** هناك تقدم في مجال الحقوق، لكنه ليس بالحجم الذي نتمناه  ** لا يمكن النظر للمؤتمر الوطني وكأنه كتلة واحدة..!  ** المقاومة لاتعني حمل السلاح فقط،  فهناك محاكم وقضاء ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

حوار / عبدالوهاب همت

الدكتور نبيل أديب المحامي، أحد الوجوه الساطعة في مجال الدفاع عن حقوق  المدنية. يشتهر د.أديب في اوساط الناشطين بتصديه للدفاع عن ضحايا الانتهاكات..رشحته بعثة الاتحاد الأوربي في السودان هذا العام، ووشحته في جنيف بجائزة “أبطال حقوق الإنسان”، وهي جائزة تقديرية تمنح سنوياً لأحد المدافعين عن حقوق الإنسان..في هذا الحوار يجيب د.نبيل أديب على أسئلة “التغيير الألكترونية” التي استعرضت معه بعض قضايا  القانون والحريات العامة و هموم الساحة السياسية السودانية.

*  الجائزة التي منحت لك مؤخراً،ما طبيعتها؟

 ـــ الجائزة اسمها “أبطال حقوق الانسان”،و تمنح سنويا من قبل بعثة الاتحاد الاوربي في السودان لأحد المدافعين عن حوق الانسان، وهي بمثابة تكريم أو كهدية لمنظمات المجتمع المدني والاشخاص الذي يتخذون مواقف ضد انتهاكات حقوق الانسان.

  * يلاحظ في الفترة الأخيرة ، ان الرقابة الدولية على حقوق الانسان لم تكن فاعلة أو نشطة، لماذا برأيك ؟

ــ الرقابة موجودة لكن المشكلة هي أن المصالح الدولية تتحكم فيها، والقانون الدولي لم يأخذ مكانته فوق الأجهزة الرسمية لكل دولة ،بمعنى ان  تلك الاجهزة تمثل الدول المختلفة و تلك الدول تتحرك رغم أن جزء كبير منها يؤمن بحقوق الانسان, لكن عندما تتعارض مصالحها كدولة ، فهي أحياناً، تتنازل عمّا تؤمن به ، وهذا ما لاحظناه اثناء انعقاد جلسات مجلس حقوق الانسان في المرة الاخيرة,، فالشخص عندما يقرأ البيان الصادر من ذلك المجلس، يجد السودان في البند العاشر. كان الناس يتحدثون عن انتهاكات  كبيرة للحقوق، ومع ذلك جاء البيان مؤيداً لمواقف حكومة السودان،  ومرد ذلك للتكتل الافريقي والموقف الذي اتخذته أمريكا لصالح الحكومة السودانية، وهذه كلها مصالح اكثر من كونها مبادئ.

 *هل يمكن القول، في مثل هذه المواقف، بأن “الانتهازية” تلعب دوراً كبيراً على حساب المواقف الاخلاقية والالتزام بمبادئ حقوق الانسان؟

ـــ يمكن ان نقول ذلك، لأنه حتى الآن ما زال القانون الدولي في مرحلة المصالح الخاصة للدول, لكن هناك تقدم، ونحن يجب ان ننظر الى الجزء الممتلئ من الكوب. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن،كانت الامم المتحدة مسئولة من حقوق الانسان وتحكمها مؤسسات رقابية عامة في مجلس حقوق الانسان والمقررين للمسائل المختلفة في  مجال حقوق الانسان ..هناك تقدم، لكنه ليس بالحجم الذي نتمناه، لأن الدولة في النهاية لديها مصالحها، التي تجعلها لا تذهب الى نهاية الطريق فيما يتعلق بحقوق الانسان..

 * في حالة السودان هناك مراكز (سوس, مركز الخرطوم لحقوق الانسان, مركزالأ مل والمرصد)،هذه كلها مراكز تم إغلاقها. الا تعتقد ان المعلومات التي يمكن ان تصل الى الجهات الدولية ربما تكون شحيحة، لعدم وجود مصادر مستقرة وموثوقة؟

ـــ المعلومات واصلة, لكن وكما أوردت في سؤالك، في حالة مركز الخرطوم، رُفعت دعوى لدي اللجنة الافريقية لحقوق الانسان وصدر حكم. وكان قد رفع تلك الدعوى المرحوم عثمان حميدة ومنعم الجاك، حول إغلاق المركز وما تم بخصوص الاعتقال والتعذيب الذي وقع عليهم. وقد استمعت لجنة حقوق الانسان الى كل ذلك وتوصلت الى ان هناك انتهاكات جسيمة ارتكبتها حكومة السودان فيما يتعلق باغلاق مركز الخرطوم. وطلبت اللجنة من الحكومة التراجع عن قرارها والسماح بحرية التنظيم والتجمع السلمي..الخ..لكن الحكومة لم تفعل شيئاً, بالتالي فان اللجنة لا يمكن ان تقوم بشئ سوى ان ترفع الأمر كتوصية لاجتماع رؤساء منظمة الوحدة الافريقية.. هنا نجد أن القضاة قد أدوا واجبهم و درسوا القضية وقرروا، لكن بما انهم لا يملكون قوة تنفيذية، هم يرفعون القرار..

