برفيسور احمد مصطفى الحسين فى الرد على مقالى المعنون "هل تدرى على من ننتحب يا د. محمد وقيع الله؟"، نشر الدكتور محمد وقيع الله مقالين بعنوان واحد  فى سودانيز اونلاين، يكفى عنوانهما فقط فى الدلالة على ما يعانيه الدكتور من توتر وعنف

مصدره ثقة زايدة وإعجاب بالنفس وغرور وتعالى على محاوريه، الشئ الذى يشكل عيئا ثقيلا على تفسه فينفسه بالسباب وتجهيل المحاور ظنا منه ان هذا الصنيع سيمكنه من الانتصار على محاوره. وهو يظن ان الحوار ما هو الا معركة يجب الا يخسرها بأى ثمن. لكل ذلك اختار الدكتور عنوانا لمقالتيه لا يتناسب عنفه مع عنوان مقالى المذكور، فكان عنوانه ( بروفيسور فى الجهل باللغة والدين)، دليلا على الاستفزاز الذى سببه له مقالى المذكور مما ادى الى تفجير براكين غضبه القريبة من سطحه، وقد اعترف هو نفسه فى كتابات سابقة بعنفه وضيق صدره من النقاش حتى مع طلابه، فكال لى من السباب اعنفه، ومن الشتم أقذعه، حتى اننا لو”فلترنا” مقاليه من السباب والشتيمة الشخصية للاستاذ محمود وللجمهوريين ولشخصى لما وجدنا محتوى يمكن الرد عليه. وسعيا لتفعيل عنوان مقاله المأزوم، أخذ يطارد اخطائى الاملائية، وهى أخطاء يعرف امكانية حدوثها كل من يكتب على الكيبورد (وقد تورط فيها هو نفسه كما سنرى)، وكأننا فى سجال لغوى، وتجاهل تماما محتوى مقالى كما لاحظ احد القراء. وما اريد ان اؤكده هنا للدكتور اننى لست برفيسورا فى اللغة ولكنى املك منها ما يمكننى من مقارعة امثاله حجة بحجة وسفاهة بحلم، كما اننى لست برفيسورا فى الدين لأن ليس فى الدين (برفسرة) وانما هى بدعة ابتدعها جهلة الفقهاء المحدثين الذين يعتقدون أن الدين قراءة وكتابة وبحوث، شعورا بالنقص منهم ومجاراة لاساليب العلوم الحديثة، ولكنى فى نفس الوقت املك من بسيط معارف الدين ما يمكننى من معرفة بعده هو منه اذ “ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذئ”. وليس فى مقالتيه غير السب والشتم واللعن كعهدى به فى كل ما تابعت له من كتابات. وقد استعمل نفس الأسلوب الخشن مع أخى د. محمد الأمين حينما كتب مقالا مؤدبا فى الرد على مقاله الاول حول “موسم النحيب الجمهورى الكئيب”.

