نبيل أديب نشر الدكتور درديري محمد احمد كتاباً قيماً باللغة الإنجليزية بعنوان الحدود والإنفصال في إفريقيا والقانون الدولي وهو كتاب لا يعادل الإستمتاع بقراءته، إلا ما يجنيه القارئ من فائدة بما يقدمه له من معلومات. 

في لغة جذابة جاب الدكتور درديري محمد احمد في أكثر دروب فقه القانون الدولي وعورة، فعرض النظريات التي أرساها ثقات لا يشق لهم غبار، ليسقطها واحدة تلو الأخرى، بحجج دامغة في سرد درامي بالغ التشويق.

بعد أن أثبت دكتور درديري وجود قاعدة عرفية في القانون الدولي، وهي قاعدة قدسية الحدود الموروثة “intangibility of inherited frontiers” كقاعدة خاصة بإفريقيا تقضي بديمومة حدود الدول الإفريقية بالشكل الذي كانت عليه وقت حصول الدول على إستقلالها، أوضح أن النتائج المترتبة على ذلك هي من جهة عدم قبول أي مطالبة من قبل أي دولة علي إقليم دولة أخرى تقتضي تغيير الحدود، ومن جهة أخرى عدم جواز المطالبة بإنفصال أي إقليم من الأقاليم المشكلة للدولة. ومن ثم بدأ الكاتب في فحص المطالبات بالإنفصال، وكيف أمكن لها تجاوز القاعدة الإفريقية الخاصة بثبات الحدود، وأثر ذلك على القاعدة نفسها.

أثر الإنفصال على القاعدة

 ترك الإستعمار حدوداً مصطنعة نتيجة لعوامل مختلفة إنتهت لوجود إثنيات، ومجموعات ثقافية، وأحياناً قوميات متعددة داخل الدولة الواحدة. وقد أدى ذلك أحيانا حين تفتقد تلك المجموعات التناغم لنزاعات، ومطالبات بالإنفصال، وتأسيس دول جديدة، وما يتبع ذلك من إخلال بمبدأ ديمومة الحدود الموروثة . يرى الكتاب أن القاعدة كانت من القوة بحيث لم يكن ممكنا للحركات المطالبة بالإنفصال عن الدولة الأم، ما لم تجد لمطالبتها أرضية نظرية لا تتعارض مع المبدأ الذي يحكم الدول الإفريقية في هذا الخصوص، وتمكن الكاتب من التعرف على عدد من النظريات:

نظرية إحياء الحق التاريخي

 وهذة النظرية لجأت إليها إريتريا بدعوى أن ضمها لإثيوبيا كان بناء علي قرار خاطيئ من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لأنها لم تجري إستفتاء لشعب إريتريا ليقرر مصيره. عندما سيطرت الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا في مايو 1991م عقب إنهيار نظام منقستو في اثيوبيا علي سائر أراضي إريتريا، لم تعلن الإستقلال، بل إختارت أن تعيد عقارب الساعة الي لحظة ضم إريتريا لأثيوبيا، وتطلب من الأمم المتحدة أن تعود لتجري إستفتاء للشعب الإريتري ليقرر مصيره. قبلت الجمعية العامة فقط مراقبة الإستفتاء، وعندما أعلن مفوض الأمم المتحدة أن الإستفتاء كان حراً ونزيهاً تم أعلان إستقلال إريتريا وفقاً لرغبة شعبها حسب نتيجة الإستفتاء. وتبدو الحالة الإريترية، وهي شبيهة في ذلك بحالتي الكميرون الجنوبية و الصومالي لاند، بغير أثر على نظرية حرمة الحدود الإفريقية، ليس فقط لإتصالها بحالة نادرة، بل لأنها لم تواجه القاعدة ولم تنكر إلزاميتها، وإنما لجأت إلى إحياء لحظة تاريخية لتطبيق مبدأ تقرير المصير عليها رغم ما في هذا من مغالطة تاريخية.