*مقاطعة ..ألا تعتقد أن هناك خللاً؟

 ـــ نعم اعتقد هناك خلل من جانبين,الاول  ان منظمة الوحدة الافريقية ،لا تتابع هذه المسائل ولا تعطيها الاعتبار اللازم كما يحدث لدى منظمات أخرى مثل الاتحاد الاوربي أو منظمة الدول الامريكية .. يستحيل ان دول ترتكب خروقات لحقوق الانسان وتتم ادانتها بواسطة المحكمة الاقليمية و ينتهي الموضوع هكذا، إنما يتم رضوخ الدولة للقانون. الأمر الثاني هناك خلل بين الناشطين في مجالات حقوق الانسان في السودان، إذ انهم لا يتابعون.. المفروض انهم ان يطالبوا ويتابعوا قضاياهم..الخ, وهذا لا يحدث مع الاسف. ما زلنا نحبوا في طريق جديد بالنسبة لنا،  وان شاء الله كل سنة جديدة يتعلم الناس.. ومسألة حقوق الانسان أصبحت من الاهمية ،حيث انها تحتاج الى تعاطف من كل الناس والمنظمات الاقليمية والدولية .

*هناك بطش تقابل به الحكومة نشطاء حقوق الانسان  وهذا يحد من نشاطهم ويجعلهم لا يتحركون بالشكل الكافي، أو يتخوفون من التحرك؟

ـــ هذا أحد الامور السلبية، لكن هذا لا يمنع لو أن الناس لاحقوا حقوقهم، ورفعوا دعاوى وتحركوا من داخل المؤسسات القانونية والدستورية،  ومارسوا ضغوطا كافية، وهي في النهاية تاتي بنتائج ايجابية..

* في العام 1992 تم التعامل مع الحكومة السودانية باعتبارها من الحكومات الموغلة في انتهاكات حقوق الانسان، وعُين كاسبربيرو كمقرر لحقوق الانسان..هل تعتقد أن الوضع الآن أفضل ولايحتاج لوجود مقرر لمراقبة الأوضاع في السودان؟

الحال أفضل بكثير مما كان , لكن من نفس المنطلق ، وفي النهاية نجد أن المقرر ليس بيده شئ، ولافرق بين كاسبر بيرو وبدرين, رغم أن كاسبر بيرو كان مقرراً في موضوع رقابي، وناس بدرين كانوا يقدمون مساعدات..لكن في النهاية المسألة واحدة، والمقرر لاسلطة له، وكلما يفعله هو أن يرفع تقريره.الأمر في النهاية يرجع إلى مدى رغبة المجتمع الدولي في احترام مايصدر من قرارات. و طالما أن المسألة فيها نوع من المجاملات المبنية على المصالح فالدول التي تنتهك حقوق الانسان تعرف من أين تؤكل الكتف، وترتكب انتهاكات وتفلت من العقاب..هناك خلل في النظام الدولي. ماتم في السودان ، لا اعتقد ان الرقابة الدولية كان لها دور كبير فيه، لكن المقاومة داخل السودان وانتهاكات حقوق الانسان وصلت الى درجة شعرت فيها الحكومة، انها لن تستطيع ان تستمر أكثر من ذلك، لذلك لجأت لاصلاحات، وهي ليست الاصلاحات التي كان ينتظرها الناس.. لكن مثلاً جاء دستور 1998 أولاً، وهذا كان نتيجة لمحاولة حل مشكلة الجنوب،وجاءت المفاوضات، و جاء دستور2005 وهو نتيجة لنضال من مختلف الفئات.. جاء هذا الدستور وغير كثيراً من الاوضاع.

