خالد فضل *ماذا يعني انهيار الدولة لمن مورست ضدهم الإبادة الجماعية *شكرا للاستاذ فتحي الضو الذي كشف بالوثائق أوكارعصابات القتل والترويع *  الانتفاضة المحمية هي حماية العزّل من رصاص القنّاصة ونيران المليشيات

  تصوّر آلة الإعلام الدعائي لسلطة الاستبداد الحالية في السودان الأوضاع على غير حقيقتها , ويتبارى أرباب المصالح الذاتية في تصوير مستقبل البلاد رهنا باستمرار تحكّمهم وسيطرتهم هم فقط , فالبديل هو الصوملة والأفغنة , ومؤخرا دخلت سوريا وليبيا على الخط وكادت تونس ومصر أنْ تكونا كذلك من ضمن نماذج فشل التغيير في السلطة ضمن ما عرف بثورات الربيع العربي .

في الواقع تبدو الوقائع مغايرة لما يروّج له بعناية وتركيز شديد , وتبعا لتلك الدعاية نجد كثيرا من المواطنين ؛ خاصة في المدن وأواسط وشمال البلاد يصدقون ما تروّج له أدبيات المستبدين , وفي الجانب الآخر تبدو فزّاعة الانهيار بلا معنى لمجموعات كبيرة من السودانيين الذين يفترض أنّهم مواطنون في هذه الدولة , فما معنى انهيار الدولة إذا لم يكن عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري لإثنيات وقبائل محددة في اقليم دارفور , ما معنى انهيار الدولة إذا لم يعن تحوّل أكثر من 3ملايين مواطن سوداني الى صفة نازح بكل ما تعنيه من دلالات مأساوية , والأسوأ من ذلك احلال مجموعات أخرى بعضها تمّ استجلابه من خارج البلاد في قرى ومزارع ومواطن ذكريات وطفولة وشباب هؤلاء النازحين قسريا الذين تتوزعهم قرابة   الأربعين مستوطنة من الخيام حول بعض المدن الرئيسة في الاقليم , ماذا يعني انهيار الدولة إذا لم تكن هذه الحالة التي يجد فيها الانسان السوداني نفسه مضطرا للهرب تحت جنح الظلام عابرا الفيافي والخيران على الأين والحيّات  محتفيا ( كما في قول لتأبّط شرا), ممنيا النفس بنجاته ونجاة أطفاله ونسائه من القتل والاغتصاب , تاركا القطيّة والصريف وسويبة العيش والغنيمات والبقرة والآت الزراعة والحرث تتعارك فوقها ألسنة اللهب وتذروها الرياح رمادا يسد الآفاق , ماذا يعني انهيار الدولة إذا لم تكن معسكرات اللجوء القاسية حول العالم قريبه وقاصيه , فيها يجدون الأمن النسبي والغذاء والكساء والعلاج بينما بلدهم ( الذي يتمشدق الانتهازيون بخوفهم من انهياره)  يطردهم ويشتت شملهم ويفقدهم هويتهم وأرضهم ومساقط رؤوسهم , ومراتع طفولتهم وصباهم, بماذا يرد السدنة ومن يصدقون دعايتهم على هولاء ؟ أيقولون إنّ من سبب شقاءكم وحوّل حياتكم الى هذا الجحيم هم عبد الواحد محمد النور ومني أركو وجبريل ابراهيم ؟ وأنّ الأنتينوف والجنجويد وأبو طيرة وأبوكديسة هي قوات الجبهة الثورية ؟ أم الواقع والحقيقة  التي يتحاشاها هؤلاء الأفاكين أنّ الدولة السودانية التي دكّت دكّا على وقع حوافر الاسلاميين والطفيليين والانتهازيين هي التي سببت كل هذه المآسي لشعبها الافتراضي , وهل يأبه المستبدون والديكتاتوريون أساسا بحق الشعب الذي يحكمون ؟ المستبد أناني أصلا لا يعرف ولا يتصور وجود أحد سواه ولهذا تنهار البلدان التي يصيبها داء الديكتاتورية ويسودها القمع والقهر , فطبيعة الاستبداد عكس طبيعة الحياة , إذ الأصل في الحياة الحرية تلك الكلمة التي تسبب الذعر وتصيب المتسلطين بالغثيان , فيهرعون مباشرة الى بندقيتهم ؛ السلاح الوحيد الفتّاك الذي يحميهم , يفضون بالبندقية مؤتمرا صحفيا لرئيس حزب منتخب في قلب الخرطوم ؛ كما حدث مع رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير , ويعتقلون بها ناشطات المجتمع المدني اللاتي ينددن بالحرب والغلاء في موقف المواصلات بالخرطوم بحري , وبها يغتالون الطالب صلاح قمر بجامعة الجنينة في أقصى غرب دارفور , مثلما يسقطون البراميل المتفجرة وحمم