حالة النص الدستوري علي جواز الإنفصال

 وهي تشمل الدستور الإثيوبي والذي منح حق تقرير المصير، بما في ذلك حق الإنفصال، بالنسبة للأمم والقوميات والشعوب المكونة لإثيوبيا، وهو حق لم يختبر حتى الآن.

   الحالة الثانية هي حالة السودان والذي  تضمن دستوره الإنتقالي حق جنوب السودان في تقرير مصيره بإستفتاء يجري في نهاية الفترة الإنتقالية، وهو حق أسفر عن إستقلال الجنوب.

وترجيح أيا من الرأيين لا يبدو بالسهولة التي تجعل مراقب محايد يصل إلى قرار قاطع في المسألة. هل كان جون قرنق بالفعل إنفصالي رغب في إخفاء نواياه لمعرفته المسبقة بما يمكن أن تواجه هذه الدعوه من إعتراض أفريقي؟ أم كان يرغب في سودان متحد على أسس جديدة ؟ هي أسئلة يصعب الرد عليها بسبب الوفاة المفاجئة للزعيم في أول الفترة الإنتقالية، و بسبب عدم كفاية الأدلة المتاحة حتي الآن. ولكن أقوال الرجل المعلنة كلها كانت تدعو لسودان موحد. والتساؤلات لا تنتهي عند هذا الحد فإذا كان قرنق صادقاً فيما كان يدعو له فهل كانت حركته موحدة خلفه؟ يبدو أنه حتي وفاته كانت حركته قصراً على المطالبين بالسودان الجديد، رغم قبوله للمطالبة بحق تقرير المصير، في حين إنفض عنه المؤمنون بالإستقلال. وهل كان قبوله للمطالبة بحق تقرير المصير في أية مبادرةٍ للسلام في المستقبل في شهر سبتمبر عام 1991، أي بعد أقل من أسبوعين من الانقسام، محاولة للمناورة ضد المنشقين عليه أم نتيجة لزوال الحرج بعد أن نادى بها المنشقون؟ كذلك هنالك أسئلة جدية حول قبول الخرطوم لفكرة تقرير المصير، بالنظر لما كان يشكله الجنوب من عقبة بالنسبة للمشروع الحضاري الذي كانت تنادي به. و يبدو هذا في القبول المتعجل للخرطوم لحق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت، الذي دعمت فيه المنشقين عن قرنق. ورغم عدم الإشارة في الإعلان لحق تقرير المصير بإسمه ولكن الفقرة الثالثة منه نصت على الآتي: “بعد نهاية الفترة الانتقالية يُجرى استفتاء عام في جنوب السودان لاستطلاع آراء المواطنين الجنوبيين حول نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم السياسية دون استبعاد أي خيار.” و إمتد خط ذلك القبول في إتفاق الخرطوم للسلام والتي يتناول الفصل السابع منها موضوع الاستفتاء، وتنصّ المادة الأولى منه على الآتي:
أ) بموجب هذه الاتفاقية يحق لمواطني جنوب السودان تحقيق تطلعاتهم السياسية بحرية، وتأكيد سعيهم للتنمية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية.
ب) يمارس مواطنو الولايات الجنوبية هذا الحق في استفتاء قبل نهاية الفترة الانتقالية.
ج) تكون خيارات الاستفتاء هي الوحدة والانفصال.
وفي نفس العام وافقت الحكومة على إعلان مبادئ الإيقاد الذي يتضمن حق الجنوبيين في  تقرير مصيرهم بما في ذلك حق إقامة دولة مستقلة عبر استفتاء حر. وكذلك تم تصمين الحق في دستور 1998

ورغم أن إستقلال الجنوب لم يواجه بأي معارضه من الدول الإفريقية، إلا أن المجتمع الدولي الإفريقي كان واضحاً في أنه مع قبوله لحق تقرير المصير، إلا أنه لا يقبل أن تصل ممارسة ذلك الحق إلى الحق في الإنفصال.

