د. محمد محمد الأمين عبد الرازق كتب د. محمد وقيع الله بصحيفة الصيحة، مقالا ينتقد فيه الجمهوريين في ما يسميه "حولية" شيخهم، وهو يقصد ذكرى الوقفة التاريخية ضد الهوس الديني في 18 يناير 1985م والتي أظلتنا نفحاتها العطرة هذا الشهر، ويعتبرها "موسما للنحيب" 

وقد ورد عنها في مقاله: (ومن الراجح أن تصبح هذه “الحولية” عبر الزمن مناسبة تقليدية وممارسة رجعية لتمجيد الشيخ في شخصه وخلع شتى النعوت الخرافية المزعومة عليه) انتهى..

الحقيقة التي يحاول د. محمد تغطيتها بهذا “الأمنيات” التي لا ترتكز على أساس من الواقع، هي أن المجتمع المسلم لم يقف وجها لوجه أمام دعوة الأستاذ محمود كما يحدث هذه الأيام بظهور (داعش) وأخواتها.. فأصل هذه الدعوة، هو بعث السنة المتمثلة في أصول القرآن، التي نسخت في القرن السابع لأنها بالتجربة العملية اتضح أنها أكبر من قامة ذلك الوقت، فاستبدلت بقرآن الفروع المدنية.. والجمهوريون حاضرون بطرحهم الفكري باستمرار، ولا تقتصر حركة دعوتهم على “حولية” وقيع الله المزعومة، ولعله- أعني د. محمد، يعلم بمقالات الأستاذ خالد الحاج  التي نشرت بصحيفة الوطن وجميع المواقع على الانترنت، خلال أغسطس الماضي، حول كيف أخرجت الفكرة الجمهورية من الإسلام الطريق للتخلص من فتن الهوس الديني حيثما حلت، وما لاقته تلك المقالات من استحسان من المثقفين على مختلف توجهاتهم الفكرية، وأنا هنا أهديه هذا الجزء من تلك المقالات:

        (من المؤكد أن أعمال داعش كلها مفارقة للدين بصورة صارخة.. ولكن مفهوم الجهاد الذي تبني عليه، هو من حيث المبدأ صحيح تماماً في الشريعة، ويقوم على النصوص الواضحة من القرآن والسنة، وعلى التطبيق العملي، في القرن السابع الميلادي.. وأيّ داعية إسلامي، يدعو لتطبيق الشريعة كما هي، هو بالضرورة يدعو للجهاد بالسيف، ولذلك وجد المسلمون أنفسهم في حرجٍ شديد، فهم لا يفرقون بين الشريعة والدين، والشريعة في بعض جوانبها تقوم على مبادئ ترتبط بالقرن السابع الميلادي، ومن المستحيل تطبيقها في القرن العشرين، وما بعده.. وأوضح نموذج لهذه المبادئ، هو الجهاد بالسيف.. والمخرج من هذا الحرج، بل ومن كل حرج، موجود في الإسلام نفسه.. فقد جاءت دعوة الأستاذ محمود محمد طه تدعوهم للخروج من هذا الحرج، وتبصرهم بما في القرآن من خير لهم وللإنسانية جمعاء، ومن حل لمشاكلهم كلها، وعلى رأسها مشكلة الحرب وتحقيق السلام.. والأمر واضح جداً، وهو في أبسط صوره يقوم على ما في القرآن من (مثاني)، وعلى المستويين من الخطاب:

 المستوى الأول الذي وقع عليه التطبيق في القرن السابع الميلادي.. والمستوى الثاني الذي قامت عليه حياة المعصوم وحده، ولم يطبق على المجتمع.. وكلا المستويين يقوم على النصوص الواضحة من القرآن والأحاديث.. ومن حكمة كون القرآن جاء بهذه الصورة، أنه خطاب للإنسانية جمعاء، تنزل لمستوى الناس في القرن السابع، وظلت أصوله معاشة عند النبي الكريم، مُرجأة للوقت الذي ترتفع فيه البشرية لمستواها، فيُشرع لها في مستوى الأصول..

       ففي القرآن، توجد نصوص الشريعة، التي تدعو للجهاد بالسيف، وهنالك أيضاً نصوص الأصول، التي تمنع القتال، وتدعو للاسماح.. فإما أن نأخذ بآيات الأصول، التي هي أكمل من حيث التوحيد، ومن حيث كرامة الإنسان، ثم كانت عليها حياة النبي صلى الله عليه وسلم، في خاصة نفسه.. أو نأخذ بالفروع، ومن بينها الجهاد بالسيف، فنجعل من أنفسنا أوصياء على بعضنا البعض، وأوصياء على الإنسانية جمعاء، علماً بأن الله تعالى، يأمرنا بأن نتبع أحسن ما أنزل إلينا “وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ”.. ولا يمكن أن يكون هنالك خلاف موضوعي حول أن ما هو أحسن، فهو بداهة آيات الأصول، للاعتبارات التي ذكرناها أعلاه..

