د. محمد محمد الأمين عبد الرازق        تناول الأستاذ بكري المدني في عموده بصحيفة "الوطن" بتاريخ 26/1/2016م قضية وقف بث لقاء الصحفي ضياء الدين بلال مع الأستاذة أسماء محمود بقناة الشروق، وهو يتكئ على كلام "ني" ومخالف للوقائع،

وما حدث هو أن السيد بلال تقدم بأسئلة تحتاج إلى شرح لم يكن، فيما يبدو، مطلوبا في الحلقة لأسباب يعلمها هو وإنما المطلوب الإجابة بنعم أو لا، فخرجت الحلقة غير منصفة بل أقرب إلى أن تشوه شخصية الأستاذ محمود، وأفكاره ولذلك عبرت الأستاذة أسماء عن استيائها من طريقة إدارة الحوار وطالبت بعدم بث الحلقة لأنها ستضرها، وتم ذلك قبل عدة أشهر، روجت القناة للحلقة خلالها أكثر من مرة لكنها لم تبثها!!

أرجو أن تقرأ ما كتبه السيد بكري في عموده:

(وليس من المفاجئ أيضا، في هذا الأمر، أن تجتهد قيادات من جماعة الأخوان الجمهوريين – حسب علمي – وقبل قرار إدارة القناة في وقف الحلقة المذكورة وإن كلفها ذلك دفع تكاليف إنتاجها، والسبب في ذلك يعود إلى أن أسماء تصرح عادة بما لا يريد له الإخوان الجمهوريون إعلانا) ويواصل:

(في شأن صلاة الأستاذ محمود محمد طه تتهرب قيادات الأخوان الجمهوريين من الإدلاء بإجابة قاطعة عكس ما تقول ابنته صراحة وتغرق قيادات الجمهوريين غالب الإجابات في متون فكرة محمود عن “سقوط التكليف والصلاة ذات الحركات وصلاة الأصالة” وما إلى ذلك من “نهج فلسفي” يضيع على السائل فرصة الظفر بإجابة قاطعة على السؤال حول هل كان محمود يصلي أم لا، على غير إجابة أسماء الصريحة والمباشرة والقاطعة في ذلك وهي: لا)!! انتهى..

إن السيد بكري عندما كتب كان مشغولا بمسألة صلاة الأصالة لأنها حسب فهمه (خميرة عكننة) لفكر الأستاذ محمود وحائلة بينه وبين الجمهور، ولذلك يرى أنها محرجة للجمهوريين وغير مرغوب في تناولها، ولذلك يتهربون من الإجابة القاطعة: لا التي تصرح بها أسماء باستمرار!! وعلى طول حشر خواطره هذه، “بإيدو وضراعو” لتكون هي ما حدث في قناة الشروق!!

لقد أخرج الأستاذ محمود عدد من الكتب في شرح الصلاة، في مقدمتها كتابي (رسالة الصلاة وتعلموا كيف تصلون)، فلنستمع إلى الأستاذ محمود يحدثنا في كتابه (تعلموا كيف تصلون) عن المستويين في الصلاة لنرى هل هذه حقائق العلم الروحي أم هي فلسفة العلم المادي كما زعم أخينا بكري:

(المستويين في الصلاة:

( إن صلاة ((المعراج)) ـ الصلاة الشرعية ـ وسيلة إلى صلاة ((الصلة)).. فنحن إنما لنا صلاتان: صلاة كبرى، وهذه لم يكن جبريل حاضراً فرضيتها، وإنما فرضت على النبي وقد سقطت، من بينه وبين ربه، وساطة جبريل.. وأخبرنا عنها النبي فقال: ((الصلاة صلة بين العبد وربه)) وصلاة صغرى، وهذه قد جاء جبريل بكيفيتها، وأوقاتها.. وأخبرنا عنها النبي فقال : ((الصلاة معراج العبد إلى ربه)) ولقد أمر تعالى النبي أن يعرج بصلاة ((المعراج)) إلى صلاة ((الصلة)) قال تعالى في حقه: ((ومن الليل فتهجد به نافلة لك.. عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا !!(( فصلى النبي صلاة معراجه يرتقي بها، كل يوم، إلى صلاة الصلة.. وندبنا نحن لنصلي صلاة معراجنا، لنسير بها، كل يوم، إلى صلاة صلتنا.. وصلاة المعراج هي شريعته الخاصة به، كنبي.. وهي شريعته لأمته، كرسول..  يجيء من هذا الوضع أننا نصلي صلاة المعراج، من حيث الهيئة، كما يصليها، غير أنه هو أصيل، ونحن مقلدون.. ولقد جاءت عبارته لنا في التقليد هكذا: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).. فإذا نحن استعملنا صلاة المعراج في تقليد النبي بإتقان ـ حركة أجسادنا ، وحالة قلوبنا ـ فإننا نعرج بها إلى صلاة الصلة.. وبصلاة الصلة تتم العبودية.. وعند العبودية تسقط الواسطة ، ويقوم العبد في مواجهة الرب..  ) انتهى