الإنفصال التصحيحي

 كانت مطالبة كاتنقا في الإنفصال عن كنشاسا تستند علي المادة 20 (1)  من الميثاق الإفريقي الذي يمنح الحق في تقرير المصير. رأت اللجنة أنه في غيبة بينات واضحة عن إنتهاك لحقوق الإنسان يصل درجة تدعو لوضع وحدة أراضي زائير قيد الفحص، وفي غيبة بينات واضحة حول إنتهاك حق شعب كاتنقا في المشاركة في الحكومة، وهو الحق الذي تكرسه المادة 13 (1) من الميثاق فإن اللجنة تري أن شعب كاتنقا ملزم بممارسة حق تقرير المصير بشكل لايمس سيادة ووحدة أراضي زائير. و هذا يعني بمفهوم المخالفة، أنه يمكن قبول طلب  كاتنقا إذا توفرت الحالتان اللتان أشارت اللجنة لعدم توافرهما. ورغم أن اللجنة أعادت نفس هذا المعيار في Gunme/Cameroon  إلا أن الكاتب يرى أن المادة (12) الفقرة (1) لا تحمل أكثر من حق المواطنين في المشاركة في الحكومة كحق ديمقراطي لا صلة له بالمطالبة بالإنفصال، بالإضافة لأنه لا يشكل مبدأ مقبولاً في القانون الدولي بشكل عام.

يري الكاتب أن تطور حق تقرير المصير من حق القومية في الإستقلال بدولة خاصة بها، لحق في الخروج عن نير الإستعمار، إلي مسألة حق تقرير المصير التصحيحي، يؤكد أن الحق لم يتم إستيعاب كل صوره، خاصة و أن ما يتمتع به المبدأ من erga omnes أي أنه حق يتقرر في مواجهة الكافة يمكن أن يسمح بالإعتراف بحق الإنفصال في المجال الأفريقي. أضف لذلك: 1 أن الدول الأفريقية بشكل عام قد نالت إستقلالها عن طريق مبدأ تقرير المصير للمستعمرات 2 يتميز الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب بإهتمامه بالحقوق الجماعية، وقد تم أساسا صياغة الميثاق كرد فعل للفظائع المرتكبة بواسطة أنظمة كنظام (عيدي أمين) و (بوكاسا).

الخضوع أو الهيمنة أو الإستغلال خارج الإطار الإستعماري

يقرر حكم المحكمة العليا الكندية في دعوى إنفصال الكويبيك، وجود سببين لنشوء الحق في الإنفصال في القانون الدولي هما حق تقرير المصير بالخروج عن الخضوع للمستعمر، و الثاني حق شعب  يفرض عليه عنصر أجنبي خضوعاً أو هيمنة أو إستغلالاً خارج الإطار الإستعماري. وقد إعتمدت المحكمة في ذلك علي إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الدولية، والتعاون بين الدول وفق ميثاق الأمم المتحدة في 24 إكتوبر 1970.

وتري المحكمة العليا الكندية كلمة شعب الواردة في المبدأ لاتعني بالضرورة مجموع السكان التابعين للدولة، كما هو الحال حين تستعمل الكلمة في سياق حق تقرير المصير في الإطار الإستعماري. ويبدو أن هنالك صعوبة في القول بأن هذا المبدأ يعطي حق تقرير المصير الخارجي، بالنظر لأن الفقرة السابعة من الإعلان تمنع تفسير أي مادة فيه بأنها تسمح أو تشجع علي تقطيع أوصال أية دولة، أو إنتهاك وحدتها، أو حرمة أراضيها، جزئيا أو كليا. و لكن الكاتب يعتقد أن هذا الإلتزام يقع علي الدول، بمعني أنه لايجوز للدول أن تتخذ ذلك ذريعة للتدخل في شئوون  الدولة التي يعاني جزء من شعبها من خضوع أو هيمنة أو إستغلال، ولكنها لاتمنع الشعب نفسه الواقع تحت تلك الظروف من إتخاذ الإجراء الممنوح له بواسطة الإعلان.