ورغم اننى لا اريد مساجلات فى اللغة ولكنى أجد نفسى مدفوعا للجم أسلوبه المتعالى فى تصحيح الأخطاء، وأجاريه فيه لكى ابين ان الدكتور يمكن أن يقع فى نفس أخطاء الكتابة بالكيبورد التى أخذها على، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كتب الدكتور (وقد أحسن الكويتب الجمهوري إلي أيما “إحسن” حينما وصف كتاباتي بأنها ركيكة، وأهديه لذلك – جزاء وفاقا – خريدة أحمد التي مستهلها) وهو بطبيعة الحال يقصد “احسان”. ويكتب أيضا (ولم يعط (البروفيسور) أمثلة لسوء (أو ان شاء لسؤ) الأدب في “المقال المقال” لأنه لم يجد فيه شيئا من سوء (أو ان شاء سؤ) الأدب!) مكررا كلمة المقال مرتين رغم تقريعه لى بعدم التدقيق والعجلة. ويقول فى مكان اخر (ولو تريث (البروفيسور) الكويتب في كلامه هذا “لأدرك لأدرك” أن وصفيْ السذاجة والملل “الذين” أطلقهما على كلامي لا ينصرفان إلا إلى كلام زميله الكويتب الجمهوري عبد الله عثمان ولا ينطبقان إلا عليه) مكررا عبارة “لأدرك”، كما كنب “الذين” – وهو اسم موصول مبهم معرفة ، للجمع المذكَّر- وهو يقصد اللذين- وهواسم موصول مبهم معرفة للمثنى المذكر في حالتي النصب والجر . ورغم ادعائه المبطن بمعرفة اللغة فانه يخطئ فى النحو وهو اسوأ من هفوات الاملاء. التى أخذها على، فقد كتب مخطئا فى النحو( وأما زعم (البروفيسور) في الشق الثاني من كلامه أن مقالي كان صغير الغرض، فقد كذب فيه “كذبا أبلق”، والدليل هو أن مقالي قد أهمَّه وأقلقه وأقض مضجعه، وأقضَّ مضاجع آخرين من أتباع نِحْلته، حتى حملهم على حمل أقلامهم الكسيرة للرد علي). والصحيح طبعا “ابلقا” لانها صفة للكذب والصفة تتبع الموصوف فى الاعراب. وجاء فى مقاله الثانى ايضا (وفي كل حال هذا فإني لست بطامع في أن تطلع على كتاباتي أو تقتنع بما فيها، وإنما “أردت أقيم” عليك الحجة و”أنبؤك” بأني قد انتقدت تخلف فهم تلك الجماعات من قبل).والصحيح طبعا ” أردت أن اقيم”، ولا أدرى من اين جاء بكلمة “أنبؤك”.وأعماه الغرض حتى أنه وقع فيما يقول أنها أخطاء املائية- وهى كذلك- فكتب مثلها فأورد (ثم يتصدى بعد ذلك لنقد نبؤتي (وليس نبؤتي كما كتب!) عن تحول الفكرة الجمهورية إلى طائفية عمياء!). ولا اعتقد أن هذه الاخطاء تدل على جهل الدكتور بقواعد الاملاء والنحو، ولكنى تجاوزت عنها وعن غيرها، لان غرضى لم يكن تتبع اخطائه الاملائية والنحوية بقدر ما كان متابعة محتوى ما يقول مع تحسين الظن فى قدراته اللغوية.

ان للدكتور محمد وقيع الله خلاصة مسبقة عن الفكرة الجمهورية – كما هو دأب معارضيها دائما- نتجت من طبيعته الانكارية التى تقوده دون تروى للبحث فى مؤلفاتها عما يثبت خلاصته تلك دون التفكير والتدقيق فيما ينصص من اقوالها ومزاعمها. فقد اورد نصا فى مقاله الثانى من كتاب الرسالة الثانية من الاسلام زاعما فيه ان الاستاذ محمود زعم انطباق ذاته مع ذات الإله:يقول التنصيص” ههنا يسجد القلب، وإلى الأبد، بوصيد أول منازل العبودية، فيومئذ لا يكون العبد مسيرا، وإنما هو مخير، ذلك بأن التسيير قد بلغ به منازل التشريف، فأسلمه إلى حرية الاختيار، فهو قد أطاع الله، معاوضة لفعله، فيكون حيا حياة الله، وعالما علم الله، ومريدا إرادة الله، وقادرا قدرة الله، ويكون الله “. وقد اسقط الدكتور عن عمد تكملة النص الذي يقول (وليس لله تعالى صورة  فيكونها، ولا نهاية فيبلغها، وانما يصبح حظه من ذلك ان يكون مستمر التكوين، مجددا حياة شعوره  وحياة فكره فى كل لحظة، تخلقا بقوله تعالى عن نفسه “كل يوم هو فى شأن” والى ذلك تهدف العبادة …). اولا يا دكتور-وأنت العالم المدقق- اين زعم الأستاذ محمود فى هذا النص أن ذاته انطبقت فى ذات الاله، وأين جاءت كلمة “انطباق”، ام ان قولك مجرد استنتاج لدعم خلاصاتك المسبقة. وبالمناسبة انت لست لست أصيلا فى هذا الاجتزاء المخل فقد سبقك له فقهاء اخرين مثل المرحوم د.الامين داؤود. ثم ان الغرض اعماك – والغرض مرض- فلم تلحظ عبارة (منازل العبودية) وعبارة (لا يكون العبد مسيرا) فى النص، وهى كانت كافية لنسف زعمك نسفا من أساسه، فالأستاذ يتكلم عن العبودية وليس عن الألوهية. على أية حال انا لم أكن أتوقع منك أن تفهم المعانى العرفانية التى أوردتها فى النص، ولا أريد أن أشرحها لك فهى تشرح نفسها لمن يفهم أو لديه استعدادا للفهم. هل قرأت فى نفس الكتاب الذى نقلت منه النص السابق قول الأستاذ محمود (ان محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية اجمالا، ولا يقتضى تفصيلها، الا فهما جديدا للقران، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذى بين يدى القراء).

