رشا عوض إن كانت هناك ميزة واحدة لبقاء نظام الإسلامويين في حكم السودان طيلة ال27 عاما الماضية، فهي كشف مشروعهم الزائف ومدى إفلاسه، لا بمنطق الجدل، بل بمنطق الأحداث الحية.

فهاهو النظام الذي صم آذاننا بأنه مستهدف من الصهيونية والاستعمار الجديد بقيادة أمريكا بسبب توجهه الإسلامي ومشروعه الحضاري الذي يتحدى الغرب فكريا وسياسيا، يلهث اليوم حافيا وراء تطبيع العلاقات مع أمريكا، بل ويتوسل إليها ملوحا بإمكانية التطبيع مع إسرائيل! متناسيا كل العنتريات والمسيرات المليونية والخطب التي تقسم السودان إلى فسطاطين: فسطاط الإسلام والوطنية في مقابل  فسطاط العمالة والخيانة والكفر الموالي لإسرائيل وأمريكا والغرب!

هاهو فسطاط الإسلام والوطنية يتوسل بالتطبيع مع إسرائيل إلى تطبيع العلاقات مع أمريكا! وهاهو وزير خارجية “سودان الإنقاذ” إبراهيم غندور يتحدث في وسط الخرطوم وتحديدا في مركز دراسات المستقبل عن التطبيع مع إسرائيل بوصفه خيارا مشروعا قابلا للدراسة لا خيانة عظمى للدين والوطن! ويمنح النظام الضوء الأخضر لبعض الأحزاب “المصنوعة على عينه” والمشاركة فيما يسمى بالحوار الوطني لتطرح موضوع التطبيع مع إسرائيل في لجنة العلاقات الخارجية! ويتكرم بوصف “شخصية قومية” على سيدة أسست جمعية للصداقة السودانية الإسرائيلية!

 ولكن إسرائيل ترفض على لسان نائبة وزير خارجيتها التطبيع مع السودان! ولا تكتفي بذلك بل تقول في بيان رسمي ان النظام السوداني له سجل إجرامي دموي ضد شعبه في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان! ويؤكد هذا الرفض رئيس «قسم أوروبا وأمريكا» في الخارجية الإسرائيلية، أفيف شير أون قائلا: «إنه من العيب على دولة شمولية ان تفكر في التطبيع مع دولة ديمقراطية كما هو الحال مع اسرائيل»!.

إن هرولة “نظام البشير”  نحو إسرائيل في سبيل التقرب إلى أمريكا تستوجب نقاشا جادا حول عدة قضايا:

أولا: الأنظمة السياسية التي تحكم دولا فقيرة ومتخلفة ومنقسمة على نفسها وتشتعل فيها الحروب الأهلية يستحيل ان تكون مؤهلة لخوض مواجهات كونية ضد “الاستكبار الأمريكي” و”الصهيونية” و”الغرب الصليبي”، وعندما يرفع الإسلامويون هذه الشعارات يكون الهدف منها الحشد العاطفي للجماهير في صراعات داخلية مع الخصوم السياسيين، أي هي شعارات للاستهلاك المحلي فقط، سرعان ما تتبخر تحت ضغط الواقع، بل تتحول إلى نقيضها تماما، ونظام الإنقاذ قدم أبلغ الشواهد على ذلك إذ ان حربه ضد “أمريكا والغرب الصليبي” انتهت إلى تسليم “المجاهدين المنوط بهم خوض هذه الحرب” للمخابرات الأمريكية في إطار التعاون في مكافحة الإرهاب! وحربه ضد الصهيونية انتهت إلى الركض وراء التطبيع مع إسرائيل!

