سيف الدولة حمدنا الله عدد من القراء لا بد أن يكونوا قد لاحظوا سحب المقال الذي نشرته بالأمس عبر المواقع الإلكترونية، وسبب سحب المقال أن إفتتاحيته تضمنت معلومة ترتبط بمتنه ولكن غيابها لا يُبطل الهدف من كتابة المقال نفسه

وهي تتعلق (المعلومة) بخبر كان قد وصلني  قبل يوم من كتابة المقال برسالة عبر الهاتف تحكي عن بطولة ممرضة سودانية عرّضت نفسها للموت وقامت بإنقاذ عدد من الأطفال حديثي الولادة من حريق بمستشفى بالسعودية، وفور نشر المقال وصلتني رسائل بطرق مختلفة تُفيد بأن الممرضة سعودية وليست سودانية، والحقيقة أن هذا الخطأ يوجِب نشر المقال لا حجبه (بعد تصحيحه طبعاً)، ففكرة المقال نفسه تقوم على مناقشة التغيير الذي طرأ بفعل فاعل على خصائص وسِمات الشخصية السودانية التي كان الشعب يُفاخر بها بين بين الأمم مثل الأمانة والنخوة والمروءة بحيث أنها أصبحت عزيزة ونادرة، بالحد الذي جعل  الشعب يقوم ويقع لمجرّد إمتناع راعي غنم من خيانة مُخدِّمه السعودي بالتصرف فيما وضعه في يده من أمانة

الحقيقة أنه لا يوجد هناك شعب خرج من بطن أمه بخصالٍ سيئة أو حميدة، ففي الدول التي ترى فيها الرجل بشنبات وهو يعرض خدماته للسيّاح بتدبير فتاة للمتعة، كان آباؤه يأكلون النار في يوم من الأيام، والعكس صحيح، فالشعوب التي كانت عندها النفس البشرية لا تسوى ثمن الرصاصة التي تُطلق عليها في فترة الحرب العالمية الثانية، تقف اليوم بِرجل واحدة من أجل حياة هِرّة، فهناك ظروف معينة هي التي تدفع لإكتساب أي شعب للخصائص التي يتمتع بها.

 لا أحد يستطيع أن يُنكر التأثير المباشر لنظام الحكم الحالي في إحداث التغيير الذي تراه العين اليوم على الخصائص التي كانت تتمتع بها الشخصية السودانية، ويرجع ذلك إلى فساد القدوة من ولاة الأمر وتفشي الفقر والبطالة وإنعدام الأمل عند الشباب..الخ، وقد لا يعرف أبناء هذا الجيل أن أكثر ما كان يأخذه التنظيم الحاكم على تجربة الديمقراطية الأخيرة وجعله ضمن أسباب تبرير الإنقلاب هو زعمه بتساهل الحكومة الديمقراطية في مكافحة الجريمة  وتدهور الأخلاق، وقد كان التنظيم يستدل على ذلك بحدوث جريمة إختطاف فتاة بواسطة شرطي كانت قد حدثت قبل نحو عام من وقوع الإنقلاب وعُثر فيما بعد على الفتاة مقتولة، وهي حادثة لا يزال يكتنفها الغموض بسبب إنتحار الشرطي المتهم في محبسه بسجن كوبر قبل إكتمال محاكمته (تصادف أن قام كاتب هذه السطور بالتحقيق في ظروف الإنتحار)، وهي بلا شك جريمة فظيعة وبشعة حتى بمقاييس اليوم، ولكنها في المقابل كانت فردية ويتيمة، فإستغلّ جماعة التنظيم الحاكم (كان يُسمّي نفسه الجبهة القومية الإسلامية في ذلك الوقت) تلك الحادثة لضرب الحكومة الديمقراطية وسخّر لها صحافته (ألوان والراية والإسبوع) التي أخذت تولول وتلطم وهي تنعي القيم وتحكي عن تفشي الجريمة وإنهيار الأخلاق.

