عبد الله الشيخ  انطلاقاً من طبيعته الشبابية، لقّن حزب المؤتمر السوداني درساً بليغاً، لملوك الطوائف، وكهول الاحزاب ، من التقدميين القدامى  والصحابة الجدد،، و كل من قالوا:"هذا ما وجدنا عليه آباءنا"..! 

قدّم حزب “مؤتمر الطلاب المستقلين” ردساً قاسياً للمتخندقين في الكراسي عندما ترجّل إبراهيم الشيخ ، وتم انتخاب عمر الدقير رئيساً ،، وكليهما “شباب” بمقاييس السودانيين..!

كان ذلك تمريناً شديد الأهمية من عدة وجوه..أولاً لكونه تمرين ديمقراطي مُحرِج للقيادات التي تكلّست في المناصب ، وثانياً لأنه حدث فريد يرمي باشارات موحية للشباب، تجعلهم أكثر إيماناً بأن الديمقراطية خيار واقعي وممكن…أهمية هذا التمرين، ليس في افراز المؤتمر السوداني لقيادات شابة فقط ، إنما في منتوج المثابرة الطويلة، في بناء قواعد تنظيمية للحزب في كافة أرجاء السودان، وفي حضور قياداته بين الجماهير، ومواجهاتهم الجريئة للشمولية..هذا التمرين الديمقراطي لحزب شبابي، وضع طبقة عواجيز السياسة في بلادنا ،أمام تحدٍ مرير، فضلاً عن أن صعود جيل الانتفاضة ممثلاً في المهندس عمر الدقير، رئيس إتحاد الطلاب 1985 يبشر بفجر جديد،هو فجر الخلاص..و”جااكُم البيطلِّق أمّكُمْ”..!

جااكُم .. لأن ظهور جيل الانتفاضة في الواجهة يعني انتهاء صلاحية شلّة حنتوب، التي  تحكّمت في مصائر السودان منذ الاستقلال وحتى تاريخه..ظهور الدّقير يعني “هؤلاء” تحديداً..! فالقطر هو القطر..”لازِم يصفِّر”، طالت الرحلة أو قصُرت.. إنّ صعود الدقير الى سلّم القيادة، يرمي بشارة البدء لشباب التنظيمات، يميناً ويساراً، أن تشرع  في فرز القيادات الحقيقية لهذا الشعب..تحية لاستاذنا إبراهيم الشيخ الذي خنق آلهة الطوائف، و رفض الاغراء بتعديل دستور الحزب الذي لا يسمح له بالقيادة بعد دورتين.. تحيّة له وقد حسبه البعض رأسمالياً يبيع ويشتري رغائب الجماهير.. كلّا وألف كلّا ..الآن يتجلى أمل رحيب في التغيير باستعادة الطبقة الوسطى، و تمدد تيار الوسط  في الحيّز الذي خلّفه غياب اليسار وتوهان الطائفية… منذ اليوم تضيق الأرض بما رحبت على من يُغادرون الرئاسة ــ فقط  ـــ مع رحيلهم إلى المقابر.. منذ الآن، يقبع عند الزاوية الحرجة، كل حزب أو كيان لا يمارس الديمقراطية داخله..!

منذ اليوم  ينزوي من يمتهنون السياسة للاسترزاق.. منذ اليوم تنتهي صلاحية الإشارة، والوراثة، والتعيين، والكنكشة، ورفض التداول، تداول القيادة في كافة مستوياتها.. في اللّحظة التي ترجل فيها ابراهيم الشيخ عن رئاسة الحزب،سقطت ورقة التوت التي كانت تستر عورة قيادات الوزن الثقيل، في الأحزاب التقليدية، وتلك التي تدعي الحداثة، وحتى تلك الكرتونية، التي صنعها النظام، بل وقيادات النظام ذاتها،، وحسُن أولئك رفيقا..! و بعض الكهول ــ للمفارقة ـــ عبّروا عن سعادتهم بما جرى،واعتبروه فعلاً ديمقراطياً ناجزاً..!

هذا الأمل النضير الذي تكشّف، بقدوم الدقير، يقابله بالطبع واقعنا المرير..! من المستحيل أن نطمئن ــ ونحن في عهد شمولي ــ إلى هذه الأبنية التنظيمية ، فهذه الأبنية خرطومية ولا يمكن أن تزدهر إلا في مناخ الحريات الطليق..هذا على الأقل ، ما تشي به وثائق “الضو” فتحي الضو، والتي كشف في كتابه الجديد عن وجوه اختراق لكياناتنا الحزبية ، كبيرها وصغيرها..! لا ضير في أن نتواضع و نمسك الخشب ونستبصر درساً من التاريخ..فمثل هذا الزخم الذي أحدثه حزب المؤتمر السوداني ، يذكرنا بوزير الجماهير ،أبو حريرة الاتّحادي، الذي كان طموحه أكبر من قدرات حزبه..! قف تأمّل مذا فعل به الطّائفيون..!؟ كيف حيّدوه أو أبعدوه/ أو في الحقيقة “فوّروه”  ــ  اشتقاقاً من فعل التفوير ـــ فلم يتبقى من أيامه إلا هذه الذكرى العطرة..!

 لولا أن السياسة تصاغ بمثل تلك الكلمات، لقلنا أن الرئيس عمر الدقير، قد أتى في خطابه الأول بتصحيف من سبقوه..ولكن، فيم العجلة..؟ دعونا ننتظر، لنرى كيف يتعاطى الدّقير مع “الكرادلة”، رفاق الهم الديمقراطي،الذين ينظرون إليه شدراً، لأنه أكبر محرِّض ضد بقاءهم الأبدي كـ “قيادات تاريخية”..!

لتحرسك عناية السماء يا دِقير..فالغزوات لا تأتي من دهاقنة الكيد والتدجين، وإنما كذلك، من كتائب الغيرة والتّخوين..!