* أثبتت تجارب الإنقلابات، أنَّ "فرداَ" واحداً هو من سيتحكمُ في السلطة * ماهى الممارسة المأمولة من كيان يُرِّبي الأعضاء على أفكار جاهلية المجتمع والإستعلاء والعزلة ؟ * وتتضاعفُ الأزمة التي أدخل فيها رزق و"إخوانه" البلاد، لأنها آلت إلى "إستبداد مزدوج"

بابكر فيصل بابكر

في حوارٍ أجرته معه صحيفة “الصيحة” الأسبوع الماضي أرجع القيادي بحركة “الإصلاح الآن” الأستاذ حسن عثمان رزق إنتشار الفساد في الدولة إلى  حل مؤسسات الحركة الإسلامية ووجود أشخاص حول الرئيس أصحاب خلفية عسكرية تغلب عليهم طبيعة طاعة الأوامر أكثر من كونهم مستشارين.

وفي ردِّه على السؤال التالي : عندما أتيتم للسلطة رفعتم شعارات إسلامية وكان يجب أن تكونوا تجربة هادية للنهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر لكن للأسف انتشر الفساد ؟ أجاب بالقول :

( لأن البداية كانت خطأ، فبعد الإنقلاب مباشرة أوكل الأمر كله لنائب الأمين العام علي عثمان محمد طه، وحينها كان دكتور الترابي داخل السجن وبدلاً من أن يخرج بعد شهر أو شهرين ظل بالسجن ثمانية أشهر، وفي تلك الفترة نائب الأمين العام لم يكن يستشير أحداً وحينها قيادات الحركة الإسلامية كانوا يتذمرون لأنهم لا يعرفون ماذا يدور بخصوص تعيين الوزراء والتنفيذيين، وبعد خروج الأمين العام د. الترابي من السجن مباشرة ارتكب خطأ فادحاً جدًا وهو حل مجلس الشورى وكان ذلك قاصمة الظهر بالنسبة للمشروع الإسلامي لأن مجلس الشورى كان حارسًا للمشروع الإسلامي). إنتهى

حديث الأستاذ رزق أعلاهُ يحتاجُ لتفنيدٍ ومناقشةٍ دقيقة لأنهُ يُعبِّر عن حالة “الإلتفاف على الحقيقة”  التي تسمُ مواقف الغالبية العُظمى من أهل الإنقاذ السابقين والحاليين الذين يُصرِّون على عدم الإعتراف بأنَّ الخطأ الأساسي الذي تناسلت عنهُ جميع الأخطاء الفرعية الأخرى هو “الإنقلاب العسكري” نفسه وليس قرار “حل مجلس الشورى” أو تذويب “الحركة الإسلامية”.

قد أثبتت تجارب الحُكم التي توَّلدت عن الإنقلابات العسكرية أنَّ الذين يقفون وراءها , سواء كانوا يُمثلون حزباً سياسياً أو مجموعة عسكرية, يصبحون ضحايا لها, وأنَّ “فرداَ” واحداً هو من سيتحكمُ في السلطة ويحوِّلها في خاتمة المطاف إلى نظام وراثي يتعاقب عليه أبناؤه وأهل أسرته.

ذلك ما حدث في الإنقلابات التي وقف وراءها “حزب البعث” في سوريا والتي إنتهى الحُكم فيها إلى عائلة “الأسد”, وفي العراق الذي كان الحُكم فيه سيؤول لأحد أبناء صدَّام حسين “عُدي أوقُصي”, وفي ليبيا القذافي الذي بدأ عملياً في توريث إبنه “سيف الإسلام”, وكذلك علي عبد الله صالح في اليمن الذي سعى لتنصيب إبنه “أحمد” في مكانه, وغير بعيدٍ عن هؤلاء حسني مبارك وإبنه “جمال”.

وإذا كان هذا هو مآل الإنقلابات العسكرية في المنطقة, فما الذي جعل “الحركة الإسلامية” في السودان تعتقد أنها ستنجو من هذا المصير المحتوم ؟ من المؤكد انها أوهام “الآيديولوجيا” التي لا تكترثُ لتجارب “التاريخ” وتحمل نموذجها “المكتمل”  في “أذهان” أصحابها, وليس في “الواقع”, خصوصاُ وانها في هذه الحالة ذات بعد ديني يستند إلى “وثوقيات وقطعيات” لا يرتقي إليها الشك.

هذه التجارب التاريخية القريبة  كفيلة بإثبات خطأ رهان الأستاذ حسن رزق على “مجلس الشورى” كجسم بيده “الحل السحري” لضمان عدم أيلولة السلطة إلى طغمةٍ أو فرد, فالمعضلة الأساسية مرتبطة “بطبيعة الحُكم” نفسها والتي لا مُحالة ستؤدي إلى سيادة نظام “إستبدادي” في حال وجود مجلس الشورى أو عدمه.

العامل الثاني الذي لا يقلُّ أهمية عن سابقه, والذي يؤشر إلى حتمية مآل التجربة الإنقلابية يتمثل في طبيعة الأفكار والمنهج الذي تنطلق منهُ “الحركة الإسلامية” نفسها, وهو منهجٌ يستندُ إلى  مفاهيم ومبادىء لا علاقة لها بالديموقراطية, جعلت الحركة نفسها أشبه “بالتنظيم العسكري”, وهو الأمر الملاحظ بشدَّة في خطاب المرشد المؤسس “حسن البنا” للأخوان بوصفهم “جنوداً” وليسوا أعضاءأ في جماعة سياسية.

