تقرير : صالح عمار بهدوء وسلام، عاش عوض النعيم، نصف قرن من الزمان مع أفراد أسرته وجيرانه بالخرطوم قبل ان تتحول حارتهم إلى سوقٍ يختلط فيه "الحابل مع النابل" بعد ان نقلت الحكومة احدى مكاتبها إلى حارته.

فمنذ الصباح الباكر يصحو النعيم على أصوات الباعة والسيارات التى تتحرك جيئة وذهابا. وامام ساحة منزله ومنازل جيرانه بمنطقة (الديوم الشرقية) يتجمع العشرات من الموظفين والمتعاملين مع المؤسسة الحكومية، ولخدمة هؤلاء تأسس سوق صغير يشمل كل مايحتاجه رواد المؤسسة من احتياجات.

ويبدى النعيم وجيرانه سخطهم من هذا الحال مع الأمل بأن تسمع السلطات صوتهم “فقدنا خصوصيتنا والهدوء الذى كنا نعيش فيه، واطفالنا لم يعودوا يجدوا موقعاً ليتجمعوا فيه. نعانى من التلوث والضجيج ونخاف ان يؤدي ذلك لانتشار الامراض بيننا .. من حقنا ان نعيش بسلام“.

ووفقاً لعدد من المناطق التى قمنا بمعاينتها وإفادات المصادر، ينطبق الحال على أجزاء واسعة من الأحياء السكنية بالعاصمة الخرطوم التى باتت تعانى من إنتقال المباني الحكومية إلى جوارها خلال السنوات الماضية بعد أن كانت فى الماضى محصورة فى وسط الخرطوم ومناطق أخرى بعيدة عن مقر إقامة الاسر.

أما الوجه الآخر للقصة، فيحكيه ويسلط الضوء عليه العاملون فى سوق “العقارات”. حيث أدى نقل الحكومة لعدد كبير من مكاتبها إلى الاحياء السكنية إلى زيادة أسعار شراء وإيجار “العقارات“.

واوضح العاملون ان المؤسسات الحكومية؛ ومنها على سبيل المثال الضرائب والشرطة والمحليات والصحة، توقع عقود إيجارات بمبالغ عالية وهو مايشجع التجار والاهالي على عرض عقاراتهم للإيجار والبيع وإرتفاع الاسعار

وقال، عادل الطيب – وهو صاحب وكالة لبيع وتأجير العقارات – ان السوق بات “يعتمد بدرجة كبيرة على المبادرات التى تقوم بها الحكومة بقصد او دون قصد مثل الإيجارات والإعلان عن الخطط السكنية او بناء كبرى او مطار او اى منشأة أخرى ذات اهمية للمواطن .. وينتج عن ذلك تلقائياً زيادة حركة الشراء والبيع فى تلك المناطق”.  ويضيف الطيب “القلة هى من تستفيد من ذلك واغلبهم من التجار، والاهالي الفقراء هم المتضررون“.

ويوجه، الصادق الامين، الذى يعمل كوسيط فى السوق، أصابع الإتهام إلى الحكومة بدعم وتقديم تسهيلات لعدد من (التجار) الذين باتوا  يتحكمون فى أسعار الاراضى وينشطون فى عمليات بيع وشراء على نطاق كبير “هم عبارة عن مضاربين يحصلون على ارباح واسعة دون عناء كبير .. فهم يملكون المال ذى الصلة بالدولة ويحصلون منها على التسهيلات والمعلومات بل ويضعون السياسات الإقتصادية والمالية ولهذا ابتلعوا كل شئ“.

وفيما يتعلق بحالة سوق العقارات عموما، يشير، جمال، صاحب وكالة (ابوحسبو) بالخرطوم، إلى أن السوق يعيش حالة تناقض. فمن ناحية توالي الاسعار إرتفاعها فى المناطق الرئيسية بالخرطوم، وفى الإتجاه الآخر ينكمش “الطلب” لاقصى درجة ويعيش السوق حالة ركود. ويرجع السبب إلى تحكم “المضاربين” من أصحاب رؤوس الاموال فى الاسعار والذين يمنعون إنخفاضها.

واوضح (ابوحسبو) ان الاراضى بأحياء الخرطوم تواصل ارتفاعها منذ عامين. ويضرب مثلاً بسعر المتر فى منطقة الخرطوم (3) الذى كان قبل عامين بخمسة الآف جنيه فيما يقارب حالياً التسعة الآف جنيه، وفى مناطق بعيدة عن وسط الخرطوم مثل اطراف الازهري والثورة الحارة (58) وصلت أسعار المنازل إلى (850) الف و مليون جنيه على التوالي. ويفسر ذلك بعدم وجود مشاريع منتجة وإتجاه المستثمرين لحفظ أموالهم بالتالى فى العقارات، بجانب الشح فى الدولار الذى يمثل مخزوناً للقيمة، بجانب نفوذ السماسرة الساعين لتعظيم أرباحهم.

فى الإتجاه الآخر، تسجل أسعار الاراضي انخفاضاً في المناطق الطرفية. ويقول الأمين حمد – وهو صاحب وكالة بمنطقة شرق النيل – ان الاراضي في منطقته واجزاء اخرى من ولاية الخرطوم “انخفضت بنسبة كبيرة خلال الشهور الماضية بما يساوي النصف فى بعض الأماكن .. سوبا شرق مثال واضح لذلك فقد إنخفضت الاراضى فيها من 800 الف جنيه إلى مايقارب 450 جنيه، اما شرق النيل فهى النموذج الاكثر وضوحاً للتراجع الكبير فى الاسعار”. ويشير حمد إلى ان معظم المشترين فى الاحياء الشعبية هم من المغتربين او ذوى الصلة بهم.

ويجمع عدد من العاملين فى سوق “العقارات” على ان العامة من الاهالي بعيدون عن حركة الشراء المحتكر للمضاربين، والمغتربين، وبعض الشركات. فيما لجأ الكثير من السكان إلى بيع منازلهم او إيجارها والإنتقال لمناطق طرفية للإستفادة من عائدها.

ويتشابه الوضع فى مدن أخرى مثل (مدنى، بورتسودان، كسلا، الابيض) إلى حد كبير مع العاصمة الخرطوم، حيث تتجه اسعار الاراضى إلى الانخفاض ويعانى الطلب من إنكماش حاد عدا مناطق قليلة فى وسط المدن او المجاورة لإنشاءات حكومية.

ومع إجماعهم على ان تمدد الحكومة فى إيجار العقارات يتسبب فى هدر الموارد ولاتغيب عنه شبهة الفساد، يحذر الخبراء من ان سوق العقارات يسيطر عليه “مضاربون” متنفذون ولايخضع بالتالي لقوانين العرض والطلب وهو مايضع سوق العقارات وربما الإقتصاد السودانى برمته ذات يوم “امام حافة الإنهيار”.