يرى الكاتب أن الثلاثي إخضاع، وهيمنة، و إستغلال، ظهر من قبل في البروتوكل رقم (1) المضاف لعهود جنيف 1977، وأن القصد منه آنذاك كان مواجهة المستوطنات البيضاء في جنوب أفريقيا، وهي صورة لهيمنة شعب علي آخر في نطاق الدولة الواحدة، خارج إطار الإستعمار التقليدي، ولا تعكس تدخلاً من دولة أجنبية. وكون أن القاعدة شرعت لمواجهة حالة بعينها، لا يعني أن يقتصر تطبيقها علي تلك الحالة فحسب، فالقاعدة القانونية سواء كانت داخلية أم دولية هي قاعدة عامة ومجردة، وبالتالي فإن حالة هيمنة أي جزء من السكان، علي جزء آخر في المستوي الأدنى من المستوي القومي داخل الدولة الواحدة، يستدعي إعمال القاعدة.

وبحثاً عن سند لذلك، رأى البعض توسيع فكرة الإستعمار لتشمل هذه الحالة، بإعتبار أن حق تقرير المصير في مواجهة المستعمر هو حق موجود ومستقر في القانون الدولي. وقد إستخدمت الهند هذه الحجة عندما ساعدت بنغلادش للخروج من السيطرة الباكستانية. و لم يري بعض الفقهاء سبباً أصلاً للبحث عن سند لحق تقرير المصير غير إرادة الشعب الذي يطالب به، فيقول (BOWETT) أن حق تقرير المصير وهو حق سياسي، وأنه إذا رغبت أغلبية معتبرة من شعب منطقة قابلة للتحديد في تقرير مصيرها، فلا أدري بموجب أي حق تلزمهم الدولة بالبقاء تحت إختصاصها، فتخيرهم بين الخضوع لها أو الفناء.

يري الكاتب أن يُؤسس حق تقرير المصير علي الحقوق المتكافئة للشعوب، و بالتحديد علي المادة (19) و المادة (20)الفقرة (2) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب. الميثاق الأفريقي والذي صدر عقب مذابح بوروندي، تضمن ستة مواد تتعلق بحقوق الشعوب، وهو ما جعله فريداً بين المواثيق الأقليمية، وذلك يضع أرضية جيدة لحق الشعوب في تقرير المصير في مواجهة الهيمنة . المادة (19) من الميثاق تعترف بحق الشعوب في المساواة – التمتع بنفس القدر من الإحترام ــ و أن تتمتع بحقوق متكافئة، وأن لا تخضع لهيمنة شعب آخر. و هو حق للشعب و ليس مجرد إمتداد لحقوق الفرد في عدم التمييز ضده، بل هو حق للمجموعة بإعتبارها كذلك إضافة للحقوق الفردية لأفرادها.

كذلك فإن حق الشعوب في المادة (19) يختلف عن حق الأفراد في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلدهم المنصوص عله في المادة (12)الفقرة (1).

وقد ميز الكاتب بين المادة (19) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب، وبين المادة (7) من إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الدولية و التعاون بين الدول، في أن الدعوى في المادة (19) هي ضد شعب آخر، و ليس ضد حكومة، و بالتالي فإن إعمال المبدأ لا يتطلب أن تكون الحكومة تمثيلية. والسؤال هو هل يتطلب إعمال المبدأ، أن تصل الهيمنة إلي درجة أن يتم إختطاف الحكومة بواسطة قسم من الشعب ليحولها إلي أداة للهيمنة علي قسم آخر من الشعب، أم يمكن إعمال المبدأ في حالات لا تصل لذلك الحد؟

