معتصم اقرع لا اعتقد ان مخاضات الحركة الشعبية الاخيرة عبارة عن خلافات إدارية معزولة وحسب، أذ أن المسألة أعمق من ذلك، فهي تعبير عن أزمات بنيوية في جسد الحركة كان لابد لها ان تنفجر بشكلأ و باخر عاجلا أم اجلا .  

ان احالة مقاتلين ( ثوريين ) للمعاش امر ملفت للنظر وربما كانت تلك الاحالة اسهام متفرد من الحركة الشعبية –شمال لأدبياتالثورة و النضال التحرري علي مستوي العالم . فـالمحارب مناجل الحرية والعدالة لا يحال للمعاش ابدا , فهو ليس موظفصغير مأجور في دولاب دولة بيروقراطية ولكن ربما يتنحي هذاالمحارب طوعا أو يغيرمن طبيعة مساهمته من اجل الثورةبمحض اختياره . أما أذا خان المحارب القضية أو التنظيم فانه يفصل وتقدم أسباب الفصل علنا للشعب حتى تحافظ الحركةالثورية علي مصداقيتها وتبعد عن نفسها شبهة الدكتاتورية والغطرسة وخصي رجالها عبر اليات العطاء والمنع والطرد من الخدمة كأدوات ترويض وتكميم لأفواه تجد صعوبة في الطاعة العمياء وتنفيذ الاوامر العليا من غير نقاش .  

رغم ان قرار الاحالة للمعاش قد يكون صادما الا انه ليس مفاجئا تماما. فنظرة سريعة لهيكل قيادة الحركة تشير لبنية تراتبية لجيش تقليدي حتى النخاع , يقوده فريق ولواءات ورتب اخري.  هذه التراتبية التقليدية غير معهودة في حركات التحرر  المعروفة تاريخيا . فلم نسمع في ماضي بالفريق مانديلا ولا الفيلد مارشال جيفارا ولا المشير لوممبا ولا العميد كرس هاني . صحيحان لقب عقيد قد استعمل في وصف جون قرنق ولكن ذلك كان اشارة لموقعه المهني في الجيش الحكومي قبل اعلان تأسيس  الحركة . التراتبية والهرمية التقليدية التي تبنتها الحركة لم تكن خيارا تكتيكيا انحصر في الشق العسكري فقط اذ ان الشق السياسي ايضا يعاني من نفس السلطوية المركزية والتراتبية والتسلسل اذ لا توجد عقول تصيغ مواقف الحركة وادابها خارج قلة قليلة معروفة من الأفراد بينما ينحصر دور  بقية العضوية والمناصرين من  الخارج في المباركة والتأييد والدفاعوالترويج لمواقف لم يساهموا في صياغتها اصلا .

ربما كان لضيق دائرة صنع القرار والفعالية في الحركة جذورتعود لفترة ما بعد نيفاشا وربما قبل ذلك . قابل الشعب السوداني عودة الحركة الشعبية للخرطوم بعد التوقيع علي اتفاق نيفاشا في 2005 بترحيب داوي وامال عريضة بان تملأ الحركة الفراغ الممتد في الساحة السياسية السودانية خارج الحركات الدينية والطائفية باسماءها وتنظيماتها المختلفة .كانت اعداد مهولة من بنات وابناء الشمال مستعدة للانخراط في الحركة الشعبية ومشروعها لبناء سودان جديد ولكن لم تفعل الحركة شيئا يذكر لاستيعاب هذه الجموع وتحويلها لكادر سياسي ثوري فاعل وانما اكتفت بالاستعانة بهم ككومبارس للتهليل والمباركة خارج دائرة المشاركة السياسية الحقيقية عالية الفعالية . فالملاحظ انه رغم التأييد الواسع الذي حظت به الحركةفي سودان ما بعد نيفاشا الا ان قيادة وتمثيل الحركة ظلت محصورة بصورة مطلقة في نادي الاولاد القدامي وربما كان ذلك لقفل الطريق علي أي منافسة محتملة وهكذا تم تكريس ثقافة تفضيل أهل ) الثقة ( علي أهل الفعل والابداع حتى لو كانت امكانيات اهل الثقة متواضعة وحتى لو ثبت عليهم فساد أوحامت حولهم شبهات. كان في امكان الحركة ان تضرب مثلا في الوطنية وتأسيس ثقافة حكم مغايرة بان تختار لحصتها من الوزارات والمناصب الرفيعة مهنيين مقتدرين ذوو علم ومهمومونبقضايا الشعب حتى لو اتوا من خارج عضويتها ولكن الحركة فضلت ان تواصل في ثقافة المنصب العام كغنيمة أو  كمكافأة لشخصيات مرضي عنها من الداخل حتى لو كانت هذه الشخصيات لا قدرة لها علي ادارة شئون دولة عصية كالسودان. وهكذا كشفت الحركة عن جذور رهابها الثنائي ضد المثقف الوطني غير المنتمي لها وضد التمدد وسط  الجماهير ككتل فاعلة  .