* حتى الان الجهة الوحيدة المستثناة هي اليوناميد ولديها وحدة صغيرة لحقوق الانسان ولا أعرف مدى فعاليتها,هل تعتقد ان الرقابة الغير منظورة كافية وتجعل الحكومة ترفع يدها بعض الشئ عن الانتهاكات الفظيعة التي تمارسها ؟

كل ذلك يساعد ،، حتى مجرد الإعلان وكشف الإعلان للانتهاكات، فانه يساعد .. إلقاء الاضواء على الاشياء يزيح عنها الظلام،  وبالتالي تبقى ساطعة ,كذلك تدخل الرأي العام الدولي..

* ماتم في النظام الدستوري في السودان والتعديل الذي حدث في العام 2015 اعطى جهاز الأمن صلاحيات واسعة..الحكومة تريد تعديل الدستور ويمكنها أن تأتي بدستور أسوأ..كيف ترى الأمر من هذه الزاوية..؟

ـــ اذا الناس أصلا لم تتحرك، مؤكد ستحدث انتهاكات. التعديلات الدستورية في رأيي غير صحيحة، وأنا كتبت هذا الكلام , وقلت ان هذه التعديلات مخالفة للدستور.. المشكلة أنا ما بعرف الحركة السياسية السودانية لماذا لاتتحرك في الجوانب القانونية, وكيف تركت التعديلات الدستورية تمر دونما مقاومة؟

عندما تتحدث الى الناس يقولون أن الشارع سيقول كلمته، لكن في واقع الأمر هذه التعديلات الدستورية كان يمكن أن يُواجه بالطعون، والناس كلما تستسلم سيواجهون الكثير من المشاق.. على كل فرد أن يقوم بواجبه ..المحكمة الدستورية أعادت صحيفة التيار بعد أن تم اغلاقها وايقافها عن الصدور،و الآن أوقفت للمرة الثانية،  وكذلك ذهبنا الى المحكمة الدستورية..السياسة ليست مظاهرات.. هناك مؤسسات يمكن اللجؤ إليها .. أنا كشخص قانوني أُدافع عن حقوق الانسان افتكر إذا كان الناس يهتمون ورأوا أن تتم هذه الاشياء دون مقاومة، فالمقاومة لاتعني حمل السلاح، انما متابعة المؤسسات القانونية، فهناك محاكم وقضاء ..وبعدين، النظر إلى أن المؤتمر الوطني كأنه كتلة واحدة، هذا كلام غير صحيح.. إذا لم يكن لديك أشياء قانونية لايمكن أن تحدث نتائج.. اليوم دستور 2005 يعطي مجالات كبيرة، وبه وثيقة الحقوق وهي وثيقة متقدمة جداً..هل الناس تدافع عن حقوقها الموجودة في الوثيقة بالشكل المطلوب؟ هذا هو السؤال الاول..أم تسمح لانتهاك حقوقها رغم وجود ذلك في الوثيقة؟ لايضيع حق وراءه مطالب..إذا لم يطالب الناس بحقوقهم، فلن ينتزعها لهم أحد..!

مقاطعة.. في هذه الحالة ماهو المطلوب؟

ـــ المطلوب هو أن يصطف الناس حول دستورهم فهو يعطيهم الحقوق.. لماذا يسمحوا لأي جهة الاساءة لتلك الحقوق؟ المطلوب هو الضغط وممارسة الحقوق، واللجؤ إلى القضاء، ورفع الدعاوى، والوقوف وراءها..هذا هو المطلوب..

* أنتم كقانونيين أليس من واجبكم تنوير اتحادات الطلاب والنساء والشباب والاحزاب وتجمعات الروابط المهنية والاقليمية للمطالبة بحقوقهم الدستورية؟

ـــ نحن نحاول و نعمل.. لدينا أخطاءنا وتقديراتنا ، ولاندعي أننا قانونيين نعمل كل شئ وغيرنا لايعمل.. نحن انفسنا مقصرين مع الناس، لكن في النهاية هذه الاشياء لابد أن تكون على إطار أكبر من مجموعة واحدة.

*يلاحظ حتى الآن، أن مجلس حقوق الانسان والامم المتحدة لم يتخذا أي موقف تجاه المحكمة الجنائية الدولية ..حتى الدول الاعضاء لا يودون التحرك… إلى ماذا تعزو كل هذا؟

ـــ المحكمة الجنائية الدولية أصلاً هي جديدة على المجتمع الدولي، و ليس فقط افريقيا بل أمريكا نفسها غير معترفة بها.. المسالة في أفريقيا الحكام يعتبرون أن رأس السوط سيطالهم وأمريكا تقدم رجل وتؤخر أخرى، لأنها أصلاً ضد أن تفقد استقلاليتها في القرار، لذلك عملت اإتفاقيات مع عدد من الدول، بالّا تسلم امريكان مطالبين للمحكمة الجنائية الدولية..