إعتراف اللجنة الإفريقية بالمبدأ

في الإتحاد الأفريقي الملاوي ضد موريتانيا تذكر اللجنة الأفريقة أن أساس الإنتهاك المدعى به هو هيمنة قسم  من السكان علي قسم آخر، و أن التمييز ضد المورتانيين السود حسب إدعاء المدعية هو نتيجة لإنكار الحقوق المتكافئة للشعوب الذي تكرسه المادة (19). و رغم أن اللجنة من حيث موضوع الشكوي لم يثبت لها وجود إنتهاك لذلك الحق، إلا أنها من حيث المبدأ قبلت أنه لو صح إدعاء المدعين فإنه يؤسس لسبب صحيح للدعوى بإنتهاك الحقوق المتكافئة للشعوب.

بالإضافة للمادة (19) فإن حق المساواة تمت إضافة له بموجب المادة (20)الفقرة (2) و التي تعطي الشعوب المقهورة الحق في أن تحرر نفسها من تلك السيطرة، وذلك باللجوء إلي كافة الوسائل التي يعترف بها المجتمع الدولي. لم يلفت ذلك الحكم الإنتباه الكافي للإعتقاد الخاطئ الذي ساد لدي شراح القانون بأن كلمة “المقهورة” مرادفة لكلمة “المستعمرة. وفي سياحة فقهية مثيرة يتوصل الكاتب لأن كلمة شعب لا تعني فقط مجموع السكان في إقليم دولة ما، بل تعني أيضاً أي قسم من السكان له صفات مميزة. في Gunme/Cameroon أنكرت الكاميرون أن الكامرونيين الجنوبيين يشكلون شعباً، ولكن اللجنة رأت أن ربط كلمة شعب بالتكوين الإثني غير صحيح، و أن الحقوق الجماعية التي تضمنها الميثاق في المواد (19) وحتي (24) منه يمكن ممارستها بواسطة الشعب الذي يضمه بعضه لبعض الاشتراك في التاريخ أو التقاليد أو الجنس أو العنصر أو الثقافة أو اللغة أو الدين و أي روابط أخري.

تقرير المصير في إطار الدولة الواحدة

تبقي بعد ذلك مسألة ما إذا كانت هيمنة شعب علي شعب آخر، وفقاُ للمادة، تمنح الحق في الإنفصال؟ في المطالبات أمام اللجنة الأفريقية أجابت اللجنة بالنفي بإعتبار أن حق تقرير المصير يجب أن يمارس بشكل لا يهدد وجود و سلامة أراضي الدولة، لأن الإنفصال ليس من الوسائل التي يعترف بها مجتمع الدول حسب الفقرة(2) من المادة (20). والكاتب لا يجد خطأ في ذلك وفقاً للقانون كما هو الآن، ولكن بالنظر لخطورة الحروب الأهلية والإضطرابات حين ترفض مجموعة تكوِّن شعباً أن ترضخ للضيم الكامن في الهيمنة والسيطرة والإستغلال، فإن الوضع يدعو إلى ظهور قاعدة جديدة. واقع الأمر أن مبدأ قدسية الحدود الموروثة في أفريقيا يجب أن يفسح مكاناً لحق الشعب في تقرير المصير، بالنظر للطبيعة العشوائية التي تم بها رسم الحدود تحت الهيمنة الإستعمارية. إن قدسية الحدود بغض النظر عن الأرضية النظرية التي تستند عليها في إفريقيا تقوم على مبدأ اساسي في القانون الدولي وهو مبدأ سيادة الدولة، والذي يفرض مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى. وعلى أن جميع الدول صغيرها وكبيرها علي السواء متساوية. ولكن هذا المبدأ يعاني الآن من تراجع واضح سببه التقدم في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

