سيف الدولة حمدناالله *مشاعر الدولب لا تستحق "فانوس" *باختصار هذه هي ممتلكات علي عثمان! * بدلا من تكريم تهاني تور الدبة عليهم ان يثبتوا ان الممنوعات المضبوطة "بوكيه ورد"!

أكثر ما يُدهِش في كيزان السودان في مسألة دفاعهم عن بعضهم البعض وعن نظامهم أن لديهم – بلا إستثناء – مقدرة على مغالطة الحقيقة مهما كان بيانها بحيث يستطيع الواحد منهم أن يُنفق نصف نهار ليقنعك بأن البنطون وهو في عرض النهر  شاحنة “دفّار”، وليست هذه خِصلة جديدة، فقد إستمعت في بداية حكم الإنقاذ إلى برنامج إذاعي يؤكّد فيه مُقدّمه أن الشعب يعيش في سعادة وإبتهاج من تقييد حركته الليلية بسبب حظر التجول الذي كانت تفرضه الإنقاذ لشهور طويلة في بداية حكمها، وفي تفسير ذلك قال صاحب البرنامج أن النساء سُعِدن بذلك ويطالبن السلطات بإستمرار حظر التجوّل لكونه قد تسبّب في ترك أزواجهن لصياعة الليالي بعد أن إضطروا للعودة إلى مخادعهن  من مغارب، وأن الآباء قد سُعدوا به أيضاً لأنه أتاح لهم فرصة البقاء بالمنازل لمعاونة أبنائهم على إستذكار دروسهم وحل واجباتهم المدرسية … هكذا.

 

بكل أسف، هذا منهج تفكير جماعة النظام وليس مجرد رَوَاشة وسوء تقدير، ويصح أن يُطلق عليه وصف الكاريكاتير، فالنظام دائماً ما يرسم مثل هذه الصور التي يُضحِك بها عليه العالم وهو يعتقد أنها رسم سريالي جاد يستحق التأمل، فقد قام النظام بمكافأة الشخص المسئول عن توقيع إتفاقية نيفاشا التي إنتهت إلى تجزئة الوطن (علي عثمان) وتثبيته في منصب نائب رئيس الجمهورية في الوقت الذي كان ينبغي فيه تخفيض درجته إلى موظف إستقبال، فهو الذي تسبّب بقصر نظره في إغفاله لتداعيات تلك الإتفاقية على مناطق أخرى بخلاف الجنوب في غياب تعريف الإتفاقية بوجه دقيق لمفهوم المشورة الشعبية الذي مُنِح لمناطق أخرى وفُهِم منه أنه حق تقرير المصير، بالإضافة إلى إغفال تحديد من تنطبق عليهم صفة (الأهالي) الذين يحق لهم التصويت في الإستفتاء الذي يحدد تبعية منطقة (أبيي)، وقد أدى الغموض الأخير بالفعل إلى إندلاع حرب بين دولتي الشمال والجنوب قبل أن تنطفئ تحت رماد هش، ولم يؤخر إندلاعها من جديد غيرإنشغال الجنوب بمشاكل أكثر تعقيداً. (كافأت الإنقاذ أعضاء اللجان الفنية الذين شاركوا في مفاوضات نيفاشا بتعيينهم وزراء دولة من بينهم إدريس عبدالقادر “بالرئاسة” والفاتح علي صديق “بالمالية” والطبيب أمن محمد مختار “بمجلس الوزراء”) .

 

وفي كل مراحل حكمها، لم تتخلّى الإنقاذ عن هذه الخِصلة الرذيلة في رسم الصور الكاريكاتيرية فيما تقول وتفعل، ففي الشهر الذي أرسل فيه النظام (سبتمبر 2011) عدد (5) ألف رأس من البقر هدية للشعب  المصري، صرّح وكيل وزارة الثروة الحيوانية  بأن السودان يغطّي فجوة نقص اللحوم بإستيراد الأبقار من دولة إثيوبيا (صحيفة الرأي العام 21 سبتمبر 2011)، وهو نفس اليوم الذي وافق ظهور الدكتور عبدالحليم المتعافي (كان يشغل منصب وزير الزراعة) على شاشة قناة الشروق وهو يقول بإبتسامة تُغطّي الشاشة أنه يؤكد بأن شعار نأكل مما نزرع قد أصبح حقيقة وأن السودان سوف يكتفي ذاتياً من المنتجات الزراعية في ذلك الموسم وما يليه.