      إذن الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة تحتوي على مستويين: الأول هيكلي وهو صلاة (المعراج) وهي الصلاة التي نقلد فيها النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما المستوى الثاني فمعنوي وهو صلاة (الصلة) وهي تعني الحضور مع الله داخل صلاة المعراج، وإذا خلت صلاة المعراج من هذه الصلاة فلا تعتبر صلاة مقبولة بل باطلة ولذلك ورد في الحديث: “رب مصل لم يقم الصلاة” وأكثر: “رب مصل لم تزده صلاته من الله إلا بعدا” وقد قال تعالى: { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} سماهم “مصلين” للممارسة الشكلية، ثم قال: “عن صلاتهم ساهون” يعني غير مقيمين للمستوى الروحي الثاني.. فنحن عندما نقلد النبي في صلاته، إنما نعمل على تحقيق الصلة بالله في أنفسنا، لنترقى بمنهجية التوحيد نحو إنسانيتنا، حتى ننال صلاة أصالتنا.. و(الصلة) علاقة فردية بالله، و(المعراج) شريعة فردية في حق النبي الكريم، لكنها جعلت شريعة للجماعة، من أجل أن نرتفع بها نحو تحقيق صلاة الأصالة الفردية أسوة بالنبي.. والسبب في حتمية تحقيق الأصالة لجميع الناس في مآلهم، هو أن الفردية هي جوهر التكليف الروحي، فقد ورد في القرآن: (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا)، أو (لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة).. وقد شبه الأستاذ محمود مسألة النمو الروحي لدى السالك في الطريق النبوي، بنمو (السيوسيو) داخل (البيضة)، فالجنين داخل البيضة، ينمو باضطراد حتى يكتمل في تكوينه، فيكسر القشرة، ويخرج للحياة، فكأن القشرة هي التقليد، والحياة التي اكتملت هي (الصلة)، فعندما يخرج (السيوسيو)، تكون القشرة قد أكملت رسالتها تجاه (السيوسيو)، وكذلك السالك عندما تكتمل (الصلة)، بأن يملأ صلاة التقليد بالحضور يكون التقليد قد أكمل رسالته نحوه، فيسقط التقليد، ولا تسقط الصلاة وإنما يرتفع السالك من صلاة الجماعة إلى صلاة الأصالة الفردية.. هذا الشرح، المختصر يعطي تصور، عن معنى صلاة الأصالة في الرسالة الثانية، فالنبي الكريم كان ولا يزال أصيلا في صلاته التي جعلت لنا معراجا، وليس مقلدا لأحد، وهذه النقطة أحب لها أن تكون مركزة في الأذهان..

 ولما كانت صلاة الأصالة فردية فإنها تخص صاحبها، ولا علاقة للآخرين بها، ولذلك فلا معنى للسؤال عن تفاصيل صلاة الأستاذ محمود ابتداء.. لكن السؤال دوما عن الثمرة التي أخرجتها هذه الأصالة في الخلق والعلم، فالأصلاء بما تحققوا من حضور مع الله، فهم أصحاب رسالة تجاه الناس في إصلاح النفوس وقضايا المجتمع..

وهناك أمر في غاية الأهمية، وهو أن تحقيق الأصالة لجميع الناس، لا يتم في دورة حياة البشر الحالية، ولا يحق لأحد بيننا أن يدعي أنه أصيلا خارج التقليد بناء على دعوة الأستاذ محمود، فالأصيل واحد في هذه الدورة، ومن الناحية العملية هو الأستاذ محمود لأنه هو الذي طرح الفكرة نظريا من وحي اكتمال تحقيقه الروحي، فقد أخرج الأستاذ محمود في عام1982م كتابا بعنوان(التقليد والأصيل والأصلاء) جاء فيه حول هذه النقطة:

” فشريعة العارف طرف من حقيقته، وهو فردي الحقيقة فردي الشريعة.. ووقت تحقيق هذه الشرائع الفردية، ومستوى تحقيقها، يختلف من فرد لآخر، إلا أنها، في مستوى القمة، المستوى الذي يسقط فيه التقليد، تتحقق في هذه الحياة الدنيا لرجل واحد، هو قمة الهرم، أما كل من عداه فهم يحققون أصالتهم وشرائعهم الفردية داخل إطار التقليد النبوي، على تفاوت بينهم في ذلك، في زمن التحقيق، وفي مستوى التحقيق “.. انتهى..

إذن الأصالة نفسها مستويان: أصالة داخل التقليد وأصالة خارج التقليد..

والحقيقة أن الأصالة بمعنى سقوط التقليد أصعب مسألة في الفكرة الجمهورية، كما يرى الأخ بكري، وليست سهلة الفهم لأنها ذوقية أكثر منها فكرية، وهي غريبة لآخر درجة لأنها جديدة تماما ولم يقل بها أحد من قبله.. ولذلك كان الأستاذ محمود قبل صدور كتاب رسالة الصلاة، لا يسمح للجمهوريين بتناولها بالشرح، ويتولى أمرها بنفسه، وقد كان الشريف البيتي يتحدث إلى جانب الأستاذ محمود في الجلسات قبل ذلك بكثير لكنه إذا سئل عن الأصالة، يرد بوضوح: أهو داك الأستاذ محمود اسالوهو هو!!

