عادل العفيف تحكي الطرفة الذكية أن أسدا شاخ وعجز عن الصيد، فاستعان بالثعلب لتدبير مكيدة لاستدراج الحمار لمعقل الأسد، ومن ثم يتولي عملية قتل الحمار.

نجح الثعلب كعادته في إقناع الحمار بالحضور، بعد أن أطنب في مدح الأسد له، حضر الحمار وفي أثناء العراك أفلح الحمار في الهرب كون الأسد كان في أخريات أيامه، وأفلت من الموت المحقق. هنا برز الثعلب مجدداَ متعهداَ باحضار الحمار للمرة الثانية قائلا للحمار أن الأسد كان يمازحه فقط. إستطاع الثعلب إقناع الحمار للمرة الثانية، وكان الأسد قد إستعد جيداُ هذه المرة، وإستطاع قتل الحمار، بينما تولي الثعلب مهمة الجزار من سلخ وتقطيع. المعروف أن الأسد يحب في الفريسة القلب والكلاوي، لكن الثعلب أحضر الوليمة بدونهما. هنا سأل الأسد عن القلب فأجابه الثعلب” لو أن له قلباَ لما حضر للمرة الثانية”.

  نخرج من هذه الطرفة بأن لدي الأسد والثعلب يقين ثابت بأن غباء الحمار هو الذي ساقه لموته المحتوم. وذلك لأن الحمار يريد أن يخوض نفس التجربة ليخرج بنتيجة تختلف عن سابقتها وهو الغباء بعينه. ولو كان له قلب أي عقل، اذ أن العقل يرمز إليه  كثيرا بالقلب، فقد ورد في القران الكريم” أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها” . وايضا ” فأنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور”. سورة الحج.

  هذا الأمر هو الذي يريده لنا الأستاذ مهدي إبراهيم فهو يفترض فينا الغباء والتمتع بذاكرة سمكية. فالرجل في غير حياء يكرر لنا إسطوانة أصابها الصداء لمل يقارب ال27 عاما، فهو ليس فقط يفترض فينا الغباء، فغباء الحمار تكرر مرتان فقط وإسطوانة مهدي إبراهيم تكررت 27 عاما وبحساب الأيام تكررت 9720 مرة. إننا في نظر العلامة مهدي إبراهيم كل فرد منا يساوي 9720 حمار. ويحق له أن يصفنا بذلك لو أن أي فرد منا اصغي لما يقول به. يقول مهدي إبراهيم أن الأزمات والضيق الإقتصادي الذي يواجه الناس أسبابه هو الإعراض عن الهدي الرباني، قائلا ” حينما نعرض عن السماء يقع الضنك والقسوة في معاش الناس” بل زاد ناصحا بالإلتزام بالهدي الديني حتي يتعافي الإقتصاد. أي بكلمات أخري يريد أن يقول أنه لا يوجد  فساد في الدولة، ولا توجد سرقات ولا نهب، وأن عائد الدخل والإنتاج قد إنهمر كما السيل، ولكن ُبعد الشعب المغضوب عليه عن الدين هو الذي سلط شياطين الجن والإنس فاصبحت الخزينة خاوية علي عروشها. خطل القول هذا قد سمعه الناس في العام 1989 وصدقه البعض وجراء ذلك سيق الآلاف الي الموت في حروب الجنوب، بدعوي نيل الشهادة والفوز بقاصرات الطرف. لكن بعد مرور 27 عاما أدرك فيها الشعب تناقض أقوال القوم مع أفعالهم.

