*عماد الصادق إسماعيل معتقل منذ 14 ديسمبر 2015 ولا يعلم أحد تهمته او مكان وظروف اعتقاله *جهاز الأمن استخدم تعسفيا سلطات"غير دستورية" * هذا يرقى لمستوى "الإخفاء القسري" 

عماد الصادق إسماعيل من شباب حزب الأمة القومي، وكان من الناشطين أثناء فترة احتجاجات سبتمبر 2011 وقد تعرض للاعتقال والتعذيب إبان المظاهرات، تم اعتقاله في الرابع عشر من ديسمبر 2015 دون توجيه تهمة او اتخاذ أي إجراء قانوني بشأنه، حيث تم اقتياده الى جهة غير معلومة ولم يسمح له بمقابلة محامي أو مقابلة أحد من أفراد أسرته، وهناك مخاوف من تعرضه للتعذيب.

فيما نص الطعن الدستورى الذى تقدم به الأستاذ نبيل اديب المحامى ضد اعتقال عماد الصادق إسماعيل لدى المحكمة الدستورية

 

فيما بين

 

عماد الصادق إسماعيل

ضـــــــــد

 

جهاز الامن والمخابرات الوطني

 

مطعون ضده

 

م د/ ط د /       / 2015

 

دعوى حماية حق دستوري

 

السادة رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية

 

المبجلين

 

بكل تقدير واحترام ونيابة عن الطاعن اعلاه يلتمس الطاعن إقامة هذه الدعوى إبتغاءً لحماية حقوقه الدستورية التي إنتهكها المطعون ضده، ليس فقط بالإستناد على سلطات قانونية مخالفة للدستور، ولكن أيضاً بإستخدام تلك السلطات بشكل تعسفي لغير الغرض الذي شرعت من أجله، وذلك على النحو الذي نفصله فيما يلي:

 

    في أو حوالي الرابع عشر من ديسمبر /2014م إعتقل المطعون ضده الطاعن من منزله وإقتاده إلى مكان غير معلوم .

    حتى تقديم هذه الدعوى لم يُقدم الطاعن لأي جهة عدلية لتفصل في قانونية الإعتقال ولم يُسمح له بمقابلة محامي ولا أي فرد من أفراد أسرته.

    إستخدم المطعون ضده سلطاته بشكل متعسف مما إنتهك حق الطاعن في الأمان وذلك حين عمد للقبض على الطاعن وحبسه بدون وجود أي إشتباه بإرتكابه فعل يهدد أمن السودان القومي، أو دستوره، أونسيجه الإجتماعي، وسلامة مواطنيه، ودون وجود أي إشتباه بقيام الطاعن بنشاط هدام، في مجالات التجسس، والإرهاب، والتطرف، والتآمر، والتخريب. أو قيامه بأفعال تهدد الشخصيات الهامة والمرافق العامة، وهي الأفعال التي تدخل مقاومتها ضمن إختصاص المطعون ضده بموجب المادة 24 من قانونه. وكذلك دون أن يكون ما قام به الطاعن يكشف عن ما يهدد أمن وسلامة المواطن، وترويع المجتمع عن طريق النهب المسلح، أو الفتنة الدينية، أو العنصرية، أو الإرهاب، أو تخريب السلام، أو ممارسة العنف السياسي، أو التخابر ضد الوطن. و ذلك كل ما أورده القانون من أسباب الإعتقال المتصلة بالتحري وفق المادة 50 ح من نفس القانون. وكل ما أوردنا من مهددات هي المبررات التي أسس عليها المشرع ما منحه للمطعون ضدها الثانية من سلطة قانونية، في المادة (50/هــ) يقبض بموجبها أو يحجز أي شخص مشتبه فيه لمدد متطاولة بدون مراجعة قانونية.

    إعتقال الطاعن تم بإنتهاك حقوقه الدستورية الواردة في النصوص أدناه:

 

تنص المادة 29 من الدستور، على أنه لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها، إلا لأسباب، ووفقاً لإجراءات، يحددها القانون. وتنص المادة 3 من الدستورالإنتقالى على ما يلي ((الدستور القومي الإنتقالي هو القانون الأعلى للبلاد، وتتوافق معه دساتير الولايات، وجميع القوانين ))

 

و تنص المادة 27 من الدستور على ما يلى(1)(( تكون وثيقة الحقوق عهداً بين كافة أهل السودان، وبينهم وبين حكوماتهم على كل مستوى، وإلتزاماً من جانبهم بأن يحترموا حقوق الإنسان، والحريات الأساسية المضمنة في هذا الدستور، وأن يعملوا على ترقيتها، وتعتبر حجر الأساس للعدالة الإجتماعية والمساواة والديمقراطية في السودان)) .