كانت الحركة في جوهرها كل الوقت حركة سلطوية مبنية عليمركزية صارمة وحصر القرار في ايادي قليلة بناءا علي توازنات قبلية فمثلا ريك مشار كان وما زال الرجل الثاني في الحركة وفي دولة الجنوب رغم مذابح 1991 التي ارتكبها والتي ربما كانت هي الأكثر دموية في تاريخ السودان ورغم انضمامه لنظام البشير في تسعينات القرن الماضي . وكذلك فان سيلفا كير ليس احكم أهل الجنوب ولا افضلهم علما ولا اكثرهم وطنية . كيرومشار وغيرهما اعتلوا سدة القيادة لأسباب وتوازنات قبلية ,وهذا ينطبق علي الحركة الشعبية – شمال. فالقلة من الأفراد الذين تقلدوا مناصب عليا خارج السند القبلي كانت الحركة في حاجة اليهم لأغراض  تكتيكية كتسويق بضاعتها في الشمال والمحيط العربي .

قد يقول القائل  ان المركزية والانغلاق وانعدام الديمقراطية وانعدام الشفافية المالية داخل الحركة ضرورات املتها طبيعة العمل المسلح والتربص والبطش العنيف من قبل الحكومة ولكن الحركة لم تتخذ اجراءات مضادة لتقليل واحتواء الامراض التي تصاحب هذه الاشكالات بل انها تبنت واصرت علي سياسات واجراءات الغرض منها   تكريس لهيمنة دوائر ضيقة حتى لوعلي حساب تفاقم الافرازات السلبية لضرورات لم يكن للحركةخيار في التكيف معها   .

أذا فانه بغياب جون قرنق وسلطته المعنوية وكاريزميته الطاغية التي مكنته من احتواء والسيطرة علي تناقضات الحركة الشعبية العميقة وتياراتها  التقليدية والرجعية كان لا بد من ان تنفجر تناقضات الحركة عاجلا ام اجلا وان يظهر الوجه الذي حجبه وجود قرنق الطاغي .  ففي ظرف اقل من سنتين من تاريخ استقلالها تحولت دولة الجنوب لكيلبتوقراطية كانبالية لخصتها الصحفية المقتدرة رشا عوض في خطابها لقادة الحركة الشعبية في الجنوب اثر انفجار الصراع الدموي بين كير ومشارعلي اسس قبلية :

كل واحد منكم يعلم جيدا أن الخمر التي سيرتشفها في كرنفلات “السلام المزعوم” ممزوجة بدماء الأبرياء! وان الشواء الذي سيلتهمه معد من لحوم أجسادهم النحيلة والمريضة والحساء الذي سيشربه تم إعداده من سلق الأطفال وأمهاتهم في ماء الجنوب الملوث الذي فشلتم في تنقيته! هنيئا لكم قرمشة عظام أطفالكم واحتساء دماء أهلكم وعشيرتكم ونهش لحومهم، و تناولها بالشوكة والسكين لا يهم ) .