ماذا يتوَّقع الناس من قياداتٍ نشأت على مبدأ “السمع والطاعة” والثقة المُطلقة في القيادة ؟ و ماهى الممارسة المأمولة من كيان يُرِّبي الأعضاء على أفكار جاهلية المجتمع والإستعلاء بالإيمان والعزلة الشعورية ؟ وماذا يُرَّجى من أناسٍ زرعت في عقولهم فكرة الخلافة والأمميَّة الإسلامية ؟

مبدأ السمع والطاعة ينسفُ الأساس الذي تنبني عليه عملية “المُحاسبة والمساءلة” لأنَّ المطلوب من عضو التنظيم أن يكون في حضرة قيادته “كالميت بين يدي غاسله”, و”الإقصاء” هو بالضرورة الإبن الشرعي لفكرة الإستعلاء على المجتمع, أمَّا “الوطن” فهو لا يعني شيئاً أمام فكرة الأخوة الإسلاميَّة. المأزق إذن هو مأزق الأفكار, وهو المجال الذي يجب أن يُركز عليه الأستاذ حسن رزق في نقده للتجربة.

ليس هذا فحسب, بل أنَّ الذاكرة التاريخية لجميع حركات “الإسلام السياسي” ليس لديها ما تستحضرهُ في إطار “نظرية الحُكم” سوى نموذج “الخلافة” الذي كان إنتقال السُّلطة في ظله يتمُّ عبر “التوريث” أو “الغلبة” أي السيف, وبالتالي فإنَّ أفق هذه الحركات محكومٌ بهذا العامل المُحدِّد ولا تمتلك خبرات أخرى في كيفية إدارة الدولة أو تداول السلطة.

من ناحيةٍ أخرى, فإنَّ مقولة “لورد آكتون” : “السلطة مفسدة, والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”, تظلُّ على الدوام صحيحة, وقد تعلمت الإنسانية في مسيرتها الطويلة أنَّه لا بدَّ من “تقييد” هذه السُّلطة وممارسة “الرقابة” المستمرَّة عليها والسماح “بتداولها” بطريقة سلمية، وقد ثبت أنّ النظام “الديموقراطي” هو أكثر أنظمة الحكم “فاعلية” في القيام بهذه المهام.

وعلى مستوى “الأفراد” الحاكمين ثبت أنَّ الإعتماد على الكوابح الإنسانية الداخلية مثل “الإيمان” و “التقوى” و “الضمير” وغيرها لا يكفي وحدهُ لحماية هؤلاء الأفراد من فساد السلطة، وبالتالي تم إخضاعهم لقيود خارجيَّة متمثلة في الدستور و القوانين والنظم واللوائح.

وبما أنَّ فساد السُّلطة يُعتبرُ أمراً حتمياً, فإنَّ مُجرَّد  محاولة ربطها (أي السُّلطة) بالدين يعني إهدار معناه, ذلك لأنَّ السلطة – كما يقول جمال البنا – تُفسد الآيديولوجيا (العقيدة) وهو إفساد في طبيعة السلطة ولا يُمكن أن تتخلص منه, وكل نظام يحاول الإقتران بالسُّلطة بقصد إصلاحها وتطويعها لا بُدَّ أن يقع فريسة لها وبدلاً من أن يكون سيِّدها يُصبحُ تابعها.

ومن هُنا فإننا نقول أنَّ سبب الفساد ليس هو “حل مؤسسات الحركة الإسلامية” أو “وجود اشخاص حول الرئيس أصحاب خلفية عسكرية تغلب عليهم طبيعة طاعة الأوامر”, كما يقول الأستاذ حسن رزق, فالحركة الإسلامية نفسها – كما ذكرنا – لا تختلفُ كثيراً عن “الجيش” حيث يتربى أعضاؤها على “مفهوم الطاعة” وبصورة أبعد مدىً من الجيش لأنَّ طاعة الأوامر في الأخير مصدرها “القوانين واللوائح” الوضعية بينما هو “الدين” في الحركة الإسلامية.

وبالتالي فإنه حتى إذا لم يقُم الدكتور الترابي بحل “مجلس شورى” الحركة الإسلامية وتعطيل مؤسساتها, فإنَّ مآلات الحكم من حيث إحتكار السلطة وإنتشار الفساد والتدهور العام في مختلف نواحي الحياة كانت حتمية, وهى – السلطة – كانت ستؤول في أفضل الأحوال لطُغمةٍ حاكمة بدلاً عن فردٍ طاغية, ولا خير في كليهما.

وتتضاعفُ الأزمة التي أدخل فيها الأستاذ حسن رزق و”إخوانه” البلاد منذ أكثر من ربع قرن من الزمان لأنها آلت إلى “إستبداد مزدوج”, سياسي –ديني, ولقاهر الإستبداد “الكواكبي” مقولة دالة في هذا الشأن :  

( ويحكمون بأنَّ بين الاستبدادين السياسي والديني مُقارنةٌ لاتنفكُّ متى وُجِد أحدُهما في أمةٍ جرَّ الآخر اليه أو متى زال زال رفيقهُ ، وإن صلُح أي ضعُف أحدهما صلُح أي ضعُف الثاني . ويقولون أنَّ شواهد ذلك كثيرة جداً لايخلو منها زمان ولا مكان . ويبرهنون على أن الدين أقوى تأثيراً من السياسة إصلاحا وإفساداً ). إنتهى

إنَّ جوهر الحكم السليم و أساس التعاقد بين الحاكم والمحكوم ينبغي أن يقوم على “الإختيار الحر”، ودون ذلك فإنَّ أهداف السلطة ستتحدَّد وفقاً لتقدير “مصالح” الأطراف المحتكرة و النافذة في الحكم والمستفيدة منه وبما يضمن استمراره ، هذا “الاحتكار” للسلطة يخلق البيئة المواتية “للفساد والإفساد” و لا سبيل للفكاك منه سوى كسره وفتح الباب أمام الإختيار الطوعي.