نبيل أديب ،، واقع الأمر أن الحصانات الإجرائية في القانون السوداني تمثل عقبة كؤود في تحقيق مبادئ هامة من مبادئ الحكم الراشد، وأنها في واقع الأمر أسوأ من الحصانة الموضوعية،،

خصص الإعلامي المعروف بابكر حنين حلقة السبت 6/2/2016م من برنامجه الإذاعي الهام “ينظر ويفاد” لموضوع الحصانات وقد ضم البرنامج عددا من القانونيين في الإستديو ومتداخلين عبر الهاتف أدلوا بأراء قيمة حول موضوع الحلقة، وقد لفتت تلك الآراء الإنتباه لهذا الموضوع، و ضرورة معالجته بشكل متوازن يحفظ مصالح الدولة، و يساعدها في تنفيذ مهامها، دون أن يخرق الحقوق الدستورية للأفراد.

الحصانة عموماً هي الحماية من المسؤولية القانونية وهذه الحصانة قد تكون حصانة من المسؤولية المدنية أو الجنائية أو الإثنين معاً. وهي قد تكون حصانة تمنع إتخاذ الإجراءات القانونية، أو تكون موضوعية بمعني أن من يتمتع بها لا يترتب علي ما يقوم به من أفعال مسؤولية قانونية في حدود الحصانة المقررة له. و الحصانة الموضوعية يطلق عليها الفقهاء بالنسبة للحصانة الجنائية أسباب الإباحة و تتمثل في حكم قانوني يجعل من ظروف معينة سبباً لإباحة القيام بفعل هو اصلاً غير مشروع لولا قيام تلك الظروف. و قد نص الباب الثاني من  القانون الجنائي و الخاص بالمسؤولية الجنائية علي صورها .

وهذه الحصانة لا تمنع إتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة من يتمتع بها كحق له، و لكنها تقتصر على كونها دفعاً يمنع قيام المسؤولية في حقه فلا يحكم بها القاضي. أما الحصانة الإجرائية فهي تعني عدم إختصاص المحكمة بنظر الفعل أصلاً، و لذلك فهي أسوء من الحصانة الموضوعية، و أبعد أثراً لأن الحصانة الموضوعية لا تمنع المقاضاة، ولا تمس مبدأ المساواة أمام القانون فالمبدأ لا يمنع من الأخذ بالظروف التي تصاحب الفعل، طالما أنها ظروف موضوعية ومجردة، أما الحصانة الإجرائية فهي من شأنها أن تنتهك ثلاث مبادئ أساسية وهي المساواة أمام القانون، وحق اللجوء للتقاضي، و مبدأ الخضوع للمحاسبة و هو مبدأ هام بإعتباره أحد ركائز الحكم الراشد.

إذا فما ورد في تلك الحلقة عن الحصانات الإجرائية التي ملأت القوانين في معرض القول بمحدودية أثرها هو أمر لا يدعو للإطمئنان لأن مقتضى الحصانات الإجرائية هو أن جهة غير قضائية و غير محايدة هي التي تقرر إذا ما كان منسوبها يتوجب عليه أن يواجه القانون أم أنه غير ملزم بذلك.

واقع الأمر أن الحصانات الإجرائية في القانون السوداني تمثل عقبة كؤود في تحقيق مبادئ هامة من مبادئ الحكم الراشد، وأنها في واقع الأمر أسوأ من الحصانة الموضوعية.

الحصانة الموضوعية

الحصانة الموضوعية في بعض الحالات، تتصل بأداء الموظف العام لواجباته، وهذه الحصانة ضرورية من حيث أنها تهدف لأن تساعد الدولة على تنفيذ مهامها. ومن ذلك في القانون الجنائي المادة (11) والتي تنص على أنه لا يعد الفعل جريمة اذا وقع من شخص ملزم بالقيام به أو مخول له القيام به بحكم القانون أو بموجب أمر مشروع صادر من السلطة المختصة، أو كان يعتقد بحسن نية أنه ملزم به، أو مخول له القيام به. و هذه الحصانة تشابه حصانة مقررة في مجال المسؤولية المدنية في أمريكا والمعروفة بالحصانة المحدودة أو المشروطة (Qualified Immunity). وهي حصانة ممنوحة للموظفين العموميين الذين يمارسون وظائف تستدعي أستعمال سلطة تقديرية، حين يتضح فيما بعد أنهم قد خالفوا القانون فيما قاموا به من أفعال ممارسة لتلك السلطة القانونية، دون أن يقصدوا ذلك، بشرط أن لا تكون تلك الأفعال مخالفة لمبادئ قانونية مستقرة. وهو دفاع قامت بوضع حدوده المحكمة العليا الأمريكية و يقوم على معقولية الفعل موضوع الدعوى بإستخدام معيار الرجل المعقول فإذا كان الفعل الذي قام به المدعى عليه، لا يرى فيه الرجل المعقول في مكان المدعى عليه ما يخرق القانون، رغم أنه في واقع الأمر مخالف للقانون، فإن الفعل يكون محصناً ضد المسؤولية المدنية المترتبة على القيام بذلك الفعل بشرط أن لا يكون الفعل مخالفاً لمبدأ قانوني مستقر.