  الذي يحق له الحديث عن الدين الحنيف، يجب أن يكون نفسه مثالا يحتذي، لكن الناس تري وتسمع بالسرقة الواضحة وفساد الذمة من الذي يتولي الإرشاد. فتاريخكم القريب يقول ما سرق سارق إلا كان منكم، ومازني زاني إلا وكنتم أنتم عصبته، وما نهب ناهب إلا وكان قوي الإنتماء إليكم، وما قتل قتيل إلا وأنتم الفاعلون، وما نهبت أموال حجاج بيت الله إلا وكنتم أنتم الناهبون. الأمر الذي يثير الإستغراب هو أن يفسد حكامنا ويعاقب الشعب جراء فسادهم،كان الأولي بناء علي منطق الأستاذ مهدي أن يقع العقاب علي من أفسد وليس علي من تضرر من فعل الفاسدين.  حقيقة الأمر التي يهرب منها مهدي هي أن الشعب لم يعص أمر الله ولم يكفر، ولم يترك شعائره الدينية، ولكن من عصي الله ومن كفر هم حكامه، والهروب  الأكبر هو تعليق الفشل والخيبات وسوء إدارة الدولة والسرقات علي الذات الإلهية. إن مهدي إبراهيم يغالط الواقع ويتعامي عن الحقائق  اليومية والتي هي شاخصة امام كل من أكرمه الله بعقل سليم. ثم ان حديثه يحمل فكرا بالياَ وتصورا قاصراَ عن الدين وعن الذات الإلهية والتي كلها خير، ولو كانت غير ذلك لأفناهم الله عن بكرة ابيهم. هذا المفهوم المتخلف الذي لا نجد له سنداَ في الدين يبرز الأن علي السطح، وهو تصوير الله علا وجلا بصورة المنتقم الفوري، وهي صفة تقدح كثيرا في الدين، والأمثلة من التراث لا حصر لها، فقد أعدم الحّجاج أحد الرعية ظلماَ فتسأل شخص أخر عن لماذا لم ينزل العقاب الفوري علي الحّجاج وهو ظالم، لكن من يقول بهذا الرأي الساذج ينقصه كثير من المعرفة بالله، وتحجب عنه حكم تدابير الله. الله جلا وعلا كله خير مطلق لا يسارع لعقاب البشر لجرم إرتكبوه، فرحمته تأتي قبل عقابه. والتاريخ الإسلامي  يحدثنا عن النبي يونس بن متي عليه السلام، الذي ذهب مغاضباَ ولم يصبر علي قومه، وسأل الله أن يحل عليهم عذابه، فإلتقمه الحوت وهو مليم، فرحمة الله سبقت غضب نبيه، وقد كان سكان مّدين مائة الف أو يزيدون، فهداهم الله بعد أن عصوه، وكان بالإمكان أن تخسف بهم الأرض أو تأتيهم كسف من السماء.

   هؤلاء المتأسلمون يصورون لنا الله جلا وعلا بصورة المنتقم من عبادة في كل الاحوال. من حقنا أن نسأل مهدي إبراهيم عن من الذي أعرض عن الهدي حتي يعاقب، هل هو شعب السودان الذي عرف عبر حقبه الطويلة رجال صالحون ” منهم للسر أمين ومنهم للناس ضّمين” كما يقول العارف بالله الشيخ البرعي. أم هي الحكومة التي نهبت وسرقت وحرقت وإحتكرت وقتلت وشردت؟.

  في هروبه البائس وإنكاره لاسباب الإنهيار الإقتصادي، سّلك مهدي إبراهيم مسلك إتهام الشعب في دينه، ودمغة بالفسوق والبعد عن الله، وأراد أن يقول أن الإنهيار  الحادث  الأن ليس هو نتيجة  حتمية لخطل وسوء سياسة الحكومة وفسادها، ولم يكن للسرقات، والفشل في إدارة الدولة، وفي هذا لم يشذ مهدي عن قومه، فهم قوم لم تقم تربيتهم علي الصدق، نحن نتفهم مرارة وقسوة الإعتراف بالفشل، لكننا لا ترضي أن نتهم في ديننا، وقد ذهب فاشل آخر مذهبا لا يختلف كثيرا عن صاحبه، إلا بمقدار الغباء عند الكل، فقد صرح وزير المالية بأن الفشل الذي ظل يلازمهم هو نتاج كسل وتقاعس الشعب عن العمل. نحن لا ننتظر منهم أن يتفقا هل هو كسل أم بعد عن الله، لكن نحن نتفق أنهم هم أكبر عنوان للحكم الفاشل.

  أن محاولة إعادة  تسويق الدين من جديد لخدمة السياسة حيلة سوف لا تنطلي علي شعب السودان، فهو ألمح وأذكي من أن تنطلي عليه هذه الخدع والتي ما عادت تجدي نفعاَ ولو تقبل البعض من مهدي ووزير المالية مثل هذا الخبل، تكون بالضرررة لهم ذاكرة سمكية، وسوف يحل بهم  ما حل بالحمار في الطرفة الواردة عند بدء المقال.

عادل العفيف مختار

محاضر

adilafifi@hotmail.com