطنين السودانيين , وفي شيخوخة الوطن , تداهم قوات نظامية مدججة بالسلاح مقر صحيفة في قلب الخرطوم لتنزع وثائق توضح عدد ما يحوزه مسؤول كبير في وزارة التخطيط من قطع مميزة في مختلف  نواحي الخرطوم , فأي شيخوخة ينعم بها الوطن , أنفكر في كيفية احسان دفنه , كما في قول منسوب لدكتور حيدر ابراهيم ؟ وفي بواكير الوطن كان الرئيس الأزهري يستدين من أصدقائه التجار في ملكال لاتمام بناء منزل أسرته , وهاهو الوطن في شيخوخته يتحول الى دولة الفريق طه كما في مقال مولانا سيف الدولة حمدنالله عبدالقادر المنشور قبل أيام على الأسافير .

  هل نجتر الذكريات عن طفولة الوطن وصباه , بالمدارس المعاهد التي تعد الطلاب للحياة , ليصبح الحال في شيخوخته , شريط على شاشة تلفزيون الوطن بمناسبة ذكرى (الاستغلال) , وليرحم الله الأستاذ علي حسن سلوكه , فقد كانت طرفة أكثر منها حقيقة . أم عن دين الوطن نتكلم , والنفاجو فاتح ما بين دين ودين في صباه ومهد طفولته ليصبح الدين في شيخوخته , ملصقات تملأ طرقات الخرطوم عن تكفير من يهنئ المسيحيين بعيد الميلاد , وجلد السبّاحين في جبل أولياء لأنّ زي السباحة فاضح عندما يرتديه اللاعبون المدنيون , وساتر ومحتشم وشرعي عندما يكون ضمن المقبوضين بعض العسكريين ؟ بل يصبح الدين آيات (تراجي) , ( والعارف عزو مستريح) !

  وووووووو هل يحتفل السودانيون حقّا ويتفائلون بالوطن ليجدوه (كما في دعوة برفسير عبدالله علي ابراهيم)؟ يجدوه في ملوحة مياه البحار والمحيطات ؟ في الأسلاك الشائكة بين مصر واسرائيل ؟ في الكراكير ومخيمات النزوح والأحراش ؟ في الفشقة وحلايب وشلاتين؟ في اعادة التوطين وتزاحم مكاتب اللجوء ؟ أين يجدوه بالتفاؤل ؟ في معية سجون دُبي ؟ أم في سنجة رفقة القوي الأمين ؟