خالد فضل ،،أفرغ المشير  جيشه من خيرة ضباطه وقادته ليحل محلهم عمداء الجنجويد , وفرقاء الأمن الشعبي , ولواءآت الدفاع الشعبي . في جوقة من الدجالين والمغامرين وتجار الدين الأفاكين , ومع ذلك يواصل الرقص ،،

في مثل هذه الأوقات قبل خمسة أعوام , كانت الثورة الليبية قد انطلقت , بعض الليبيين صرّحوا بارحل أمام القائد الأممي والمفكر الكبير صاحب النظرية العالمية الثالثة ومؤلف الكتاب الأخضر ملك ملوك افريقيا الأخ العقيد معمر القذافي قائد ثورة الفاتح من سبتمبر وصانع الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى , ومؤسسس الاتحاد الإفريقي , والداعي لقيام الولايات الافريقية المتحدة , إمام المصلين في تمبكتو حاضرة الدولة الاسلامية الغابرة في مالي , والمحاضر الذي تراصت له الصفوف في قاعة الصداقة بالخرطوم في أواسط التسعينات من القرن الماضي ليحدّث نخبة الاخوان المسلمين السودانيين عن ضلال فكر الإخوان المسلمين , لأنّ المسلمين من الشعب السوداني لا يحتاجون إلى إخوان شياطين يدخلونهم في الاسلام . فهم مسلمون بالفطرة , وقد رأيتهم يهرعون الى أداء الصلوات في الشوارع وأمام المتاجر وفي أي بقعة يصادفهم فيها وقت الصلاة , فهل هولاء يحتاجون الى إخوان مسلمين؟ وربما ختم جملته باللازمة المعهودة عنده (طز في الإخوان المسلمين) يومها لم يزد الأخ المسلم عثمان أحمد البشير ؛ وكان وقتها رئيس الاتحاد العام للطلاب السودانيين , الذي تحت لافتته تمّ تنظيم تلك المحاضرة , لم يزد في القول بعد نهاية خطاب القذافي على إزجاء الشكر والتقدير لتلك المحاضرة الفكرية القيّمة راجيا أنْ تتكرر مثل تلك السياحة الفكرية الملهمة من القائد الفذ الأخ العقيد القذافي . لقد كانت ليبيا القذافي المنفذ الوحيد وقتذاك , أوان استحكام حلقات الحصار على سلطة الإخوان جراء ما اقترفت أياديهم في حقّ بلدان الإقليم .  

  القذافي الذي حكم ليبيا 40سنة وتزيد , هو في الواقع صانع كل المنجز المادي في تلك الدولة , اُستخرج البترول في عهده  وصار سلعة حيوية له منشئاته وموانئ تصديره وأنابيبه ودولاراته التي لا تحصى ولا تعد يوميا , امتدت طرق الاسفلت كالشرايين على خارطة ليبيا كلها , الجامعات محل ما تقبّل , المستشفيات والعلاج المجاني والتموين الذي يشمل حتى السجائر ناهيك عن الخبز والسكر والأرز , والفواكه والخضروات واردات البرازيل ونيوزيلندا , باختصار أطعم القذافي شعب ليبيا بملاعق من ذهب , ولكنه سلب منهم الحرية , لم تنشأ في ليبيا حركة سياسية مدنية فعّالة , ولم ينشط فيها المجتمع المدني , ولم تعبرها أدبيات حقوق الانسان السياسية والمدنية , لم تسمع ليبيا بالديمقراطية , فالتمثيل تدجيل كما في الكتاب الأخضر والحزبية خيانة كذلك . كان القذافي هو كل شئ ؛المعلم الذي تتحول له كاميرات التلفزيون ومايكرفونات الإذاعة ليعطي الشعب دروسا على الهواء عن كل شئ , من استعمال التواليت الى استخدام فرشاة الأسنان . دروس يمكن أن تستمر لست ساعات متواصلة لا ترف فيها جفن كاميرا أو يصيب الوهن شعيرات مايكرفون , والا فالويل والثبور للمصور والمذيع والمخرج ومهندس الصوت . لم ينحصر صولجان القذافي في ليبيا وحدها بل شمل كثيرا من الدول الإفريقية بما فيها السودان الذي استمع فيه إخوانه المسلمين الى محاضرته القيّمة في ذمّ الإخوان المسلمين !! ولم تنفرج أساريرهم الا يوم تأكدوا من موته البشع ذاك حقيرا ذليلا كسيرا كأن لم يكن لأربعين عاما (شبه إله), وساعتها انبرى عُتُل  الإنقاذيين (يتفوجج) بأننا وأننا وأننا , بينما السيد علي زيدان أول رئيس للحكومة الليبية بعد