ان مصدر السر فى وفرة مخزون الدكتور الذى لا ينضب من السباب هو اعجابه المفرط بنفسه، والتى تدفعه للدفاع عنها دفعا حينما يمسها احد بنقد، وهو، بعد ذلك وفوق كل ذلك، اعجاب ينبئ عن جهل فاضح بأحابيل النفس التى ما جاء الدين بعباداته وتشاريعه الا لتهذيبها سعيا لتحقيق تواضعها وكسرها. فهو يقول عن نفسه فى مقاله الأول (والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن غرضي من مقالي كان محض الدفاع المجرد عن العقيدة الإسلامية لا غير. وهو غرض دأبت على خدمته منذ غضاضة الصبا وعنفوان الشباب.وما زلت، بتوفيق الله تعالى وتسديده، أتصدى بكل ما أملك من قوة الفكر والبيان لنقد أعداء الإسلام وخصومه الصرحاء منهم والأخفياء وهم كلهم عندي سواء. وما كنت أبتغي قديما، وما عدت أبتغي حديثا وأنا في آخر ومضات العمر من وراء دفاعي عن العقيدة الإسلامية غرضا صغيرا ولا كبيرا من أغراض الدنيا الخاسرة. فأعظِم بغرضي إذن من غرض، وأكبِر به من غرض، إذ إنه يتخطى أعراض الحياة الدنيا جميعا. ولست مفاخرا بما أقول ولا أدلُّ به على أحد من أبناء الزمان. فما يعنيني أحد منهم، وما أطلب، وما ينبغي لي أن أطلب رضا من أحد، أو أتطلَّب ثناء من أحد، وإنما أبتغي الرضا وأتطلَّبه من رب العباد الفرد الأحد الصمد.فإن رضي عني جل وعلا فكل الذي فوق التراب تراب!). ثم يقول بعد ذلك (ولست مفاخرا بما أقول ولا أدلُّ به على أحد من أبناء الزمان.). طيب تفاخر اكثر من كده كيف يا دكتور…؟ انك تزكى نفسك بصورة جعلتك تنفجر غضبا لوصفى لمقالك بالركيك ولغرضك بالصغير – والصغير جدا فى الواقع- وهوعلى التحقيق غرض من “أغراض الدنيا الخاسرة”. وهذا الاعجاب المفرط بالنفس، الذى أورثك تعاليا وغروراغير محمود هو الذى جعلك تتفضل على، وعلى غيرى من الاخوان الذين تصدوا للرد عليك، بلقب “الكويتب” تحقيرا لى ولهم، وابرازا لنفسك، التى استعصت على ادب الدين ومقتضيات الحوار، وهو أيضا الذى جعلك تعترف مفاخرا بسخريتك منا وكأنك لم تقرأ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). أم أنك ترانا كفارا يجوز فى حالنا وصفنا بكل محرم. يا دكتور أرفق بنفسك قليلا، فانك تحملها ما لا طاقة لها به. 

