خاص التغيير الكاتب والصحفي فتحي الضو"للتغيير الإلكترونية": *فككنا الجهاز طوبة طوبة وسوف يضحك أهل السودان على الفرعون يسير عاريا *كشفنا أسماء الضحايا والقتلة وكيفية تنفيذ الجرائم *دخلنا كواليس"الأمن الشعبي" وكشفنا أسماء مدرائه ووظائفهم في الدولة *اغتيالات واختفاءات قسرية للاسلامويين أنفسهم!

مع إطلالة العام الميلادي الجديد، اقتحم الكاتب الصحافي فتحي الضو معقلا من معاقل الأجهزة الخاصة للحركة الإسلاموية السودانية ونظامها الحاكم في الخرطوم، بما يعد الأخطر في تاريخها منذ الانقلاب الذي نفذته قبل أكثر من ربع قرن. إذ صدر له هذا الأسبوع كتاب جديد عن مكتبة جزيرة الورد بالقاهرة بعنوان (بيت العنكبوت/ أسرار الجهاز السري للحركة الإسلاموية السودانية) ومن المنتظر أن يثير الكتاب جدلاً واسعاً، ليس في أوساط القراء فحسب، وإنما وسط الحاكمين في النظام والمتحكمين في منظومته.

يطرح الكاتب في صدارة الكتاب فذلكة علمية / سياسية يشرح فيها أسباب تسمية الكتاب بذلك الاسم ويقول في ختامها (تلك قصة كائن غريب وسيرة بيت لن تجدوا لها مثيلاً سوى قصة أهل السودان مع “بيت” آخر هو جهاز أمن معتد أثيم. لم تنقص أفعاله القبيحة واللا أخلاقية حبة خردلة عن “بيت العنكبوت” ففي دهاليزه انتشرت رائحة الموت أيضاً، وراجت في كواليسه قصص القتل والتنكيل والبطش والتصقت بسيرته روايات تكريس دولة الفساد والاستبداد والشمولية، وبالطبع فإن خفافيش الظلام من المفتونين بهذا المنهج ظلوا يمارسون ذلك السلوك سنين عددا، أسوة بجنس العناكب التي ليس لها رغبة في الحياة بعد إشباع غرائزها سوى تلبية شهوة الموت، وسوم ضحاياها سوء العذاب، والتلذذ بأنينهم وآهاتهم وآلامهم بسادية بغيضة)!

اخترق الكاتب في الفصل الثالث الهيكل التنظيمي للجهاز الخاص بالحركة الإسلاموية، والمسمى بــ (الأمن الشعبي) إذ دخل إلى كواليسه المظلمة، وكشف عن أسماء المدراء العاملين في دوائره، والتي بلغت أكثر من خمسة عشر دائرة، وهم ممن يتسنمون وظائف مدنية مختلفة في الدولة للتمويه والخداع ويخالطون الناس حياتهم الاجتماعية ببراءة الأطفال، ولا يحملون رتباً عسكرية ولا ترصع النجوم اكتافهم، بدءاً من مديره العام (المهندس) عماد الدين حسين!

كذلك أزاح المؤلف النقاب عن المناطق الجغرافية التي تتواجد فيها تلك الدوائر في العاصمة، وهي مما يجهله الناس من الغادين والرائحين دون أن تلفت الانتباه، حيث تطبخ في داخلها الدسائس والمؤامرات والمكائد، ويشرح المؤلف عمل كل دائرة ونشاطها الاستخباري تجسساً وتحسساً. ويلفت الانتباه إلى طبيعة بعض الأنشطة الخطيرة مثل استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة وعلاقات الجهاز بالجماعات المتطرفة داخل وخارج السودان.

وبالقدر نفسه كشف المؤلف عن طبيعة العمليات النوعية التي قام بها الجهاز في القتل والتنكيل، خاصة في أوساط الطلاب، حيث يورد اسماء الضحايا وقاتليهم والكيفية التي تمّت بها تلك الأعمال الإجرامية الخسيسة، مدعمة بصور شخصية للعاملين والقتلة للذين ارتكبوا تلك الجرائم ومآلاتهم بعد أن أشبعوا رغائبهم وغرائزهم، ولسوف يتعرف عليهم الرأي العام السوداني للمرة الأولى.