 

(2)(( تحمي الدولة هذه الوثيقة وتعززها وتضمنها وتنفذها )) .

 

(3)(( تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الإتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة )).

 

(4) ((تنظم التشريعات الحقوق والحريات المضمنة في هذه الوثيقة ولا تصادرها أو تنتقص منها)) .

 

تنص المادة (9) من العهد الدولي للحقوق المدنية السياسية على ما يلى

 

    لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه.

    يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.

    يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.

    لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف، أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة، لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.

    لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.

 

و تنص المادة (6) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوبEvery individual shall have the right to liberty and to the security of his person. No one may be deprived of his freedom except for reasons and conditions previously laid down by law. In particular, no one may be arbitrarily arrested or detained

 

    ويلاحظ أن المادة “29” من الدستور لا تقتصر على حماية الحرية الشخصية، بل تلزم الدولة أيضاً بتوفير الأمان لمن هم على أرضها، وذلك بمنع ما يهدر أمنهم الشخصي من أي مصدر كان، كما ويجب أن تمتنع هي نفسها عن تهديد المواطنين، وإفقادهم للشعور بالأمان عن طريق قوات الضبط فيها، لذلك فقد رأت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى دياس ضد أنقولا، أن الحكومة الأنجولية قد أهدرت حق المدعى في الأمان عن طريق قواتها الأمنية، وخرق الحق فى الأمان يتم أيضاً بمنح سلطات تحكمية لأجهزة الدولة، لأن ذلك لا يخرق حريتهم الشخصية فقط ، بل حقهم فى الأمان أيضاً.

    فشل المطعون ضده في أن يوضح للمقبوض عليه سبب الإعتقال. تحديد أسباب الإعتقال من الوهلة الأولى هى مسألة محورية، لأنها تتصل بحق الحرية الشخصية، والحق فى المحاكمة العادلة، وهما من أهم الحقوق الدستورية. الإعتقال يؤدى إلى توقيع عقوبة الحبس بدون حكم قضائى، كما وأن إحتجاز المتهم بغير مبرر يؤدي إلى حرمانه من تحضير دفاعه. لذلك فإن إستخدام قانون يسمح بإعتقال متطاول دون أن يلزم بالإفضاء بسببه يعتبر إعتقالاً متعسفاً. وقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى Womah Mukong V. Cameroon Communication No. 458/1991, U.N. Doc. CCPR/C/51/D/458/1991 (1994). أن القبض التعسفي لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل يجب أن يفسر تفسيراً واسعاً، بحيث يشمل معاني مثل أن يكون غير مناسب، وغير عادل، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون، وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلاً. “‘arbitrariness’ is not to be equated with ‘against the law’, but must be interpreted more broadly to include elements of inappropriateness,injustice, lack of predictability and due process of law. … [T]his means that remand in custody pursuant to lawful arrest must not only be lawful but reasonable in the circumstances. Remand in custody must further be necessary in all the circumstances, for example, to prevent flight, interference with evidence or the recurrence of crime”أنظر أيضاً قرار لجنة حقوق الإنسان الإفريقيCommunication 275/2003, Article 19 v. Eritrea, para. 93Communication No. 711/1996. 20 March 1998.

    رفض المطعون ضده السماح للطاعن بمقابلة محام من إختياره وهو حق توفره له المادة 34 (6) من الدستور، إستناداً إلى أن المادة 51 من قانون الأمن الوطني لا توفر له حق مقابلة محاميه، إلا إذا كان ذلك لا يضر بسير الإستجواب والتحرى. إن الإشتراط الوارد بالمادة لا يجوز الإستناد عليه لحجب حق دستوري. حق الإستعانة بمحامي يشمل كل الإجراءات الجنائية، بدءاً من لحظة إتصال قوات الضبط بالمشتبه فيه بغرض التحري معه عن ظروف وملابسات الجريمة، أو بغرض إتخاذ أي إجراء من إجراءات الضبط ضده كالقبض أو الأستدعاء أو التفتيش. ولكى تكون الإستعانة بمحام فعالة، يجب أن تكون سابقة للإدلاء بأي أقوال. كما ويجب أن تكون سرية لايجوز التنصت عليها، و لا يجوز للمحامي نفسه كشفها يقول sothoni فى معجمه عن قانون الإجراءات الجنائية ” مهما بلغت خطورة الجريمة التى يكون الشخص متهماً بإرتكابها، فإنه يجب أن يكون لمحاميه الفرصة فى أن يقابله، ويأخذ منه المعلومات اللازمة، دون أن يكون هنالك شرطى على مرمى سمع منهما . إهدار هذا الحق يهدر مبدأين أوليين أساسيين فى الفقه الجنائي: الأول أن المتهم برئ حتى تثبت إدانتة، والثانى هو أن كل الإتصالات بين المتهم ومستشاريه القانونيين هى إتصالات سرية ومحمية