       إما أن نتبع “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ”، وأخواتها وهن كُثر.. أو نتبع “فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ” –آية السيف – وما يقوم عليها من نصوص.. علماً بأن تطبيق هذه النصوص أصبح أمراً مستحيلاً، بسبب التطور في السلاح الذي ذكرناه.. فجميع المسلمين اليوم، لا يساوون شيئاً، من الناحية العسكرية مقارنة مع غيرهم.. وعملياً، لن ينتصر المسلمون، في حرب ضد خصومهم من الغربيين، ولو استطاعوا التحصل على السلاح النووي!! وذلك لأن نتيجة الحرب بهذه الأسلحة، من المؤكد هي فناء الحياة على الأرض.. وأهم من ذلك، أن من يدعو للجهاد، هو بالضرورة مخزي، لأنه يدعو لخلاف مرضاة الله.. والله تعالى، لا ينصر من يعصيه ويعمل ضد مرضاته.. عملياً نحن، ممثلين في داعش وجماعات الإسلام السياسي، لم نتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، وقد أتانا العذاب ونحن لا نشعر أنه عذاب من الله، بسبب مخالفتنا لأمره!!) انتهى..

إذن، الأفكار حاضرة في الميدان، ويوجد لها موقع (alfikra.org)، فعلى د. وقيع الله أن يبرز لمناقشتها بدل الهروب وتعمد نشر أقاويل لم ترد قطعا في كتب صاحب الدعوة، الذي هو الحجة الأساسية الوحيدة لصحة دعوته من الناحية العلمية، وصاحبنا وقيع الله باحث فيما نرى وأظنه يعلم هذه البداهة.. فإذا كان الأمر كذلك، لا تجد أي معنى لقول د. وقيع الله هذا:        

(ولكن يحلو لجميع الجمهوريين بعد ذلك أن يتمسحوا في مسيحهم المزعوم وأن ينسبوا إليه من المناقب ما يصوره في شكل قديس أو نبي أو نصف إله! وبهذا تحولت الدعوة الجمهورية إلى الطور “الطائفي” الذي تتجسد فيه الفكرة في شخص زعيمها وتتجمد فيه.. ويصبح الحديث المتكرر عن شخص الزعيم بديلا للحديث عن مباديء الدعوة ومفاهيمها وتعاليمها) انتهى..

يا  د. محمد وقيع الله، هذه هي المباديء والأفكار أمامك فقل لنا أين الصحيح فيها وأين الخطأ، ودع “الحشو” الذي ملأت به مقالك فهو لا يسمن ولا يغني من جوع.. وإذا أزعجتك حشرات وصراصير فرشها بالمبيدات، وإذا تراكمت الأواني القديمة في منزلك فأخرجها لعربة النفايات، وهذا هو ما نفعله نحن الجمهوريين، واترك الأستاذ محمود يفعل ما يراه فكل إنسان يعمل على شاكلته!!

أما قولك: (وفي الواقع فإن المدعو محمود محمد طه قد أبدى اغتباطه علنا بإبادة الأنصار بسلاحي المدفعية والطيران) فما أراه إلا فجور في الخصومة!! فالأستاذ محمود كان على الدوام داعية سلام وضد العنف، وعندما استلمت مايو السلطة وأوقفت الدستور الإسلامي المزيف الذي كاد أن يمر في الجمعية التأسيسية وهو دستور جاهل يلتحف قداسة الإسلام، قال عنها، أي مايو، أنقذت البلاد من فتنة الهوس الديني، ودعا جميع السودانيين ألا يحملوا السلاح في وجهها لأنها سترد بالسلاح أيضا وتراق الدماء في غير طائل.. ثم أخرج كتاب (الصلح خير) أثناء الحوار حول المصالحة الوطنية في منتصف السبعينات، ودعا الأحزاب لأن تطرح أفكارها في المنابر الحرة وتبتعد عن العنف، وعندما ولغت مايو في أخريات أيامها في الهوس الديني تصدى لها بالفكر المسدد وفدى الشعب السوداني من شرها المستطير..   

أليس من حقنا نحن السودانيين، أن نحتفل بهذه الوقفة التاريخية للأستاذ محمود ونستثمرها في نشر تفاصيل فكرته، التي لا يمكن تجاوزها في عصرنا الحالي!!؟؟