يبدو أن وصفى لك بالداعشية  قد أزعجك كثيرا وأنت لا تدرى بأنك قريب لهم بأكثر مما تظن، فكل من يعترض على الفكرة الجمهورية متمسكا برسالة الاسلام الأولى وشريعتها – وهى رسالة عظيمة وشريعة حكيمة كل الحكمة فى وقتها، واجهت وقدمت حلولا لقضايا وقتها- فهو داعشى، عرف ذلك أم لم يعرف، او مزيف لشريعة الاسلام بالزوغان والتنطع كما تفعل أنت ومعارضو الفكرة الجمهورية الذين يحاولون الاعتزار للشريعة والتنصل منها بعد أن واجههم تقدم القيم الانسانية فى المساواة بين البشر وحقوق الانسان بتحديات لا قدرة لهم عليها. فعقيدة داعش تستند على الفكر الوهابى الذى يفتخر الدكتور بالجوائز العلمية التى منحتها له مؤسساته. ولا اعتقد ان تلك الجوائز قد حصل عليها  الدكتور لأنه أبدع فى نقد الفكر الوهابى الداعشى أوأتى بما يخالف الفكر الوهابى الداعشى أو تجرأ بانتقاده. بل اننى أجد الداعشيين اصدق منك فى التزامهم شكل الشريعة ونصوصها  دون جوهرها، من غير زوغان ومحاولة تحريفها، كما تفعل انت وبعض مفكرى الاخوان المسلمين المحدثين. ثم أن الاسلام ليس نظرية يا دكتور لم تجد شريعته المجسدة فى اياته وأحاديث نبيه المعصوم صلى الله عليه وسلم وسيرته وسيرة أصحابه، عليهم رضوان الله، حظها من التطبيق العملى حتى تكون مجالا للتنظير والاستدراك والزوغان منها. ولا تملك أنت ولا غيرك من الذين يهاجمون داعش من الاسلامويين وينكرون نسبهم اليها، أسانيدا غير تلك التى تتكئ عليها داعش، سواء كان ذلك فى موضوع الجهاد، او فى حقوق المرأة والسبى، والرق، التى تأكدت ممارستها نصا وفعلا فى تطبيق الرسالة الأولى. وهذا لا ينفى، بطبيعة الحال، الغلواء والغلظة الذي تميزت بها داعش فى تطبيقها للشريعة وهى غلواء وغلظة يفسرها غياب التدين من صدور افراد تلك الجماعة، فاتبعوا شكل الشريعة ونصوصها وغاب عنهم جوهرها وسماحتها النسيبة. فهم مجرمون وجدوا لهم فى نصوص الشريعة الغراء وشكلها ما ينفسون به عن احقاد نفوسهم وسخائمها وأوضارها. وليس هناك فرصة لمن يريد تطبيق الشريعة – من أمثالك- فى عهدنا الحاضر الا انكار السبىء والرق ووضع المرأة، وغيرها من امور الشريعة التى طبقت فعلا فى القرن السابع، والتى يقول الأستاذ محمود بمرحليتها. أما كتبك التى احلتنى اليها والتى تتكلم عن الحرب والسلام فى الاسلام فلا قيمة لها لأن البشرية الحالية لا حاجة لها لمن يعلمها فنون الحرب وأخلاقها، اذ لم تعد وسيلة الحرب السيوف والعصى وانما القنبلة الهيدروجينية التى بها فناء الحياة، فالبشرية الان تبحث عن من يعلمها طريق السلام واساليبه وطرقه، وهو طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذى يشكل جوهر دعوة الأستاذ محمود. وبهذه المناسبة فقد تصفحت لك كتابا فى الفلسفة السياسية، وهو فى لغته ومحتواه بسبيل من الزوغان والتنطع الذى اشرت له سابقا، وافردت فيه فصلا كاملا عن ماركس والفلسفة الشيوعية، فهل ماركس من الذين يدعون لاتباع طريق النبى عليه الصلاة والسلام. فهلا افردت فيه فصلا مماثلا للفكرة الجمهورية حتى لو عرضتها بالصورة التى تعرضها بها الان. لقد افرد للفكرة الجمهورية كتاب من تونس ومصر فصولا وكتبوا فيها كتبا خلصوا فيها بأنها المخرج من مأزق الفكر الاسلامى الرهن. ولا اريد أن افارق مقامى هذا قبل أن أورد لك رأيا لباحث مصرى (منتحب) كتب مقالا فى ذكرى (النحيب الكئيب) كما تسميها. يقول الباحث المصرى د/ حمدي الشريف فى مقال له بعنوان (محمود محمد طه… في ذاكرة الشعب السوداني)