    ورغم أن المادة 29 من الدستور تجيز تقييد حرية الشخص لأسباب، ووفقاً لإجراءات، ينص عليها القانون، إلا أن هذا لا يعني أن للسلطة التشريعية أن تحدد وفق هواها تلك الأسباب، أو تلك الإجراءات، بل عليها أن تحدد ذلك وفق الحدود الدستورية للتشريع، حسبما جاءت في المادتين “27” (3) أو (4) من الدستور، فعليها أن تراعي عندما تحدد أسباب القبض المواثيق والعهود والإتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان، كما ويجب على المشرع حين ينظم سلطة القبض أن يراعي أنه لا يجوز له أن يمس الحق في المحاكمة العادلة، ولا يجوز له الإنتقاص من الحق في الحرية الشخصية، وإنما يجوز له فقط أن يخضعه إستثناءً لقيود مؤقتة، بشرط أن تكون تلك القيود ضرورية لتطبيق العدالة .

 

وهذه الأحكام يجب أن تتقيد أيضاً بالعهود الدولية الخاصة بالحريات العامة، ليس فقط تلك التي صادق عليها السودان، والتى جعلها الدستور ضمن أحكامه، بل أيضاً العهود الدولية التي لم يصادق عليها السودان، متى كانت تقنيناً للعرف الدولي، أو أصبحت جزءاً من العرف الدولي ،كإتفاقية مناهضة التعذيب مثلاً، فهذه العهود تظل أحكامها ملزمة للمشرع السوداني، سواء صدق السودان على تلك الإتفاقيات أم لم يصدق.

 

في دعوى كيمانش ضد فرنسا ذكرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن القبض يجب أن يكون متفقاً مع القواعد التي وضعها القانون الداخلي للدولة المعنية ،ولكن القانون الداخلى يجب أن يتفق مع الأسس التي وضعها العهد الأوروبي لحقوق الإنسان، بحيث لا يكون القبض صحيحاً إذا تم وفقاً لقانون داخلي يتعارض مع ذلك العهد،.وهذا المبدأ هو مبدأ عام لايتصل بالعهد الأوروبى فقط ، إذ أن القوانين الداخلية يجب عليها أن تتقيد بالمستوى الدولي المطلوب، وفقاً للعهود الدولية العامة الخاصة بحقوق الإنسان، والتي أصبحت ملزمة للجميع.

 

    قام المطعون ضده بحبس الطاعن في مكان مجهول بالنسبة لأسرته، ولم يودعه في مكان معترف به رسميا وخاضع للمراقبة. ولم يمنحه إذناً للإتصال بأسرته أو محاميه أو أي شخص آخر وفق إختياره، ولم يسمح له بتلقي زيارة أيا منهم، مما يرقى لإرتكاب جريمة تعريض الطاعن للإختفاء القسري، وهي أحد جرائم القانون الدولي العرفي التي تبنتها الأمم المتحدة في إتفاقية مناهضة الإختفاء القسري. ولايجوز هنا التذرع بأن السودان ليس طرفاً في الأتفاقية لأن هذه الأحكام هي جزء من القانون الدولي العرفي والذي إنقدح في ضمير البشرية، منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، حين إكتشف المجتمع الدولي الجرائم التي إرتكبها النازي في حق الأشخاص الذين تعرضوا للإختفاء القسري، وقد تم تبني هذه المبادئ بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 47/133 المؤرخ في 18 كانون الأول/ديسمبر 1992 .

    رفض المطعون ضده أستناداً على المادة 51 (10) للطاعن أن يعرض حالته أمام قاض للفصل في دستورية إعتقاله، مما يخرق حقوق مقدم الطلب الدستورية التى كفلتها له المادة 9 (4) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ونصها ” لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.” وهذا في حد ذاته وبعض النظر عن ما إذا كان القانون يسمح بذلك أم لا يسمح يقدح في دستورية الإعتقال.

    لكل ذلك نلتمس أن تصدروا الأوامر التالية في مواجهة المطعون ضده:

    إعلان عدم دستورية إحتجاز الطاعن والأمر بإطلاق سراحه فوراً

    الحكم للطاعن بتعويض إسمي مقداره ألف جنيه .

    الإحتفاظ للطاعن بالحق في التعويض عندما تظهر نتائج الأضرار التي أصابته وتصيبه من جراء إعتقاله غير الدستوري والمتعسف.

 

وتفضلوا بقبول فائق الشكر.

 

نبيل أديب عبدالله

 

المحامي