د. محمد محمد الأمين عبد الرازق نشر د. محمد وقيع الله ردا بموقع سودانيز ون لاين، تحت عنوان: (موسم الدجل الجمهوري لا موسم البشارة النبوية!)، كال فيه أغلظ الشتائم، وأقسى الأوصاف لمؤسس الدعوة الإسلامية الجديدة الأستاذ محمود محمد طه، ولتلاميذه،

وما كنت أتوقع من باحث عاش في الغرب ردحا من الزمن كداعية وباحث في الإسلام، أن يكون ضعيفا، في أدائه كداعية إسلامي لهذه الدرجة!! وقد بدا لي من متابعة كتاباته حول الفكر الجمهوري والجمهوريين، أنه متحامل وغير متوازن، بل ينطلق من حقد دفين وغبن، لا مبرر له على الإطلاق، وبسبب هذه الحالة النفسية طفح الكيل لهذه الدرجة التي يصعب معها الحوار الموضوعي، ولكننا نواصل من أجل تنوير القراء، ثم ننتظر من د. وقيع الله أن يخرج من هذا الوضع المحزن حقيقة ليلحق بركب الدعاة المحققين لقيم الإسلام في أنفسهم قبل أن يتجهوا نحو الآخرين.. وسأورد الأدلة على اتهاماتي له هذه من كتاباته هو، لكن في قبل أن نلج في الموضوع، دعونا نستمع إلى الأستاذ محمود وهو يحدثنا عن مواصفات الداعية إلى الإسلام من كتابه (الثورة الثقافية):

(والتبشير بالإسلام أمر يتطلب أن يكون المبشر، من سعة العلم بدقائق الإسلام، وبدقائق الأديان، والأفكار، والفلسفات المعاصرة، بحيث يستطيع أن يجري مقارنة تبرز امتياز الإسلام على كل فلسفة اجتماعية معاصرة، وعلى كل دين، بصورة تقنع العقول الذكية.. وأن يكون من سعة الصدر بحيث لا ينكر على الآخرين حقهم في الرأي .. وأن يكون من حلاوة الشمائل بحيث يألف، و يؤلف من الذين يخالفونه الرأي.. وهذه هي الصفات التي لا تكتسب إلا بالممارسة ـــــــ أعني أن يمارس الداعي دعوته في نفسه، وأن يعيشها ــــــ أعني أن يدعو نفسه أولاً، فإن استجابت نفسه للدعوة دعا الآخرين.. فإن شر الدعاة هم الوعاظ الذين يقولون مالا يفعلون.. ففي حق هؤلاء وارد شر الوعيد.. قال تعالى “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.. ومقت الله شر ما يتعرض له العبد..) انتهى..

1/ إن د. وقيع الله، لا يرفض هذه المواصفات فهو داعية حوار مسالم مع منتقدي الإسلام على مختلف اتجاهاتهم، أكثر من ذلك، فهو يدعو إلى حقوق المواطنة في الدستور، وأن تعطى حرية الرأي لمن يريد أن ينتقد الإسلام!! وهذه مقتطفات من إجاباته في حوار أجرته معه مجلة (السودان الإسلامي بتاريخ 9 يونيو 2007م):

(هنالك طائفتان من الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام الآن. وهذا الكلام قد يصطدم البعض ولكن أرجو أن يصبروا ليتفهموه قبل أن يندفعوا للاعتراض عليه. أولاً: هنالك مستشرقون عميقو الفكر وشرفاء الضمير وهم يثيرون أسئلة ضخمة في الفكر الإسلامي ويدفعون المسلمين دفعاً للتفكير فيها والاجتهاد في الإجابة عليها، من بين هؤلاء المفكرين الكبار جون اسبيزيتو، وإيفون حداد، وجون فول، وجين سميث وغيرهم. وهؤلاء يساعدون المسلمين أحيانا على التفتح على المسائل الحيوية العصرية ويشحذون أذهانهم للبحث عن حلول لها واستنباط إجابات لها من خلال مرجعيات إسلامية.) (الحل السهل، يمكن أن يشار في المواثيق والواجبات الدستورية إلى أن المواطنة هي الأساس في الحقوق الواجبات للمسلمين وغيرهم في الوطن. وهذا له أصل إسلامي كما تشير إلى ذلك وثيقة المدنية”) (إذن فكل من هو موجود في الدولة الإسلامية بشكل دائم غير طارئ فهو مواطن فيها، فالولاء للدولة المسلمة ولاء إقليمي. والمعادلة بهذا الشكل تكون سهلة ومقبولة لجميع الأطراف، ويكفي أن ينص في الدستور على أن المواطنة هي الأصل في الحقوق والواجبات. إما المفاهيم والأفكار السياسية بما فيها هذا المفهوم نفسه حول المواطنة كما لاحظنا، فهي نابعة جميعاً من الإسلام، إن لسائر الناس الحق فى أن يشكلوا تنظيماتهم ومؤسساتهم ولهم الحرية في إبداء آرائهم حتى لو أرادوا أن ينتقدوا الإسلام).. نكتفي بهذا القدر من المقتطفات..