 

في بحر هذا الشهر قدّمت جماعة النظام ثلاث صور كاريكاتيرية دفعة واحدة وكأن الشعب ينقصه هذا الضلال، فقد طالعت خبراً في شكل إعلان بصحيفة الرأي العام (13 ديسمبر 2015) يقول فحواه أن عدة جهات تقوم بتنظيم حفل كبير بقاعة دار إتحاد المصارف لتكريم السيدة تهاني تورالدبة وزيرة الدولة بوزارة العدل، وسبب التكريم – بحسب نص الخبر – أنه: (يأتي كرد على الجهات التي طالبت بإقالة الوزيرة عقب القضية الشهيرة).

 

في القانون، من يقوم بمثل هذا الفعل يُسمّى بالطفولي (من التطفّل)، وبالبلدي يُقال له “مُتلقّي حِجَج”، كأن يقوم شخص من عنده بسداد دين على ذمة آخر، أو شرائه لشيئ ودفع ثمنه لصالح آخر دون أن يوكله في ذلك..الخ، ويستلزم القانون لسريان مثل هذا التصرف أن يُجيزه من صدر في حقه، ولا أعتقد أن “تورالدبة” سوف تجيز ذلك، فآخر ما تتمناه وزيرة الدولة بالعدل أن يأتي من يُذكرها بموضوع هذه القضية، وغاية ما يرغب شخص في وضعها أن تنفض سيرة هذه القضية لا أن تُشَعلَل من جديد، فقد ثبتت الوزيرة في وظيفتها وتريد معالجة قضية نجلها في هدوء وبعيداً عن الأضواء التي قد تتسلّط عليها من وراء مثل هذا التكريم.

 

ثم أن الرد على الذين طالبوا بإقالتها لا يكون بتكريمها، وإنما بدحض المزاعم التي دفعت للمناداة بعزلها من منصبها، كأن يُقال بأن الذي ضُبط في حيازة نجل الست الوزيرة كان “بوكيه ورد” وليس ممنوعات، أو أن يُقال بأن الوزيرة لم تستغل منصبها بإصطحابها لوكيل النيابة المختص إلى قسم الشرطة لإطلاق سراح إبنها في فجرية ذلك اليوم، وأن تواجدها هناك قد حدث صدفة عندما كانت تقوم بمراجعة حالات الموقوفين بالحراسات، وأن زميل إبنها الذي ضُبط معه لم يفرج عنه لكونه مطلوب في قضايا أخرى ..الخ، فما الذي يُغيّره توزيع تمر بقاعة الإحتفال مع مثل الحقائق الثابتة بالقضية !! وما الذي سيقوله الخُطباء في حفل التكريم !! بل، ما وجه التكريم في الأساس !!  فالتكريم الذي كانت تستحقّه الوزيرة لو أنها تمسّكت بإستقالتها، لا في التهوين من الفعل الذي نُسب إليها وهو في حقيقته جريمة يعاقب عليها القانون “التأثير على سير العدالة”.

 

ثاني كاريكاتيرات هذا الشهر، كان منح ميدالية نجمة الإنجاز لوزيرة الرعاية والضمان الإجتماعي السيدة/ مشاعر الدولب، ومن يسمع مثل هذا الخبر لا بد أن يسأل: ما الذي أنجزته الدولب في مجال الضمان الإجتماعي حتى تستحق عليه نجمة الإنجاز !! ففي حديثها لبرنامج مؤتمر إذاعي بالإذاعة القومية الذي نُشر بالصحف في نفس يوم حصولها على النجمة، قالت الدولب أنها تعترف بعجز الصندوق القومي للتأمين الصحي عن تغطية المستوى الثالث من الأمراض مثل القلب والكلى والسرطان، وبكلام آخر، أن وزارتها لا تقدم عوناً للمصابين بهذه الأمراض، كما ذكرت بأن كل الذي تغطيه موازنة هذا العام بالتأمين الصحي (400) ألف أسرة، وأن التغطية الشاملة للفقراء من المنتظر أن تتم بحلول العام (2020)، وأن وزارتها رصدت مبلغ (100) جنيه شهرياً لكل واحد من أرباب المعاشات (8 دولارات).