في فصل آخر قام المؤلف برصد كل جرائم الدم الجنائية التي ارتكبها النظام منذ العام 1989 وحتى العام المنصرم 2015 قال عنها في مطلع الفصل (نوثق هنا لجرائم القتل الفردي، منها ما هو معلوم وحصلنا فيه على مزيد من المعلومات، ومنها ما لم نكن نعلمه رغم التصاقنا بهذه القضية التصاق الوشم بالجلد. وبرغم اجتهادنا السابق في محاولة رصد كل خطايا وموبقات هذا النظام، وبرغم تقادم السنين يكاد المرء يشعر بأنفاس الضحايا وأنينهم الصامت جراء التعذيب الذي أفضى إلى الموت).

وفي السياق نفسه لم يكتف المؤلف بتوثيق جرائم الجهاز ضد معارضيه، وإنما امتد ذلك إلى منسوبي الحركة الإسلاموية كذلك، وشرح الكيفية التي تمَّ التخلص بها منهم بطرق مختلفة في القتل والاختفاء القسري، وقال إن الواجب الإنساني والأخلاقي والمهني يحتم توثيقاً شاملاً وعدم التفريق بين الأنفس رغم الاختلاف السياسي.

لم يكتف المؤلف بإحصاء عدد الضحايا والروايات التي صاحبت مقتلهم، ولكنه قام بجمع الأدلة حول الذين ارتكبوا تلك الجرائم وقام بإيراد نماذج منهم في فصل اسماه (من القاتل؟!) في توثيق محكم قال إنه ارتأى أن يكون بمثابة وثيقة اتهام ينتظر منها أن تزلزل الأرض تحت أقدام مرتكبيها.

خصص المؤلف أكثر من ثلث الكتاب لنشر وثائق مختلفة، قال في مقدمتها (إن عدد الوثائق التي حصلنا عليها من مصادرنا بلغت نحو ثلاثمائة وسبعة وخمسون وثيقة، ونسبة لكثرتها اضطررنا إلى انتخاب واحد وخمسين وثيقة فقط تتسق محتوياتها ومادة الكتاب، على أن يتم استخدام ما تبقى في عمل فضائحي آخر.

بيد أنه ذكر أن معظمها تركز حول اختراق الجهاز نفسه لثلاث شرائح من القوى المعارضة والناشطة في الساحة السودانية، وهي القوى الحزبية السياسية والحركات المسلحة والمنظمات الطالبية والشبابية.

الجدير بالذكر أن الكتاب يقع في نحو اربعمائة وعشر صفحة من الحجم الكبير، ضم بين دفتيه نحو سبعة فصول بالإضافة إلى الملاحق والوثائق والخاتمة.

هذا هو الكتاب السادس للمؤلف، حيث نشر من قبل (الخندق/دولة الفساد والاستبداد) وكذلك (سقوط الأقنعة/سنوات الأمل والخيبة) و (محنة النخبة السودانية) إلى جانب مطبوعات أخرى.

في تصريح خاص بـ (التغيير) قال المؤلف إن هذا العمل استغرق عاماً كاملاً نسبة لدقة القضايا التي تناولها وحساسيتها وتعدد المصادر، وأضاف أنه على يقين أن هذا الكتاب سوف يُحدث صدى صادماً ويزلزل الأرض تحت أقدام العصبة الحاكمة، وأشار إلى أنه يعد أكبر وأخطر اختراق في تاريخ الحركة الإسلاموية على مدى سنواتها في سدة السلطة التي تطاولت لأكثر من ربع قرن.

وأضاف لن يكون أمام القائمين على أمر الجهاز سوى عض أصابع الندم على الأموال الطائلة التي أهدروها في تشييد بنائه فوق جماجم أهل السودان، ولكن بعد أن يضحك أهل السودان أنفسهم على الفرعون وهو يسير عارياً. وستبدي الأيام للعصبة ما يجهلونه في ضآلة الخيارات، فإما الإقدام ساعتئذ على حل الجهاز بعد أن فككناه “طوبة.. طوبة” وإما الإبقاء عليه بتلك العورة المكشوفة إلى حين حدوث الطامة الكبرى.