خالد فضل   مثّل الاستيلاء على السلطة ومفاتيح الثروة في السودان ذروة سنام تطلعات الحركة الاسلامية السودانية في طبعتها الأكثر حداثة ؛ والتي عرفت إبّان فترة الديمقراطية الثالثة (86__1989م) باسم الجبهة الاسلامية القومية.

 ولا غرو أنْ تسيّد الاسلاميون الحركيون المشهد السياسي السوداني كلّه عقب نجاحهم في الإمساك بالسلطة بسلاسة ويسر لم يكن متوقعا , إذا أخذنا في الإعتبار قصر الفترة الديمقراطية التي تلت 16عاما من الحكم الديكتاتوري المايوي , وما تزال حجج الاسلاميين التي يرددونها حتى الآن واهية وسطحية فيما يتعلق بالقيام بالانقلاب , وهي حجج تتراوح ما بين , إقصاء الشريعة من الدولة الديمقراطية , وتعاظم خطر التمرد الجنوبي وقتها, والعزلة الاقليمية والدولية التي كان يواجهها نظام الحكم الديمقراطي , وتردي الأوضاع الاقتصادية , وفقدان السيادة الوطنية وانتقاص الأراضي السودانية من أطرافها . اضافة الى زعمهم أنّ قوى سياسية أخرى كانت تستبق للإنقلاب على السلطة المنتخبة مما جعلهم يعجلون بالإنقضاض عليها بعقلية لعبة الأطفال المشهورة والتي قانونها السابق رابح !هذه تقريبا جلّ الذرائع التي يتحجج بها الاسلاميون حتى اليوم , وحتى عندما انضم د. الترابي الى المعارضة عقب طرده من السلطة في ديسمبر1999م, لم يزد في نقده للسلطة التي أقامها عن أحاديث عمومية حول تغلغل الفساد , والاستبداد , وكتم الحريات , ومساوئ الانقلاب وتوبته منه , مشفوعا باعتذار الى الله عن موبقات الانقلاب , وكأنّ الله عزّ وجل هو من وقعت عليه موبقات الانقلاب وممارسات سلطته ونزقها وفجورها ووحشيتها وفظائعها وليس غالبية الشعب السوداني .كما جاءت أسباب انسحاب حزب المؤتمر الشعبي من تحالف قوى الإجماع الوطني بذات المسوغات الضعيفة , مثل حديثهم عن تأييد بعض تلك القوى لما يصفونه بالإنقلاب على الشرعية في مصر , كأنّما هم سدنة الشرعية وحرّاسها فتأمل !!

   الآن بعد حقبة طويلة من الفشل وسلسلة ممتدة من المراوغات والمحاولات البائسة هنا وهناك لإكتساب مشروعية تؤهل الاسلاميين للبقاء في مستقبل المشهد السياسي /الاجتماعي السوداني , تبدو الصورة جلّية , وبقليل من النظر الدقيق يمكن وصف الحالة الراهنة لمسيرة الحكم بأنّها في مرحلة التملص من عقابيل وإرث التجربة المريرة لربع القرن الماضية , وقد جاءت الدعوة الأخيرة للحوار الوطني التي أطلقها الرئيس البشير منذ نحو عامين في هذا السياق , سبقها كما هو معلوم إجراء تعديل جزئي على الدستور الانتقالي السائد منذ 2005م , تمّ بموجبه منح الرئيس سلطات مطلقة  وتحصين قراراته من النقض حتى بوساطة المحكمة الدستورية , مع منحه حق تعيين حكّام الولايات بعد سحب ذلك الحق من مواطني الولاية , وأهمّ تلك التعديلات تحويل جهاز الأمن الى قوات مسلّحة موازية للجيش الوطني , وتقنين وضعية مليشيات الجنجويد التي استعان بها النظام في حروبه الأهلية ضد الثوار في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق  بتسميتها قوات الدعم السريع ؛ التي تتبع عمليا لجهاز الأمن والمخابرات , رغم طبيعتها القتالية وتدريبها وتسليحها , ومما يثير القلق أكثر أنّ معظم منسوبي هذه الوحدات الأمنية /العسكرية الجديدة ينحدرون من إثنيات محددة في دارفور , بل قوامها الأساس من قبيلة واحدة من القبائل العربية في الإقليم , كما تم تزيينها مؤخرا باستيعاب بعض العناصر من منسوبي بعض الحركات السياسية المنشقة عن الحركات السياسية المسلحة في دارفور ممن وقعوا على اتفاقات جزئية مع سلطة الاسلاميين الحاكمة في الخرطوم ,مثل حركة العدل والمساواة فصيل دبجو , وقد أثار بعض القادة العسكريين في الجيش السوداني مسألة تحول الجيش الى محاصصات قبلية , ضمن سياق ندوة عقدت قبل بضعة أشهر في الخرطوم .