إذن وقيع الله، من إفاداته هذه لا يختلف مع الأستاذ محمود في أن الإسلام يحتوى على أصول وفروع، وأن الأصل ـــــــ حسب قوله أعلاه ـــــــ هو وثيقة المدينة ويمكن الرجوع إليه، وبعثه كتشريع عام للأمة بديلا للفروع وهذا مفهوم ضمنيا، وبذلك نحصل على حقوق المواطنة وحرية الرأي والعقيدة وسائر الحقوق الدستورية.. لكن فات على أخينا وقيع الله أن وثيقة المدينة نسخت بالفروع فيما بعد، فبدلا من المساواة في المواطنة فرضت الجزية على الكتابي، ونسخ حق حرية الرأي للاديني بل حرم حق الحياة بنص القرآن المدني الذي نقول نحن الجمهوريين، أنه فروع مثل: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة 5).. وليس هناك فرصة لبعث حق المواطنة والحريات وسائر الحقوق الدستورية إلا إذا دعونا إلى نسخ الفروع والعودة إلى الأصول التي ما نسخت إلا لقصور الناس عن مستواها في القرن السابع، وهذا هو معنى أن في الإسلام رسالة ثانية مدّخرة للمستقبل، ومن أمثلة آيات الأصول: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)..  

يا ترى!! لماذا يكيل هذا الكاتب الإساءات والشتائم للأستاذ محمود وتلاميذه، ثم يطرح أفكارهم بغير دقة ويتعمد تشويه شخصيتاهم بأفظع العبارات وأقساها!!؟؟

لقد جنح د. وقيع الله، وبكل أسف إلى الاستخفاف، والتحقير، كقوله عني (الكويتب الجمهوري)، وقد مارس نفس هذا التهور وعدم الاحترام مع الأخ الدكتور عمر القراي، وقد رد عليه القراي آنذاك بصحيفة الصحافة في أواخر نوفمبر 2006م بالآتي:

(لم يحتمل د. محمد وقيع الله، تعليقي على الجزء الأول من الحوار، الذي أجراه معه الصحفي صلاح شعيب، فخرج عن وقاره، وجنح إلى الإساءة، ظناً منه انه بهذه الطريقة سيحافظ على المكانة العالية التي حاول ان يظهر بها حين ادعى انه يقيم الفكر الجمهوري !! ورغم انه قد اخبرنا في ذلك الحوار، ان ما منعه ان يدخل في تنظيم الاتجاه الإسلامي، رغم إيمانه بفكرتهم، واعتقاده بأن مشروعهم الحضاري مازال قائماً، وناجحاً، انه سريع الاحتدام، والاصطدام، مع من يختلف معه في الرأي ، الا أنني لم اتوقع ان يبلغ به الغضب، حداً يجعله يعجز حتى عن ذكر أسمي، فيصفني ب ( الشخص) و( مجادلي هذا ) و( مجادلي المتحامل) و(الإنسان المجادل) الى غير ذلك من الألفاظ !! ولقد ذكرني هذا السلوك بالأطفال، حين يتشاجرون في الحواري، فيضرب أحدهم زميله، وحين يسأل الطفل المضروب عن من ضربه، لا يذكر اسمه وإنما يشير إليه باكياً ظناً منه إن ذكر اسمه مصالحة له!!
بهذا العجز عن السيطرة على سورة الغضب، أسرع د. محمد وقيع الله ليرد على تعليقي السابق، دون ان يتأنى، أو يمهل نفسه، وزاد من أزمة وقيع الله، ان بعض قراء (سودانيزاونلاين) وافقوا على نقدي له، ففوجئ بأن هناك من يدرك مفارقاته العديدة، من غير الجمهوريين، فضاق صدره، وانشغل بالهجوم والمهاترة، عن لب الموضوع، فجاء تعقيبه بالإضافة الى السطحية المعهودة، والافتراءات غير المثبتة، يطفح بكثير من الإساءات للأستاذ محمود محمد طه، وللفكرة الجمهورية، ولشخصي.. وهذا ما لا استطيع ان أجاريه فيه ، لأن كل إنسان إنما ينفق مما عنده !!) ويواصل القراي:

(ولماذا لا يريد هذا الدكتور ان يعمل مع مجموعة في تنسيق او تنظيم؟! اسمعه يقول في تبرير هذا السلوك العجيب: (وأنا سريع الاحتدام والاصطدام مع الشخص الذي يختلف معي في الفكر والرأي.. لذلك أحب ان اعمل دائماً على انفراد كامل حتى في مجال عملي المهني وهو التدريس) أليست هذه حماقة، شهد بها وقيع الله على نفسه دون موجب؟! ألم يسمع بالقول: (إن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية)؟! وما ذنب هؤلاء الطلاب، الذين تقتضي دراستهم ان يعملوا في شكل مجموعات، وفرق ويفرض عليهم المنهج العلمي نفسه ان يختلفوا مع بعضهم ومع أستاذهم؟! ما ذنبهم ان يكون أستاذهم من الضيق، بحيث يصادمهم، ان هم اختلفوا معه في الرأي!؟
إن د. محمد وقيع الله يعاني من مشكلة خطيرة وعصية على العلاج، وهو لن يتجاوزها اذا ظل مشغولاً عنها بنقد الآخرين، ولو انه يقبل منا مساعدة لاقترحنا عليه ان يتبع المنهاج النبوي في ترويض النفس والسيطرة على بداواة الطبع، حتى يتقبل الرأي المعارض في محبة وسعة.) انتهى..

وفي تقديري لو عمل د. وقيع الله بنصحيحة د. القراي هذه، التي مضى عليها عقدا من الزمان، لخرج من هذه الحالة المرضية..

2/ ورد عن د. وقيع الله في مقاله هذا: (وأما الخطأ اللغوي الذي اجترحه الكويتب في كلامه، وهو خطأ يسير سهل الخطب إلى جانب الخطأ الاعتقادي الفادح الذي فضحناه قبل قليل، فهو قوله إن آيات الأصول المكية قد ألغيت في حق المسلمين الأوائل و:” استبدلت بقرآن الفروع المدنية“.
وبهذا الاستخدام الخاطئ لحرف الباء عكس الكويتب الجمهوري المعنى الذي أراده، لأنه أراد أن يقول إن آيات القرآن المدني قد حلت مكان الآيات المكية، وهذا المعنى لا يتأدى لغويا بهذا الأسلوب، لأن حرف الباء يدخل – كما هو معروف – على المتروك وهو ليس القرآن المدني في مقصود الكويتب.)..

هنا أراد صاحبنا أن يستعرض عضلاته اللغوية، من أجل التجهيل إضافة إلى التصغير والتحقير الذي هو منهجه مع الجمهوريين، ولكن طاش سهمه، فحرف الباء في البدل يجوز أن يدخل على المتروك كما قال وقيع الله، ولكنه يجوز أيضا أن يدخل على المأخوذ، وقد أكد هذا الاتجاه مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مقرراته حول اللغة العربية.. ومن أمثلة دخول الباء على المأخوذ عند البعض :
قوله تعالى : “فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً” (النساء74..
وقول أمير الشعراء :
أنا من بدل بالكتب الصحابا .. لم أجد لي وافيا إلا الكتابا
ثم قول الطفيل لما أسلم: (وبدَّل الله طالعي نحسي بسعدي(.
وما جاء في تاج العروس في مادة (بدل( :
(قال ثعلب, يقال: أبدلت الخاتم بالحلقة, إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه, وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته, وسويته حلقة. وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلته خاتماً)...

3/ أما عقيدة البداء التي أوردها صاحبنا في قوله: (ولا شك أن قول هذا الكويتب منبعث من أصل العقيدة الفاسدة التي تسمى عقيدة البداء، وهي العقيدة التي يقول أصحابها إن الله – تعالى عن ذلك علوا كبيرا – قد يرى أمرا ثم يتضح له خطؤه فيعدل عنه إلى أمر آخر!) انتهى..

والقول الذي يعنيه وقيع الله هنا هو قولنا أن آيات الأصول لم يستجب لها مجتمع القرن السابع، وثبت بالتجربة العملية أنها أكبر من طاقته، فوقيع الله ظن أن المحتاج للتجربة العملية هو الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولذلك نسب من يقول ذلك إلى عقيدة (البداء)، وهي عقيدة شيعية تصف الله بأنه يجهل المستقبل.. إن المحتاج للتجربة هو المجتمع حتى تقام عليه الحجة، وقد قال تعالى في هذا المعنى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.. 165 النساء).. فما دام الإسلام قدم الأصول، على مدى ثلاثة عشر عاما في مكة، يدعو بالاسماح والحجة والمنطق، ورغم ذلك تآمر المشركون ودبروا مكيدة لقتل النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بالصورة المعروفة في يوم الهجرة، فليس للناس حجة يرفضون على أساسها القتال الذي شرع في المدينة بعد نسخ الأصول للضرورة العملية..

وختاما أقول لد. محمد وقيع الله: إن لنفسك عليك حقا، فلا تصرف كل عمرك في الإساءة للآخرين وتتركها هي على هذه الحالة، لأنك ستسأل عنها هي (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم)..