عيسى إبراهيم * ،، كان أخاً مسلماً دافع بشراسة عن أفكار الترابي في كتابه "التجديد الرأي والرأي الآخر"، ولعله الآن (بسبب من ذهب المعز) تحول "بفركة كعب" ليكون وهابياً،،

* سؤال مهم نقدمه بين يدي هذا الرد على وقيع الله حيث كتب في “الانتباهة” مهاجماً الجمهوريين وانتقل إلى الصيحة (الطيب مصطفى) ليمارس هجومه وهو يعلم أن كلا الصحيفتين تمتنعان عن نشر ردود الجمهوريين عليه وعلى غيره، وكلا الصحيفتين تخالفان باصرار وترصد التقاليد الصحفية الخادمة للقارئ ليكون هو وحده الحكم، وحتى لا يضلل القارئ برأي أوحد، وسؤالنا للوقيع: ما هو موقفه من هذا الامتناع عن النشر لردود الجمهوريين؟، وأين موقع ذلك من الموقف من حرية الرأي واحترامه فالقاً بذلك – كان وما زال – أدمغتنا؟!.. 

* يقول محمد وقيع الله “الصيحة – الجمهوريون هم …(1)”: “والآية التي تحكم هذا المبدأ – يعني مبدأ الجهاد – هي قول الله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي…(البقرة 256)، وهي آية اسماح حسب التقسيم المحمودي لآي القرآن بخصوص الموقف من الجهاد. وبذلك ينتقض التقسيم المحمودي من أصوله. لأنه يفترض أن آيات الاسماح جميعاً هي من آي القرآن المكي، أو قرآن الأصول كما سماه. ولكنا نجد هنا آية اسماح كبرى في القرآن المدني، أو قرآن الفروع، حسب تقسيمه الذي ابتكره وما التزم به “.

إذا وافقنا د. وقيع الله في ما ذهب إليه من أن هذه الآية – البقرة 256 – هي من آيات القرآن المدني التي تنتقض ما سماه “التقسيم المحمودي” من أصوله باعتبار أن تقسيم الأستاذ محمود يقصر جميع آيات الاسماح على القرآن المكي فحسب، وهذه آية اسماح ولكنها مدنية، فلماذا قال وقيع الله ردف قوله مباشرة “أو قرآن الأصول” بعد قوله التالي “لأنه يفترض أن آيات الاسماح جميعاً هي من آي القرآن المكي”، إذ يكمن في ما ذكره لاحقاً (حيث أنطقه الله) بتعبير “قرآن الأصول” هزيمة ماحقة لحجته التي صدع بها في مواجهة تعبيره المختل أن الأستاذ محمود يقول أن آيات الاسماح جميعاً هي من آي القرآن المكي، وذلك ما لم يقله الأستاذ محمود محمد طه تحديداً!.

أصول القرآن وفروعه عند الأستاذ محمود

* تحدث الأستاذ محمود محمد طه عن أصول القرآن وفروعه، في معنى ما جاء القرآن مقسما بين الإيمان، والإسلام، كما قال أن آصل أصول القرآن هو أن كل إنسان حر وللوفاء بذلك بدئت الدعوة إلى الإسلام بآيات الاسماح وهن كثيرات، وذلك في مكة، ذلك بأن الحرية حق طبيعي، يقابله واجب واجب الأداء، وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر، عمليا، عجز الانسان عن التزام واجب الحرية،  صودرت حريته، وقد ظل أمر الدعوة على ذلك ثلاث عشرة سنة في مكة، نزل أثناءها كثير من القرآن المعجز، وتخرج أثناءها من المدرسة الجديدة، كثير من النماذج الصالحة، من الرجال والنساء والصبيان . وكان المسلمون الأولون يكفون أذاهم عن المشركين، ويحتملون الأذى، ويضحون، في صدق ومروءة، في سبيل نشر الدين، بكل أطايب العيش، لا يضعفون ولا يستكينون .. يبينون بالقول البليغ، وبالنموذج الصادق، واجب الناس، في هذه الحياة، نحو ربهم، بإخلاص عبادته، ونحو بعضهم، بصلة الرحم، وإصلاح ذات البين . ولما ثبت عملياً إصرار الناس على عبادة الحجر الذي ينحتون، وعلى قطع الرحم، وقتل النفس، ووأد البنت، فقد أساءوا التصرف في حريتهم، وعرضوها للمصادرة، ولم يكن هناك قانون لمصادرتها، فلم يبق إلا النزول من المعنى الأصلي (آيات الأصول) إلى المعنى الفرعي (آيات الفروع) من آيات الاسماح إلى آيات السيف وأخواتها، وكذلك صودرت حريتهم.

والنزول من المعنى الأصلي (عند الأستاذ محمود) الى المعنى الفرعي يعني النزول من مستوى الإسلام الى مستوى الإيمان، ومن هنا جاء القرآن في انزاله مقسما بين مدني، ومكي . ولكل من المدني والمكي مميزات يرجع السبب فيها إلى كون المدني مرحلة إيمان ذي ثلاث درجات (إسلام وإيمان وإحسان)، والمكي مرحلة إسلام .ذي سبع درجات (إسلام وإيمان وإحسان وعلم يقين وعلم عين يقين وعلم حق يقين ثم إسلام أخير).