(تمرُّ علينا في هذه الأيام الذكرى الحادية والثلاثون لرحيل المفكر السوداني محمود محمد طه (1909-1985)، الذي طالته يد الغدر بفعل مؤامرة تم تدبيرها له من جهات عدة. وفي حدود علمنا أن هذا الاسم لا يعرفه إلا نفر قليل من الدارسين للفكر الإسلامي في العالم العربي، ولم تُحْظَى كتاباته بالاهتمام الذي تستحقه في دوائر الفكر العربي والدراسات الإسلامية.
إن محمود طه هو من بين المفكرين الإسلاميين المجدِّدين أعمقهم وأكثرهم إدراكاً لمأزق الفكر الإسلامي في مواجهة متغيرات الواقع المعاصر. وتُعَدُّ أطروحته حول (الرسالة الثانية من الإسلام) من أهم الإسهامات الجديرة بالبحث والدراسة في الفكر الإسلامي، ومن أبرز الإنجازات الفكرية في إطار التجديد الثوري للخطاب الإسلامي، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات المعاصرة.
وتتقاطع حياة محمود طه ومسيرته الفكرية والعملية مع مسيرة الفيلسوف اليوناني سقراط، فهناك أكثر من وجه من وجوه الشبه والالتقاء بينهما. فمثلما كان سقراط يدعو الشباب إلى أفكاره في الشوارع والأماكن، كان محمود طه يدعو الناس إلى أفكاره في الأندية والمنتديات الثقافية والعلمية ومن خلال مخاطبتهم في الطرقات العامة والميادين والحدائق والأحياء. ومثلما حاول سقراط أن ينشر أفكاره وتعاليمه بطريقة الحوار وعن طريق إقناع الناس بها والإيمان بصوابها، حاول محمود طه أن ينشر أفكاره عن طريق تثقيف وتنوير عقول الناس بها. ومثلما وُجهت لسقراط تهم: الإلحاد وإنكار آلهة اليونان، والدعوة إلى آلهة جديدة، وعدم احترم قوانين المدينة، وإفساد عقول الشباب، وُجهت لمحمود طه نفس التهم تقريباً. ومثلما رفض سقراط الهروب من أثينا بعد أن صدر الحكم عليه بالإعدام، وقد اُتيحت له فرصة الهروب من السجن آنذاك، احتراماً منه لقوانين بلاده، وماثلاً بقوة أمام منصة الإعدام، ضارباً بذلك أبلغ النماذج في الشجاعة الفكرية، لم يفكر محمود طه إطلاقاً في الهروب خارج السودان، لاقياً نفس المصير المشئوم.ولم يكن محمود طه بعيداً عن الانخراط في صفوف الجماهير، بل كانت حياته حافلة بالنشاط الفكري والممارسة السياسية التي جلبت عليه العديد من حملات الاضطهاد والاعتقال والسجن، فقد سُجن أربع مرات (أولها في في يونيو 1946، وأخرها في عام 1985 والتي انتهت بإعدامه)، وحُوكم بتهمة الرّدة مرتين (في نوفمبر 1968، وفي يناير 1985)