 

هذا إنجاز يُجرّد صاحبه من النجمة لا تقليده إيّاها، فالوزيرة التي تستحق نجمة الإنجاز وهي تعمل في مثل هذا القطاع، هي التي التي تقف أمام الحكومة وتعلن رفضها للضرائب التي تفرضها على الفقراء والمساكين وتتركهم في حالهم، لا أن تمن عليهم بمنحهم جزءاً من الأموال التي تجمعها منهم، فكل النعيم الذي يعيش فيه أقطاب النظام هو من فضلة خير هؤلاء الغلابة، فالضرائب هي المورد الأساسي لخزينة الدولة التي تبددها في رفاهية الوزراء وكبار المسئولين بشراء السيارات والأثاث المكتبي وتكييف المكاتب ..الخ، ثم، من يتحمل هذه الضريبة غير هؤلاء التعساء والفقراء !!

 

كانت الوزيرة تستحق نجمة الإنجاز لو أنها صرخت في وجه عساكر البلدية ليوقفوا حملات التكسير التي ينشطوا فيها كل صباح لأواني النساء اللائي يفترشنها على الأرض حتى يستطعن إعالة صغارهن الأيتام، وأن تطلب منهم إحسان معاملتهن معاملة آدمية، وأن تثور في وجه العواطلية الذين يجلسون مدراء ومشرفين في مكتب “إدارة الدرداقات” التابعة للمحليات الذين يقتاتون من عرق أطفال هجروا صفوف الدراسة للعمل عليها (الدرداقات) حتى يستطيعوا مساعدة أمهاتهم وإخوانهم اليفّع. فأين الإنجاز الذي تستحق عليه الوزيرة النجمة أو فانوس !!

 

أما ثالث كاريكاتيرات الشهر فهو الخبر الذي نُشر حول إستنفار عدد من كيزان السودان بعضهم البعض بغرض تدبير مبلغ لشراء منزل للسيد علي عثمان محمد طه الذي قيل أنه أخلى منزله الحكومي ولا يمتلك مسكناً يأويه وعائلته، حتى أنه  – يا عيني – أضطر لأن يسكن في مزرعة يمتلكها بمنطقة السليت.

 

ميزة شعب السودان أن كل فرد فيه يعلم بير كل مسئول وغطاها، فهو يعلم ظروف كل مسئول ومن أين جاء، وأين كان يسكن قبل تعيينه في المنصب، وماهي ممتلكاته السابقة وممتلكاته الحالية .. إلخ، وعلي عثمان ليس إستثناء، فالشعب يعرف أنه رجل شاطر وعُصامي تربّى في “قشلاق” حرس حديقة الحيوان بالخرطوم غرب حيث كان يعمل والده، وأنه تخرّج في كلية القانون جامعة الخرطوم، وعمل لفترة قصيرة بالقضاء قبل أن يستقيل ليتفرغ لأعمال الحزب، ولا يُعرف له وسيلة ظاهرة لكسب العيش منذ ذلك الوقت حتى أصبح وزيراً ثم نائباً أول لرئيس الجمهورية في عهد الإنقاذ. والجميع يعرف بأنه ليس صحيحاً أن علي عثمان رجل فقير ومُعسِر كما جاء في خطاب النفرة التي أعلن عنها رفقاء حزبه، فقد كان يعيش في بيت ملك حكر بمدينة الرياض يفتح على الشارع الرئيسي الذي يفصل بين إمتداد ناصر ومدينة الرياض ناحية “أوماك”، كما أنه باشا يمتلك عِزبة عليها مباني تصلح للسكن بحسب ما ورد في البيان.

 

ثم أن علي عثمان طبقاً لقانون معاشات الدستوريين الصادر بالقرار 108/2005 لا ينقطع أجره ومخصصاته كنائب لرئيس الجمهورية بنهاية عهده بالوظيفة، فهو يتقاضى أجره كاملاً مع البدلات بما في ذلك السكن طيلة حياته ثم يتمدد ذلك إلى الأحياء من أسرته بعد وفاته بعد عمر طويل، كما يُمنح عربة تُجدّد كل خمسة سنوات، ومن حقه مع عائلته الحصول على تذاكر سفر داخلية وخارجية فضلاً عن العلاج المجاني له وعائلته بالداخل والخارج. (يشمل هذا القانون كل رؤساء الجمهورية السابقين منذ فجر الإستقلال وكذلك أعضاء مجالس السيادة وأعضاء مجالس الثورة ورؤساء الوزارة ورؤساء البرلمان ورؤساء القضاء وفئات أخرى بالقوات النظامية).

 

أما فاكهة كريكاتيرات هذا الشهر فهي منح وسام الجمهورية للمذيع عمر الجزلي بقرار يسبق فيه إسمه كلمة دكتور.

حقاً الكوز للكوز رحمة وبقية الشعب لا يزالون … فرِّيجة !!

saifuldawlah@hotmail.com