القاذفات فوق القرى والجبال والمستشفيات  والمساجد والمدارس في النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور , وبعد كل هذه الفجائع والمذلة والإهانة التي ألحقوها عمدا وبتخطيط اجرامي وتنفيذ شيطاني ماكر على غالبية الشعب السوداني تراهم يتحدثون بوقاحة عن الانهيار الذي سيصيب البلاد إنْ همو رحلوا عن سدة الحكم , وهم في قولهم هذا يقصدون أنّ فرقهم الانكشارية وعصاباتهم الانتقامية ستفجّر المرافق العامة والخاصة وستغتال القيادات والناشطين وستنشر الرعب في المدن والأسواق , هذا هو تصورهم للانهيار , وقد قرأت على بعض المواقع الاليكترونية حديثا  منسوبا للأستاذ الحاج ورّاق في اجابة عن سؤال لماذا لم يشهد السودان رغم الفظائع والمظالم  عمليات تفجير وارهاب وسط المدن والتجمعات ومواقف الحافلات وغيرها من مرتادات المدنيين ؟ أجاب بأنّ هذه الأعمال الارهابية ترتكبها في الغالب الجماعات الاسلامية الارهابية في البلدان الأخرى بينما هذه التنظيمات الارهابية هي الحاكمة الآن في السودان , ولأن بقية السودانيين لا يستبيحون حرمات الدم الانساني وممتلكات الناس كما عند الاسلاميين . هذا الانهيار للدولة الذي يعنيه الاسلاميون , يعيش في كنفه ملايين السودانيين في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق , وعاشه من قبل سكان جنوب السودان حتى انفصلوا , والفاعل في كل تلك المجازر هو تنظيم الاسلاميين ومليشياته , فكيف نقنع سكان زهاء 3 الآف قرية تم حرقها في دارفور بأنّ القادم أسوأ إذا ذهب نظام الاسلاميين الاستبدادي ؟ بأي منطق يتم  تهديد من يعيش تحت القصف والقتل والترويع اليومي بأنّ ذهاب حكم الكيزان سيؤدي الى انهيار الدولة  ؟ قيل للقرد الله سيسخطك , ضحك وردّ قائلا : يعني حيعملني غزال !! وكما في مثل أهلنا في الجزيرة , الممطورة ما بتبالي من الرش, صحيح هذه الفزّاعة تنطلي على مُلّاك الشركات والعقارات والفلل وأصحاب الأرصدة المليارية من البنكنوت بالعملات الحرّة دولار وريال ويورو  , تنطلي على من يتعالجون في  لندن والمانيا ويتسوقون في الشانزليزيه وسويسرا , ويجلبون أطقم الشاي وكراسي الكوشة من تايلاند وطوكيو ,أو  أولئك اللائي يطرزن التوب ويرصعنه باللؤلؤ والمرجان لزوم صبحية بت أختها لأنّه سعادتها حرم المسؤول الأمني الكبير فلان الفلاني رقم 4 , وجلّ هولاء في الواقع من أعضاء التنظيم , أثرياء عهد الانهيار والفساد والفشل , ومن سار على دربهم من الطفيليين , أمّا معظم قاطني مايو وجنوب الحزام , وامتدادات الثورات وأمبدات والحاج يوسفات , وقرى شرق النيل المنسية والريف الغربي لأم درمان , ووهاد همشكوريب ونواحي طوكر وفيافي بيوضة وضهاري الجزيرة ووبقاع القضارف المهملة وحلّال سنار المنكفئة على الكلازار هولاء رفقة رصفائهم في الجبال ودارفور والنيل الأزرق انهارت دولتهم منذ ربع القرن , فلا (تقسّم) فيهم فزّاعة الانهيار ؛كما في لغة الشباب, ثمّ والشعب السوداني يعرف بعضه بعضا , وعصابات التفجيرات والقتل والترويع معروفة بالاسم والتنظيم ,وشكرا الاستاذ فتحي الضو الذي كشف المستور بالوثائق عن أوكار المجرمين وعصابات القتل والترويع  في سفره الأخير  فهل سيقف الناس يتفرجون عليها وهي تعيث فسادا ؟ أليس وسط القوات المسلّحة والشرطة  وحتى جنود الأمن أبناء بلد بحق وحقيقة , ثم أليس للثوّار خططهم لدء وكبح جماح عصابات المجرمين الذين يمارسون الآن أبشع الانتهاكات لحقوق الانسان ويقتلون الناس بدم بارد , ما معنى الانتفاضة المحمية إذا لم يكن حماية العزّل من رصاص القنّاصة ونيران المليشيات ؟ كما أنّ النار لا تصدّها الاّ النار , وأبدا ما خاب فال الجماهير وهي تتحدى المدفع , والصبح آت لا ريب مهما تطاول ليل الأسى .