الثورة في افادات على قناة العربية يوضح دور كل فريق في مسار الثورة , وكانت الخرطوم وسيط لاستلام السلاح القادم من قطر وغيرها من الدول الداعمة , وكان المجال الجوي السوداني مفتوحا أمام طلعات سلاح الجو التابع لحلف الأطلنطي , ومما أورده علي زيدان , أنّ حلف الأطلنطي قد إلتزم وأدى مهامه الموكلة له بدقة وعناية وفي وقتها المحدد سلفا , وهو قصف وتدمير 28موقعا معيّنا في طرابلس , بتدميرها كان عهد القذافي قد انتهى عمليا , وفي ذات الوقت كانت بعض الأطراف المشاركة في التحالف تماطل وتطلب من الثوار تأجيل ساعة الصفر لإقتحام طرابلس , ويشير رئيس الوزراء الليبي السابق من طرف خفي الى أنّ تلك الأطراف ربما كانت لها أجندتها وحسابات حلفائها في القوى الليبية , وتريد أن يتم الاقتحام على أيديهم , وفي النهاية عندما اقتحم الثوار طرابلس وجدوا أنّ حلف الأطلنطي قد قام بكل المطلوب من زمان . حكاية القذافي تعطي عبرة حاضرة لمن يعتبر , فإذا اعتبرنا أنّ صدام حسين قد لقي ذاك المصير التعيس على أيدي قوات الغزو الأمريكي الغربي للعراق , فإنّ ما حاق بالقذافي تمّ على أيدي الشعب الليبي رغم المساعدات الحاسمة من جانب حلف شمال الأطلنطي , وهذا يعني أنّ الطغاة مهما تصوروا من جبروت أو أنجزوا من انجازات مادية ظاهرة الا أنّ قيمة الحرية والكرامة الانسانية والشعور الآدمي يظل ملازما للبشر , ينحنون ويرضخون ويخافون ويخشون ويهابون لفترات تطول أو تقصر , يأتي جيل أو أجيال تعيش في خنوع وإذلال ونقص في الكرامة , ولكن من صلب الخانعين اليائسين تولد أجيال مغايرة تركل إرث الخوف والخنوع وتنتفض وتثور , لا من جوع أو مرض أو فقر أو إرهاب وإبادات جماعية تمارس ضدها , ولكن فقط طلبا للحرية والإنعتاق من ربقة شخص واحد يتسمّر على مقاعد السلطة وكراسي الحكم , يستنفد كلّ مدخراته الفكرية والسياسية إن كان له منها نصيب أساسا , يصل الحد ويفوته في التجريب والتدمير المادي والمعنوي لكل مقومات البلاد ومكنونات الشعب .  فماذا عن شعب يعاني من كل الويلات ؟ الفقر باعتراف ديوان الزكاة ونسبه المطففة 46%من الشعب , 3ملايين طفل خارج المدرسة من أصل 7ملايين طفل ما بين سن 6__15سنة , 3 ملايين نازح في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة , أكثر من مليون لاجئ في تشاد وجنوب السودان واثيوبيا وافريقيا الوسطى , بل غانا , مئات الآلاف من اللاجئين في خارطة العالم من استراليا الى التشيلي ومن السكا الى انتركتكا , 8 ألف مهندس غادروا خلال أربع سنوات , و4 ألف طبيب و 2 ألف استاذ جامعي , هذه احصاءات حاج ماجد سوار , ونتائج الخطة العشرية والاستراتيجية القومية وبرنامج الولاية السادسة للمشير , الذي أفرغ جيشه من خيرة ضباطه وقادته ليحل محلهم عمداء الجنجويد , وفرقاء الأمن الشعبي , ولواءآت الدفاع الشعبي . في جوقة من الدجالين والمغامرين وتجار الدين الأفاكين , ومع ذلك يواصل الرقص على سلالم السقوط الداوي , يتمرّغ في أوحال الاستجداء , ويصبح الصباح ومانشيت الصحف يبشّر بدراهم الإمارات لشراء الدواء , وكاميرات التلفاز تنقل إحتفالات الكاروري بسيرين !! وتحتفي بمليون فدان مكرمة للسعوديين , بعد حرب الحوثيين وقبل رعد الشمال ووحل الشام , وهنا في الخرطوم ينتشر الوعيد بإبادة من تبقى من أهل دارفور , وسحق أهالي الجبال في كراكيرهم , وحسم المتظاهرين في شوارع الخرطوم بسيارات من دون لوحات تطبيقا للخطة (ب) التي تماثل خطة القذافي عن الجرذان والزنقة زنقة , لماذا تتشابه نهايات الطغاة ؟ ولماذا لا يعتبر الطاغية من الطغاة أم سبق عليهم القول فهم لا يرتدعون ؟