ليس صحيحاً أن مُصيبتنا في هذا النظام هي ما يحكي به الجميع عن فساد ذمم المسئولين ودمار مؤسسات الدولة والمشاريع التي كانت تعتمد عليها البلاد في الإقتصاد، فأي تغيير قادم حويط ويمتلك رؤية وجدية يستطيع أن يقطع دابر الفساد في نصف نهار ويسترد كل ما تمّ نهبه من ثروات ويُعيد بناء أجهزة الدولة على أسس سليمة من جديد، ولكن خصال الناس لا تتشكّل بقرار حكومي حتى تعود إليه بين يوم وليلة، وتلزمها عقود وعقود حتى تعود لطبيعتها، ولذلك، الصحيح أن يكون الدافع الأول للشعب لإحداث التغيير هو أن يلحق بالأخلاق والقيم التي يراها تتسرب من بين يديه.

قبل الانقاذ كان المجرم مجرم والشريف شريف، وكان للفساد والجريمة أهلها وللفضيلة والصلاح رجاله، وكان الفعل الفاسد والجبان يجلب العار والإحتقار لصاحبه، حتى جاء الوقت الذي أصبح فيه للفاسد مريدين وأحباب يسبحون بحمده وينتظرون عطفه وعطاياه، وأصبح الفاسد يتقدم الناس في الصلاة، ويصوم كل اثنين وخميس، وتتسع غرٌة صلاته بإتساع ذمته، فذابت المسافة بين الفضيلة وفساد الخلق حتى ألِف الناس ذلك، فأصبح الأب يشارك الإبن الرقص رِدفاً بردف وساقاه منقوشتان بالحناء على مسرح عام في ليالي التخريج الجامعي، والأم تزغرد لشراء إبنتها لسيارة وهي تعلم أنها عاطلة عن العمل وليس لها موارد.

ما يُحزن المرء، أنه ليس هناك ما يُشير إلى أن هذا الموضوع يأخذ ما يستحقه من إهتمام في أطروحات الأحزاب التي تنادي بالتغيير، فأي مستقبل ينتظر الوطن إذا صبر على إستمرار تسرّب القيم الأخلاقية التي عُرف بها، ومن أين يأتي التغيير القادم بالموظف العام الذي لا يرى غضاضة في تسلّم الرشوة أو يُرسي العقود الحكومية للأهل والأقارب.

أي وطن يريد أن يحكمه التغيير القادم بعد أن أصبحت شهادة الزور صِنعة يكسب منها رجال قوت أبنائهم !! بعد أن كان السوداني يسمع بهذه الظاهرة عند شعوب أخرى ولا يصدقها، وبعد أن كان لأداء اليمين من الرهبة والمهابة بحيث كان الشاهد في المحكمة يرتجف من هولها وهو يقول الحق، حتى أن كثير من الناس كانوا يتخلون عن حقوقهم عمداً خشية وإستعظاماً للمسئولية التي يستشعرونها من أداء القسم في المحاكم، وسبب تهاون الناس بحلف اليمين اليوم أنهم أصبحوا يطالعون الوزراء والولاة يقومون بأدائها ثم يفعلون في العلن كل شيئ في مخالفتها، كما  أن الإنقاذ جعلت حلف اليمين وسيلة لتحصيل الرسوم الحكومية لدى موظفي المحليات والجمارك والضرائب والعوائد .. الخ، فإعتاد الناس على الحلفان بحيث لم تعد له رهبة في النفوس، أو يُصبح عاصماً من الكذب، حتى أن هناك من يفتي لنفسه بجواز حلف اليمين كذباً ليتفادي دفع الضرائب والرسوم بقناعة أنها جباية تذهب لجيوب أرباب السلطة لا لخدمة المواطنين. (حتى مجيئ الإنقاذ كان توجيه اليمين سلطة قضائية يختص بها القضاء وحده، بحيث لا يجوز توجيه اليمين الا في اجراءات قضائية بواسطة قاضٍ، ومن عظم اليمين أنه كانت قوانين ما قبل الإنقاذ تمنع المحاكم من تحليف المتهم اليمين عند الإدلاء بأقواله حتى لا يؤدي ذلك إلى إجباره على تقديمه بينة ضد نفسه وبما يتعارض مع مبادئ العدالة).

سوف يأتي اليوم الذي تذهب فيه الإنقاذ، ولكن ما خلفته وراءها لن ينمحي بالساهِل، ويبقى الأمل في أن يحدث ذلك قبل أن ينقطع (الروّاب) بإنتهاء جيل الذين لا يزالوا يتمسكون بخصائص أهل سودان ما قبل الإنقاذ ليبثوا فيها الحياة من جديد