  • هل لا زالت أمريكا موقعة ؟

 ـــ هي وقعت وسحبت توقيعها ، والمسالة هذه صراع سوف يستمر.. يعني المحكمة الجنائية الدولية هي اول خطوة لوضع جهاز مستقل عن الدول ، وقبله كانت هناك محكمة العدل الدولية ، وهذه المحكمة لا يذهب لها الشخص إلا بارادته وكذلك الدول.. أما الدولة فهي تقبل اختصاص محكمة العدل الدولية مسبقاً أو اذا صار نزاع تقبل بالتحكيم,، لكن غير ذلك لا يجوز للمحكمة الدخول في نزاع فيه دول غير مهتمة..

 المحكمة الجنائية الدولية، المسئولية أمامها للاشخاص وليس للدول.. الدول يجب ان تقبل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، و المحكمة الجنائية الدولية من ستحاكم؟  ستحاكم حكام ، أي من يرتكب الجرائم الدولية والذين في السلطة.. بالتالي ، دائماً المسألة موضوعة لأخذ ورد.. أنا افتكر مستقبلاً هذه الاشياء سوف تستقر،  لكن في الوقت الراهن، هناك شكوك سببها أنه حتى الآن الناس الذين ووجهوا بالاتهامات هم من أفريقيا,، لكن هذا ليس كله بسبب التحيز.. في الدول التي تأصلت فيها الديمقراطية نجدها تحاكم الرؤساء.. أمريكا ونحن أحياء حاكمت رئيسين ،هما  نيكسون وبيل كلنتون،  والاثنين عملت لهم اجراءات.. نيكسون عندما شعر أنه سيُعدم استقال، أما بيل كلنتون فنفد من الأمر بصوتين.. لكن هذا لا يحدث في الدول التي لم تتاصل فيها الديمقراطية.. ومستقبلاً ، المحكمة الجنائية الدولية سيكون لها دورها..

*ألا ترى أن الموقف الامريكي فيه ازدواجية؟

ـــ أكيد طبعاً ..أمريكا بعد أن أصبحت القوة الوحيدة في العالم، ما عادت بذات النزعة التصالحية، لأنها تفعل ما تريد وهذا جعلها فعلاً تستعمل المحكمة الجنائية الدولية في ما يناسبها، وترفضها في ما لا يناسبها ..

* ألا ترى أن المحكمة الجنائية الدولية تتحرك وفقاً للموقف السياسي ، حال وجود دولة مغضوب عليها مثل السودان فانهم يحركون الملف كمحاولة إلقاء القبض على عمر البشير في جنوب افريقيا ومتابعته وتهديده؟

ــ الجانب السياسي قطعاً موجود فيها،  بمعنى ليس المحكمة الجنائية ذات نفسها ،انما عند الدول .. يعني اليوم ما يُتخذ من قرارات داخل المحكمة الجنائية الدولية ، هي قرارات قضائية ولكن تنفيذها يحتاج الى تعاون من الدول،، والتي لا ترغب في تنفيذه هذه الدول فانه لن ينفذ، لأن المحكمة ليس لها أسنان،، وبالتالي ربما يكون هناك جانب سياسي كبير. وإذا لم تستقل المحكمة الجنائية بقوة تنفيذية ،ستظل رهينة في أيدى القوى الدولية، وبالاخص الكبرى منها..

* القرار الذي اتخذته المدعية العامة بنسودا عندما أعادت الملف الخاص بعمر البشير إلى مجلس الامن..هل تعتقد ان المحكمة شعرت بضعفها وحولت الملف أم انها قصدت بذلك احراج مجلس الأمن؟

 ـــ انا افتكر انها قصدت ضغط مجلس الأمن ، بمعنى انكم حولتم لنا هذا الملف ، ولا تريدون تنفيذ أوامرنا،، ماذا نفعل؟ هاكم الملف مرة اخرى, وهذا نوع من الضغط..

* في هذه الحالة، وبشكل إجرائي :هل من حق المحكمة الجنائية الدولية أن تتابع مع مجلس الامن، أم ان دورها ينتهي بوضع الملف امام مجلس الامن؟

ـــ المحكمة تستطيع أن تضع الملف أمام مجلس الأمن فقط، باعتبار أنها وجهت الاتهامات وأصدرت الأوامر، وحال عدم تنفيذها فهي لا تملك شيئاً تفعله لمجلس الأمن، ولا ضد أي دولة..حتى الدول التي وقعت ورفضت، ماذا تفعل لها ـــ مثل جنوب افريقيا ــ التي رفضت إلقاء القبض على البشير عندما كان هناك..