  وفي ندوة مفتوحة ببور تسودان عام 1968م، طرح المعلم عمر الحسين السؤال التالي على الأستاذ محمود: (بأمانة يا أستاذ محمود الكلام السمعناه حول تنظيم المجتمع عن الدستور والحقوق الأساسية وتطوير التشريع، كله موافقين عليهو وما فيهو أي مشكلة، لكن السبب الأساسي في بعد الناس عنكم هو أن الأستاذ محمود لا يصلي  الصلاة المعروفة، في المساجد، فهذه عقبة بينكم وبين الناس تجعلهم غاير راغبين في الانضمام إليكم رغم قناعتهم بالأفكار الراقية، ولولا هذه المسألة  لكان الحزب الجمهوري صاحب الأغلبية في السودان)!! انتهى..

وهذا ملخص لذلك الحوار من حيث المعانى:

 علق الأستاذ محمود أولا: يا أستاذ عمر: هل الأفكار الراقية دي المؤسسة في أصول القرآن، إنت كنت عارفها قبل ما أكلمك بيها أنا!؟ ثم واصل:

 (أمبارح، في معلم زميلك أثار معي نفس المسألة دي، وقال لي أنا قلت لزوجتي، والله محمود دا لو كان صلى كل الناس ديل كانو بقوا معاهو.. فقال زوجتو ردت عليهو: هو لو ما كان صادق في أمرو ما كان صلى للاعتبار الأنت قلتو دا !!) ثم واصل:

أنا أؤكد ليكم أن كل الأفكار الراقية والكلام الطيب اللي بتسمعوهو مننا في الدستور وتطوير التشريع، والمعارف، السبب فيهو ومصدرو الأساسي تحقيق الأصالة.. هي (الشجرة) والأفكار دي (الثمرة) ولا يمكن إنت تستمتع بالثمرة ثم تعادي الشجرة!!

إذا ما فهمت، اصبر، صدّق، آمن، ما تنكر..التصديق يفتح باب العلم طوالي، والإنكار يقفلو.. ما تقولو نحن بنتفق مع محمود في الأفكار لكننا بنختلف معاهو في الأصالة لأنها هي مصدر كل فكرتنا ).. انتهى

ومعروف في السيرة، أن أبا بكر الصديق ما نال مقامه في الإسلام إلا بقوة إيمانه وثقته في النبي الكريم.. ومفتاح شخصية أبي بكر إنما يتمثل في قولته الجامعة: (إني متبع ولست بمبتدع) ومن هنا مصدر قوته.. ومقدرته علي الإتباع صادرة من مقدرته علي التصديق حتى سمي الصديق.. فقد ارتد أناس في حياة النبي لما سمعوا بحديث الإسراء فلم يتبنوه.. أما أبو بكر فما زاد علي أن قال: (أوقد قال ذلك؟؟ لئن قال ذلك فقد صدق!!) ولما عادوا يسألونه: (أتصدق أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وعاد قبل أن تصبح؟ قال: (نعم!! إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك من خبر السماء في غدوة أو روحة.. ) ثم ذهب إلى النبي، فطفق يسمع منه، ويصدقه، ويقول: (أشهد أنك لرسول الله!!)..

وعندما التقى القرشيون بالراهب بحيرة، في أمر النبي الكريم، سألهم: هل جربتم عليه من كذب؟؟ قالوا: لا .. قال: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله!! فالأخلاق المسددة هي أول ما يلفت نظر الناس إلى الداعية، وقد كان النبي معروفا بالصدق والأمانة، وكان محل ثقة جميع الناس، ولذلك آمن الناس به وصدقوا دعوته، على هذا الأساس..

فيا أخي بكري المدني: لا يوجد بين الجمهوريين اليوم أصيل خارج التقليد ليحدثك عنها حديث المحقق، ولذلك هم يحيلونك إلى كتب المحقق لا من أجل الهروب وإنما لتأخذ الخبز من خبازه، ولن تجد في هذه الكتب فلسفة مادية وإنما هو علم صراح ومعرفة كبيرة، وبعد ذلك تصدق أو تنكر فهذا شأنك أنت، فالجمهوريون على قناعة بها نظريا ويطبقون منهجيتها عمليا من غير أن ينتظروا يوما يتركون فيه التقليد كما هو الحال عند الأستاذ، فهذا أمر ليس واردا في دعوتهم حاليا..

وختاما الأستاذ محمود قال ما معناه: (الأصالة زي قطعة الثلج التي تعترض الشارب في الكوب وتمنعه أن يشرب وهو يحاول زحزحتها ليتحصل على قدر من الماء!! لكن يوم تذوب بالفهم تزيد مويتكم!!)