وكانت أولى ممارساته في العمل السياسي في منتصف الأربعينيات، حيث أسس “الحزب الجمهوري” في أكتوبر 1945، وأطلق على أعضائه اسم «الإخوان الجمهوريين». وقد حدد الغاية التي من أجلها أسس الحزب، وهي تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية الفردية، كما أعلن عن مجموعة من الأهداف التي يسعى الحزب لتحقيقها، ومن بينها: جلاء الاستعمار البريطاني عن السودان، وإقرار الحكم الجمهوري الديمقراطي، ونشر التعليم بين السودانيين، وتحقيق الوحدة القومية، وتوطيد العلاقات مع البلدان الإسلامية والبلاد المجاورة للسودان بوجه خاص ومع سائر بلاد المعمورة بوجه عام.

ومن الناحية الفكرية، اهتم محمود طه في كتاباته بالمشكلات والقضايا المعاصرة التي تهم الشعب السوداني وشعوب العالم الإسلامي أجمع، كما اهتم بوجه خاص بمسألة تطوير التشريع الإسلامي، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات المعاصرة. وحقيقة الأمر إن الأهمية الحقيقية لكتاباته تكمن في نهجه التقدمي الذي اختطه في معالجة هذه القضايا والمشكلات. ويُعَدُّ كتابه “الرسالة الثانيَّة من الإسلام”، الذي صدر عام 1967، أهم مؤلفاته على الإطلاق، وهو مؤلف عظيم الشأن في مجال التجديد الديني الإسلامي، ويتضمن مجمل آراءه وتصوراته الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كنا لا نتفق مع بعض آراء محمود طه، إلا أنها تقع في النهاية ضمن دائرة الاجتهاد في الرأي، وهو اجتهاد فكري يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ؛ لأنه ليس وحيّاً من السماء، ولكنه اجتهاد شخصي من وحي من الفكر، شأنه في ذلك شأن كل اجتهاد بشرى.
وعلى صعيد الممارسة العملية ظل محمود طه طوال حياته ينتقد فكر الحركات السلفية المتشددة. وعقب المصالحة بين نظام الرئيس جعفر النميري والحركة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي، في مايو 1977، شن محمود طه حملة شعواء على الإخوان المسلمين، وما أسماهم جماعات الهوس الديني، بسبب الطائفية التي بدأت تزحف في البلاد وتجتاحها. وعندما سُئل عن تبعات صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في عهد الرئيس النميري، رد قائلاً: “من الأفضل للشعب السوداني أن يمرُّ بتجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين، وسوف تكون بلا شك تجربة مفيدة للغاية؛ إذ سوف تكشف لأبناء هذا البلد مدى زيف شعارات هذه الجماعة، التي سوف تسيطر على السودان سياسياً واقتصادياً حتى ولو بالوسائل العسكرية، وسوف يذيقون الشعب الأمرين، وسوف يُدخلون البلاد في فتنة تحيل نهارها إلى ليل، وسوف تنتهي هذه الفتنة فيما بينهم وسوف يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً”.

كذلك ظل محمود طه يُندِّد بالنظم السياسية الاستبدادية التي حكمت السودان في القرن العشرين. وعندما صدرت قوانين سبتمبر 1983 الشهيرة، الخاصة بتطبيق الحدود في السودان، عارضها واعتبرها قوانين جائرة نُسبت زوراً وبهتاناً إلى الشريعة الإسلامية. وقد أصدر منشوراً بعنوان: “هذا… أو الطوفان”!! في ديسمبر 1984، وقد طالب فيه بإلغاء هذه القوانين نهائياً، لتشويهها الإسلام، وإذلالها الشعب، وتهديدها الوحدة الوطنية، كما طالب فيه السلطات المسئولة بإيقاف الاقتتال الحاصل بين الشمال والجنوب، واللجوء إلى الحل السياسي السلمي. وعلى إثر هذا المنشور قامت قوات النظام باعتقاله ومعه أربعة من أعضاء الحركة الجمهورية، ثم قُدِّموا للمحاكمة في 7 يناير 1985. ولكن محمود طه أعلن رفضه القاطع للتعاون مع المحكمة، وقد تحدث للقاضي وقتئذ قائلاً له عبارة خالدة سجلها التاريخ بأحرف من نور، وهي تلخص أزمة الفكر الإسلامي، والسلطة السياسية في العالم العربي.