ثانيا: إسرائيل ليست نموذجا للديمقراطية وحقوق الإنسان لأنها دولة مستعلية على القانون الدولي ومنتهكة لحق الشعب الفلسطيني باحتلال أرضه وتشريده، وقد ارتكبت مجازر مروعة للمدنيين في حروبها ضد العرب،

ولكن عندما تتفاخر إسرائيل بديمقراطيتها أمام أنظمة مثل النظام الحاكم في السودان تكون على حق! فإذا كانت إسرائيل تقتل وتشرد “أعداءها” فإن “نظام الإنقاذ” يقتل ويشرد ويسجن ويعذب شعبه! واي مقارنة بين إحصائيات الضحايا في السودان و”فلسطين المحتلة” سوف تظهر إسرائيل حملا وديعا! وأي مقارنة بين نظام الحكم هنا وهناك تظهر بجلاء التفوق الأخلاقي لدولة “الاحتلال الصهيوني” على دولة”المشروع الحضاري الإسلاموي”، ففي إسرائيل استدعت الشرطة زوجة رئيس الوزراء (سارا نتنياهو) للتحقيق معها في استخدامها لمال الدولة في تجديد أثاث حديقة منزلها! ودفع تكاليف صيانة للمنزل! والمبلغ الذي بسببه تجري محاكمة زوجة رئيس الوزراء وهو أعلى سلطة تنفيذية في البلاد لا يتجاوز في أعلى التقديرات ستة آلاف دولار! وقبل ذلك اجبر رئيس الوزراء يهود ألمرت على الاستقالة وأدخل السجن بعد ثبوت تلقيه لرشوة(150 ألف دولار) من رجل أعمال أمريكي!

أما في دولة “المشروع الحضاري” فالمال العام ينهب بمليارات وليس آلاف الدولارات ولم ولن نسمع بمحاكمة أحد ولم ولن نسمع بذهاب أحد من الفاسدين المفسدين  إلى السجن، بل سمعنا بسجن النقيب شرطة أبو زيد عبد الله 4 سنوات وتغريمه خمسة ملايين جنيه لأنه رفع مذكرة لرئيس الجمهورية كشف فيها ما يحدث من فساد في وزارة الداخلية وتحديدا وسط قوات الشرطة! السجن في دولة “المشروع الحضاري” يتربص بمن يكشفون الفساد ويحتجون عليه!

ولا يقتصر الفساد على نهب المال العام بل يمتد إلى ما هو أخطر من ذلك! أي تقويض أسس العدالة بالمحسوبية كما فعلت وزيرة الدولة بوزارة العدل حيث استغلت نفوذها للإفراج عن ابنها المقبوض عليه بتهمة حيازة مخدرات! ويبدو ان وكيل النيابة لم يعترض خوفا من ان يكون مصيره مثل مصير النقيب ابو زيد! وبعد أيام من هذه الفضيحة سمعنا بتكريم الوزيرة!

قبل ان يهرول نظام البشير نحو التطبيع مع إسرائيل، ليته يجتهد في الارتقاء إلى مستواها في الشفافية وسيادة حكم القانون! وليته يعلم، هو والأنظمة الدكتاتورية الفاسدة في المنطقة العربية أن إسرائيل هزمتهم وسوف تظل تهزمهم لأنهم يفتقرون إلى السلاح الأهم  في أي معركة: سلاح التفوق الأخلاقي على العدو! هذا على افتراض ان هناك معركة أساسا!!

 ثالثا: ما زال “نظام البشير” يبحث عن الحلول لأزماته السياسية  والاقتصادية الخانقة في التحالفات الإقليمية والمناورات مع المجتمع الدولي في إعراض تام عن الشعب السوداني! رغم أن المحيط الإقليمي للسودان شهد انهيار أنظمة حليفة للغرب وتتصدر المتلقين للدعم الأمريكي، ظنت ان علاقاتها بالخارج تغنيها عن الإصلاح في الداخل فسقطت سقوطا مدويا!

أزمات السودان لن تحلها المشاركة في “عاصفة الحزم” أو قطع العلاقات مع إيران أو التطبيع مع إسرائيل!

فأي أكروبات في السياسة الخارجية لن تجدي ما دامت السياسة الداخلية مأزومة!