مبدأ سيادة الدولة ومبدأ مسؤولية الحماية

نتيجة لذلك فقد ظهر مبدأ جديد يسمح بالتدخل للمجتمع الدولي تحت مبدأ مسؤولية الحماية، عقب الفظائع التي إرتكبت في رواندا والبلقان في التسعينات. في تقريرها المعنون “مسؤولية الحماية” رأت اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول (ICISS)، أن السيادة لم تمنح فقط الدولة السلطة الحصرية على شؤونها الداخلية، ولكنها أيضا وضعت عليها إبتداءً مسؤولية حماية الشعب داخل حدودها. واقترحت أنه عندما تفشل دولة ما في حماية شعبها – سواء بسبب عدم القدرة أو عدم الرغبة – تتحول المسؤولية إلى المجتمع الدولي الأوسع.

في عام 2004، أيدت اللجنة الرفيعة المستوى المعنية بالتهديدات والتحديات والتغيير، التي أنشأها الأمين العام كوفي عنان، مبدأ مسؤولية الحماية “R2P”  وأكدت وجود مسؤولية دولية جماعية “تتم ممارستها من خلال السماح لمجلس الأمن بالتدخل العسكري كملاذ أخير، في حالة الإبادة الجماعية وغيرها من عمليات القتل واسعة النطاق، والتطهير العرقي والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني التي أثبتت الحكومات ذات السيادة أنها عاجزة أو غير راغبة في منعه “. وقد اقترحت اللجنة المعايير الأساسية التي من شأنها أن تضفي الشرعية على منح الإذن باستخدام القوة من قبل مجلس الأمن الدولي، ومنها أن يتناسب الإجراء مع درجة خطورة التهديد، وأن يستخدم فقط كملاذ أخير.

وقد قبلت رسميا جميع الدول الأعضاء في مؤتمر قمة العالم للأمم المتحدة، المنعقد في سبتمبر 2005، مسؤولية كل دولة عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية. وقد اتفق قادة العالم أيضا أنه عندما تفشل أي دولة في القيام بما تتطلبه هذه المسؤولية، تصبح جميع الدولالمجتمع الدولي مسؤولة عن المساعدة في حماية الأشخاص المهددين بمثل هذه الجرائم. في حال فشل السلطات الوطنية بشكل واضح في حماية سكانها، وعدم كفاية الوسائل السلمية بما في ذلك الوسائل الدبلوماسية والإنسانية ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحرك بشكل جماعي في الوقت المناسب، وبطريقة حاسمة من خلال مجلس الأمن الدولي وفقا لميثاق الأمم المتحدة، على أساس كل حالة على حدة، وبالتعاون مع المنظمات الإقليمية حسبما يدعو الحال.

 

أشار مجلس الأمن لمسؤولية الحماية للمرة الأولى في أبريل 2006، في القرار 1674 بشأن حماية المدنيين في الصراعات المسلحة. أشار مجلس الأمن لهذا القرار في أغسطس 2006، عندما اصدر القرار رقم 1706 الذي يسمح بنشر قوات حفظ سلام دولية في دارفور. وتكررت الإشارة بعد ذلك لمسؤولية الحماية في عدد من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن.


أصدر مجلس الأمن القرار 1973، في 17 مارس 2011والذي أذن فيه المجلس للدول الأعضاء أن تتخذ “جميع التدابير الضرورية” لحماية المدنيين المعرضين لخطر الهجوم في ليبيا ، مع استبعاد الاحتلال الأجنبي بأي شكل لأي جزء من الأراضي الليبية. وبعد بضعة أيام، بدأت طائرات الناتو ضرب قوات القذافي، إستناداً على ذلك القرار.

وقد أصدر مجلس الأمن قرارات مشابهة في ساحل العاج وجنوب السودان وفي اليمن وسوريا وإفريقيا الوسطى.