ولكن سرعان ما صدر الحكم ضده بالإعدام، بتهمة التحريض ضد قوانين الدولة. وفي 15 يناير أصدرت محكمة الاستئناف حكمها بتأييد حكم المحكمة الأولى، بعد أن قامت بتحويل الحكم من إثارة الكراهية ضد الدولة، إلى اتهام بالردة عن الإسلام. وفى 17 يناير صدَّق الرئيس النميري على حكم الإعدام، وتم تنفيذه صبيحة يوم الجمعة 18 يناير 1985.

أُعدم محمود طه ظلماً وبهتاناً، ولكن الظلم لا يمكن أن يدوم مهما بلغ. فلم يمر سوى 76 يوماً على إعدامه، حتى سقط نظام النميري في السادس من أبريل عام 1985، بفعل انتفاضة شعبية عارمة أطاحت بحكمه. وفي 25 فبراير 1986 تقدمت الدكتورة أسماء- ابنة محمود طه- وآخرون بدعوى إلى المحكمة العليا في السودان- الدائرة الدستورية – تطالب فيها ببطلان إجراءات المحاكمة الأولى. وفي 18 نوفمبر من العام نفسه، قضت المحكمة العليا ببطلان حكم المحكمة الأولى ومحكمة الاستئناف بحق محمود طه، كما أعلنت منظمة حقوق الإنسان، فيما بعد، يوم 18 يناير من كل عام يوماً لحقوق الإنسان العربي.

لقد رحل شهيد الفكر والحرية عن عالمنا العربي بفعل مؤامرة كبرى دُبرت له من جهات عدة: النظام الأمني للرئيس النميري من جهة، والحركة الإسلامية بصمتها من جهة ثانية، والفقهاء والقضاة الشرعيين من جهة ثالثة، ورجال الدين السلفيين والمؤسسات الدينية الرسمية التي أفتت بردته عن الإسلام من جهة رابعة. ولكن ورغم رحيل محمود طه، إلا أنه لا يزال خالداً في ذاكرة الشعب السوداني ونموذجاً عظيماً للبطولات والتضحيات في تاريخ الدولة السودانية، مثلما يظل سقراط والحلاج وغيرهما خالدين في ذاكرة الفكر العالمي.

د/ حمدي الشريف

باحث وأكاديمي من مصر

[Email: hamdyalsharif@yahoo.com]
نشر في حريات   

أما زعمك باننى البت جماعتى لسبك فغير صحيح فكل القراء الذين اوردت تعليقاتهم ليسوا بجمهوريين، الا اخى عبد الله عثمان، ولم اتشرف بمعرفتهم شخصيا. كما أن مثل هذا السلوك ليس من اخلاق الجمهوريين وأدبهم. مرة أخرى أنا أعتقد أنك معجب بالفكرة الجمهورية اعجابا قسريا، ويزعجك هذا الاعجاب القسرى فتطرده بهذا السيل من السباب الذى تكيله كيلا للاستاذ محمود ولأبنائه الجمهوريين. وأود أن أهدى لك هذه العبارة من كتاب الرسالة الثانية من الاسلام لعلها تساعدك فى قراءة موضوعية للفكرة الجمهورية. يقول الأستاذ (ان هذا الكتاب يهدى الطريق، ولكنه لا يمكن من نفسه الا الذين يقبلون عليه بأذهان مفتوحة..). فأقبل عليه بذهن مفتوح حتى تقبله او ترفضه بفهم ولا تكون محتاجا لكل هذا السباب الذى تكيله للاستاذ محمود ظلما وعدوانا.