 والاختلاف بين المكي والمدني (عند الأستاذ محمود محمد طه) ليس اختلاف مكان النزول ، ولا اختلاف زمن النزول ، وإنما هو اختلاف مستوى المخاطبين . فيأيها الذين آمنوا خاصة بأمة معينة . ويأيها الناس فيها شمول لكل الناس. (الرسالة الثانية من الاسلام الطبعة الأولى 1967).

ثم تحدث الأستاذ محمود عن ضوابط التفريق بين القرآن المكي (الذي هو في عمومه قرآن الأصول إلا قليلا) والقرآن المدني (الذي هو في عمومه قرآن الفروع إلا قليلا) فقال: ” فكل ما وقع فيه الخطاب بلفظ ” يأيها الذين آمنوا”  فهو مدني، ما عدا ما كان من أمر سورة الحج، وكل ما ورد فيه ذكر المنافقين فهو مدني، وكل ما جاء فيه ذكر الجهاد، وبيان الجهاد، فهو مدني، هذا إلى جملة ضوابط أخرى،  وأما المكي فمن ضوابطه أن كل سورة ذكرت فيها سجدة فهي مكية، وكل سورة في أولها حروف التهجي فهي مكية، سوى سورتي البقرة، وآل عمران، فإنهما مدنيتان، وكل ما وقع فيه الخطاب بلفظ ” يأيها الناس”  أو ” يا بني آدم” فإنه مكي، سوى سورة النساء، وسورة البقرة، فإنهما مدنيتان وقد استهلت أولاهما بقوله تعالى ” يأيها الناس اتقوا ربكم” وفي أخراهما “يأيها الناس اعبدوا ربكم”  والشواذ عن الضوابط، بين المكي والمدني، إنما سببها التداخل بين الإيمان والإسلام، فإنه، كما ذكرنا، كل مؤمن مسلم في مرتبة البداية، وليس مسلما في مرتبة النهاية، وكل مسلم مؤمن، ولن ينفك”.

* من ضوابط الأستاذ محمود للأصول والفروع أن آيات الأصول منسوخةبآيات الفروع، وآية “لا إكراه في الدين…” هي آية منسوخة وليست محكمة يقول ابن كثير: “وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْقِتَال وَأَنَّهُ يَجِب أَنْ يُدْعَى جَمِيع الْأُمَم إِلَى الدُّخُول فِي الدِّين الْحَنِيف دِين الْإِسْلَام فَإِنْ أَبَى أَحَد مِنْهُمْ الدُّخُول وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ أَوْ يَبْذُل الْجِزْيَة قُوتِلَ حَتَّى يُقْتَل“..

رمتني بدائها وانسلت

* إتهم وقيع الله الجمهوريين بأنهم الوجه الآخر للدواعش اعتماداً على قول للبروفسير أحمد المصطفى الحين في الرد عليه باعتبار أن من لا يحتمي الآن بسياج الفكرة الجمهورية المطوِّر للتشريع الاسلامي فهو (مشروع) داعشي، إذ أن الخيط الفاصل بين الاعتدال والتطرف في شريعة الرسالة الأولى التي كانت حكيمة كل الحكمة في أوانها في القرن السابع الميلادي أوان نزولها وما تلاه من أزمان خيط رفيع لا ينجو من الانزلاق فيه إلا من رحم ربي، فكل ماتقوم به داعش الآن مسنود بنصوص دينية إما قرآنية سنية أو فقهية، حتى حرق الكساسبة (يرحمه الله) على بشاعته كان الدواعش متبعين فيه لا مبتدعين واستندوا في ذلك لفتوى من ابن تيمية أوردوها وهم يمارسون الحرق، وما لنا نذهب بعيداً فالدواعش (كما يقول دكتور حسن مكي عن الشباب الذي يلتحق بـ”داعش”:) “داعش أصلها شباب أنقياء أتقياء وأعمارهم صغيرة (حيث يتفق هنا مع رأي البشير – فضائية سكاي نيوز عربية – 25 فبراير 2015)!..“، ويرى من جانبه أن هناك تحالفاً بين جماعة الأخوان المسلمين والتيار السلفي، وقال عن داعش: “هي زواج بين التيار السلفي وأفكار الأخوان المسلمين”، فإذا علمنا أن وقيع الله أساساً كان أخاً مسلماً دافع بشراسة عن أفكار الترابي في كتابه “التجديد الرأي والرأي الآخر”، ولعله الآن (بسبب من ذهب المعز) تحول “بفركة كعب” ليكون وهابياً، ومن هنا علمنا أنه (بجمعه بين تيار الأخوان – سابقاً – والتيار السلفي – حالياً -) من أكثر المرشحين ليكون داعشياً بامتيار لذلك (ومن باب البيك بدربو) رمى الجمهوريين بدائه وانسل!.