 ما يجب علي المجتمع الدولي أن يواجهه هو السؤال الذي وجهه له الدكتور درديري، وهو هل يجب أن يقبل الشعب الخاضع لهيمنة من شعب آخر، في نطاق الدولة الواحدة التي تغمض عينها عن تلك الهيمنة، حتى لا يخل بمبدأ وحدة أراضي الدولة وحرمة حدودها؟ وما هي الدرجة من الهيمنة المطلوبة حتى ينشأ حق تقرير المصير الخارجي؟ هل يجب على الشعب الخاضع للهيمنة أن ينتظر حماية المجتمع الدولي، والتي لن تأتي إلا إذا إذا قادت مقاومته لأن ترتكب الدولة إنتهاكات واسعة لحدود الإنسان، أو تفقد السيطرة علي أرضها؟ وما هو مدى تدخل المجتمع الدولي في هذه الحالة هل يقتصر فقط على تدخل إسعافي ينتهي بإنتهاء فرض الحماية دون علاج للمشكلة التي أنتجت الحالة التي دفعته للتدخل؟ أم سيتم علاج الظاهرة عن طريق علاج أسبابها وهو علاج يقتضي بالضرورة الإعتراف بحق المجموعة التي تجمعها سمات مشتركة والخاضعة للهيمنة في حق تقرير المصير الخارجي؟

إنني أوافق الدكتور الدرديري فيما ذهب إليه من ضرورة الإعتراف بالحق في الإنفصال إستناداً على حق تقرير المصير في حالة خضوع أي شعب لهيمنة أو سيطرة شعب آخر في نطاق الدولة الواحدة، تطبيقاً لمبدأ الحقوق المتكافئة للشعوب، المضمن في المادة 19 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان. ولكن ما تتطلبه الحالة وما يقرره القانون هما أمران مختلفان، وبالتالي فإن الدكتور الدرديري يقف عند ما تقرره القاعدة القانونية الدولية الآن بالنسبة لذلك الحق فيجدها قاصرة، ولكن علاج هذا القصور يتطلب نشوء قاعدة مخالفة عن طريق العرف، أو الإتفاقيات الدولية، تعترف بحق تقرير المصير الخارجي للشعوب الخاضعة لهيمنة من شعب آخر في إطار الدولة الواحدة.

هل يمكن أن نرد القبول في حالات الإنفصال التي تم قبولها من المجتمع الأفريقي، و بالتحديد حالتي أريتريا وجنوب السودان، لإقتناع صامت من الدول الإفريقية بأن هنالك هيمنة من شعب علي شعب داخل الدولة الأم، تمنح الحق في تقرير المصير الخارجي للشعب الخاضع لتلك الهيمنة؟ بالنسبة لحالة جنوب السودان فإن إعلان المبادئ الخاص بإيقاد يعني أن الدول المكونة للمجموعة تقبل حق تقرير المصير الخارجي في مواجهة الهيمنة. فالإعلان يتطلب في المادة الثالثة منه تبني خمس مبادئ كلها تتصل بالإعتراف بالحقوق المتكافئة لشعوب السودان، ثم تنص المادة الرابعة منه على أنه في “في حالة  فشل الأطراف في الاتفاق على هذه المبادئ كأساس للسودان الموحد، يكون للجنوبيين الحق في تقرير مصيرهم بما في ذلك حق إقامة دولة مستقلة عبر استفتاء حر” و سواء أكان شعب جنوب السودان من الناحية الموضوعية يخضع لهيمنة أم لا، فإن إعلان المبادئ الخاص بالإيقاد والذي قبلته حكومة السودان في عام 1997 يعكس قبولاً لذلك في المبادئ التي حملتها المادة الثالثة منه، ولإشتراط حق تقرير المصير الخارجي لشعب جنوب السودان، إذا لم تقبل تلك المبادئ. هل في الظاهرتين ما يمكن معه القول بأن هنالك عرف في سبيله للتكون يقبل ذلك؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام، أما الآن فليس أمامنا سوى أن نقف في الحد الذي وقف عنده الدكتور الدرديري.

نبيل أديب عبدالله

المحامي