مخاضات الحركة الشعبية –شمال لا يمكن قراءتها بمعزل عن السجل المأسوي الكئيب للحركة-جنوب في ادارة دولة جنوب السودان اذ ان مآلات الحركة في الحالتين ما هي إلا تعبير عن ظهور وعلو تيارات كانت دائما موجودة بقوة ولكن الحضورالساطع لقرنق بإمكانياته السياسية والقيادية الجبارة فرض علي هذه التيارات ان تقبع في خلفية الظل انتظارا ليومها تحت الشمس .ولكن هذا لا يعني اعفاء قرنق من بعض المسؤولية لانهذه التيارات الغاشمة كانت موجودة في الحمض النووي للحركة في فترة حياته ولكنه اكتفي بالسيطرة علي هذه التيارات المقلقة وتوجيهها بدلا عن مواجهتها و تصفيتها. كانقرنق بكل اخطاءه قائدا عظيما بل من اعظم القادة في تاريخالسودان ولكنه لم يفعل ما يكفي لضمان نزاهة حركته أذا ما غيبه الموت أو المرض .وقد اصاب قرنق الحركة في مقتل حين غض النظر عن الضرورة الحاسمة لان تطبق الحركة داخل جسمها الشعارات والمبادئ التي تدعو اليها علي مستوي الوطن. فالتبشير بالديمقراطية يظل نعيقا اجوف أذا لم تطبقه الحركة في عملها اليومي داخل اطرها التنظيمية, كما ان الهيمنة التاريخية لنخب اثنية لا يمكن محاربتها ببناء تنظيم سياسي يقوم علي توازنات اثنية استنادا علي هرمية قبلية واضحة وضوح الشمس في كل توزيعات المناصب والمكافآت . كان من نتائج هذه الهرمية القبلية الجديدة ان سارع البعض الِي نبش جذور حقيقية ام متوهمة لأجداد وجدات تربطهم جينيا بالأشراف الجدد كما ظلت الديمقراطية في ادبيات الحركة كما هي عند كل الأحزاب السودانية فهي لعنة يتمني كل تنظيم ان تصيب غيره وينجو هو من جميع تحدياتها ومستحقاتها.

ولكن دفاعا عن قرنق , ربما كانت المشكلة ليست في فشله في تحصين الحركة ضد الانحراف فقد تكون المشكلة في  عدم استعداد عضوية الحركة والحركة السياسية السودانية عموما لاستيعاب الروئية القرنقية . ولكن أذا كان الامر كذلك فهذا يشكك في حكمة تبني العمل المسلح كخيار ووسيلة مشروعة لبناء مجتمع جديد اذ ان العمل المسلح محكوم عليه بالفشل مسبقا في ظل بنية اجتماعية وبنية وعي غير مواتية بصورة حاسمة . فالشعب المسكين المغلوب علي امره لا تتم استشارته ابدا في قرارات الحرب والسلام والصلح وتوزيع المغانم   رغم ان هذا الشعب – ليس في الريف فحسب بل في المدن ايضا –  يتحمل تكلفة هذه الحروب الضروس التي اختارها وفرضها صفوة غير منتخبة ولا مخولة  بينما يحصد الاخرين ارباحها وامجادها السياسية .  

التعامل النقدي مع خط الحركة الشعبية الذي تبنته قياداتها لاينفي ان الالاف من الشباب قد انخرطوا في صفوف الحركة بروح عالية من الوطنية والشجاعة والتجرد وبذلوا  التضحيات الجسيمة من اجل احلام نبيلة في بناء وطن ديمقراطي تتساويفيه جميع الاعراق والاديان والأقاليم ويخرج بالسودان منكهوف الكهنوت الديني المظلمة الِي رحاب الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية الحديثة.  انحراف خط الحركة لا يقلل من بطولة وتضحيات هؤلاء العظام. من واجب الشعب احترام هذه التضحيات ومن واجب قيادات الحركة ان تصحو من ثباتها لان الثوري دائما مهدد بـخطر ان يصير نسخة مطابقة لمن ولما  ثارضده. في السياسة كما في الحياة عموما الثبات مستحيل فاما الحركة الِي الامام أو الحركة الِي الخلف . فعلي الحركة الشعبية التقدم للأمام بان تنفتح ديمقراطيا علي عضويتها الوطنية الامينة ثم تنفتح علي كامل الشعب السوداني لا لتقوده فحسب, بل لان تمهد له بـان يمسك زمام امره نفسه ليرسم مستقبله بنفسه  .

معتصم اقرع

elagraa@gmail.com