  وسط كل هذه المعمعة السياسية لابد من التدقيق في جوهر فكرة الحركة الاسلامية , ليست السودانية فحسب بل حتى العالمية والاقليمية , فبحسب جمال سلطان , في رسالته المعنونة ,فقه الحركة , الأصول والمقدمات , نجد تلخيصا وافيا لما شهدته وما تزال تشهده الساحة السودانية والاقليمية من أنشطة وممارسات الحركة الاسلامية , إذ يكفي أنّ أهم ما في فقه الحركة الاسلامية , وصفه بالحركية أصالة ,والسكون فيه استثناء , فيما يوصف فقه المعاملات الاسلامي بأنّه قابل للحركة والسكون . هذه نقطة جوهرية تبين كل الممارسات التي حاقت بالسودانيين كنتيجة لتطبيق هذا الفقه الحركي , والذي من أسسه الراسخة ؛ جعل الفتوى متحركة باستمرار لتلبية الموقف المعني فقط ومن ثمّ تجاوزها عند مرحلة تالية , كما أنّ حاكمية النصوص ينبغي أنْ تحصر على أضيق نطاق ؛ حتى لا يستخدمها غير الحركيين من المسلمين لردع الحركة الاسلامية أو حتى أولئك الاسلاميين المنتمين للحركة الاسلامية ولكنهم  يصدرون فتاويهم من التكايا والزوايا والمكاتب وليس من ميدان جهاد الحركة الاسلامية وسط المجتمع الجاهلي / العلماني, بحسب تعبير مؤلف الكتيّب .فليس غريبا والحال هكذا أنْ تتم إبادة مئات الآلاف من المسلمين في قرى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق , بل في شوارع الخرطوم نفسها , فهذا أمر شرعي , لأنّ الرسول (ص) كان قد أمر برمي بعض حصون ثقيف في الطائف بالمنجنيق , وهو بطبيعته لا يميز بين المحارب وغيره ممن يمنع قتلهم كالعجزة والنساء والأطفال , لذلك ليس هنالك حرج فقهي _ في فقه الحركة طبعا_ في حرق القرى في مناطق النزاعات والثورات المسلحة طالما كانت هذه القرى تأوي أبنائها من المتمردين على سلطان الحركة الاسلامية في الخرطوم , ليس غريبا أن يصدر النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه فتواه الشهيرة باللغة الانجليزية ( أضرب لتقتل ) في مواجهة التجّار الذين يجازفون بالإتجار مع دولة الجنوب يومها ! مثلما نجد المبرر الفقهي لأحمد هرون في عبارته الفظّة أكسح أمسح ما تجيبو حيّ , فقه الحركة يقوم على ( الحرب خدعة ) والخدعة تشمل الكذب , لهذا يكذب إسحق أحمد فضل الله ويتحرى الكذب  ليل نهار ويفاخر بحراسته للمشروع الاسلامي , والفتوى التي يستند عليها إسحق وأضرابه مستمدة من فقه الحركة , ولا تمت بصلة لمرجعية فقه المعاملات الاسلامية الذي يحتكم الى قيم النبل , فيعتبر الكذب بمثابة الخروج عن الاسلام والايمان . والحرب خدعة ؛ فترى سلطات الحركة الاسلامية , تقبض على الإرهابيين الذين اغتالوا الدبلوماسي الامريكي قرانفيل وسائقه السوداني عباس عبد الرحمن , وتقدّمهم للمحاكمة , وبعد صدور الحكم بإعدامهم تهرّبهم من سجن كوبر عن طريق مواسير الصرف الصحي القديمة فتأمل في هولاء الإرهابيين الذين يتحولون داخل السجن الى ثعابين تزحف عبر المواسير, ثم تطير الى الصومال وليبيا !وتحت  فقه الحركة الاسلامية , المغاير لفقه المعاملات الاسلامي _على علّاته_ مارس ويمارس الاسلاميون مختلف أنواع الانتهاكات لحقوق الانسان بزعم بسيط , أنّهم حماة الاسلام في وجه موجات الجاهلية والعلمانية التي تجتاح العالم . ترى هل يمكن ضبط تنظيم فقهه يقوم على رزق اليوم باليوم دون أن ينسى بالطبع وضع الديباجة التجارية (الاسلام),بمنطق إنساني أو علمي أو سياسي أو فكري ؟ لهذا تبدو المواجهة الحاسمة مع هذا التنظيم اللعوب على مختلف المستويات والمجالات مما يؤسس لبناء مستقبل أفضل لوطن ولشعب لا يستحق هذه المهازل والألاعيب .