في دعوى Zieper v. Metzinger و التي تتلخص و قائعها أن المدعى كان قد أنتج فيلما قصيراً تحت عنوان ( إحتلال مدينة نيويورك عسكرياً)  تظهر فيه لقطات من تايمز سكوير الميدان الرئيسي في مانهاتن – نيويورك، وهو الحي الذي يقال له العاصمة الإقتصادية و الثقافية للولايات المتحدة، على خلفية صوت شخص يبدو أنه ضابط في الجيش، يقوم بإصدار تعليمات لضباط آخرين للإستيلاء على الميدان في ليلة رأس السنة في العام 1999م. الفيلم يتصور مؤامرة لإحتلال الميدان ويوحي بأن العسكريين سيفعلون ذلك عن طريق إشعال شغب عنصري، عن طريق محاولة مصطنعة لإغتصاب فتاة، تثير إحتكاكات على أساس عنصري بين المتواجدين في الميدان. الفيلم لا يوضح أن الأحداث التي يعرضها هي في الواقع أحداث خيالية، و يتجنب إستخدام المقدمات التي توحي بذلك. عند نشر الفيلم في الشبكة العنكبوتية في موقع أقيم خصيصاً لذلك في مساحة مستأجرة، قام بعض موظفي وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفدرالية بإجراء محادثات تلفونية مع مخرج الفيلم، لم تفلح في إقناعه بوقف عرض الفيلم في الشبكة، و لكنها أفلحت في إشاعة الذعر في نفسه من إعتقال متوقع. وقد قام الموظفون بعد ذلك بالإتصال بموفر الموقع و أدخلوا في روعه أنه سيوقع نفسه تحت طائلة القانون إن لم يوقف عرض الفيلم الذي أحدث ذعراً وسط الجمهور، فقام تحت تأثير المحادثات بسحب الفيلم و إغلاق الموقع، مما سبب خسائر مختلفة لمخرج الفيلم. ومن ثم فقد رفعت دعوى ضد المشاركين في هذا العمل للمطالبة بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بأصحاب الفيلم و الموقع. ورغم أن محكمة الإستئناف رأت أن المدعى عليهم قد خرقوا بالفعل حقوق المدعيين الدستورية في التعبير، ولكنها رأت أن المدعي عليهم يتمتعون بحصانة محدودة. رأت المحكمة أن مخاطبة المدعى عليهم للمدعيين كانت توحي بالمنع، إلا أن المدعى عليهم كان لديهم سبب للإعتقاد بأن أفعالهم كانت تقتصر على إقناع المدعين بسحب الفيلم إختيارياً و ليس إجبارهم على فعل ذلك. ويعني ذلك أن الفعل رغم أنه كان في واقع الأمر مخالفاً للقانون، إلا أن تصويرهم لأن ما يقوموا به من محادثات من شأنها إقناع المخاطبين بوقف عرض الفيلم إختيارياً كان تصوراً معقولاً.

وهذا في نهاية الأمر هو حكم قضائي يؤكد حق المدعين في اللجوء للمحكمة، وحقهم في حرية التعبير، و أن منسوبي وكالة التحقيقات الفيدرالية، و وزارة العدل يخضعون للمحاسبة. و أن عدم مسؤوليتهم عن ما قاموا به من أفعال تقرر بحكم قضائي وفقاً لمبدأ قانوني . وهذا كله لا يتوفر في الحصانة الإجرائية.  

ألمانيا ضد إيطاليا

الحديث عن الحصانة كقاعدة إجرائية، ورد في حكم محكمة العدل الدولية في دعوى ألمانيا ضد إيطاليا، في مجال المسؤولية المدنية للدولة أمام المحاكم الأجنبية في التعويض عن أعمالها المخالفة للقانون الدولي. وهي دعوى متعلقة بالتعويض عن الإجراءات التي إتخذت ضد الجنود الإيطاليين في ألمانيا، إبان الحرب العالمية الثانية. في حكمها فرقت محكمة العدل الدولية بين الحصانة كقاعدة موضوعية، والحصانة كقاعدة إجرائية، و ذكرت أن قاعدة إستبعاد إختصاص المحاكم الإيطالية من نظر الدعوى ضد ألمانيا، يقوم على قاعدة إجرائية متعلقة بعدم الأختصاص، و هي قاعدة لا صلة لها بما إذا كانت ألمانيا بالفعل مسؤولة عن التعويض المطالب به أم لا. ذكرت المحكمة أن إيطاليا تستند في قبول محاكمها للإختصاص بنظر الدعاوي، على عدم وجود حق في المقاضاة  توفره محاكم ألمانيا للمدعين، ولكن المحكمة رأت أن حصانة الدولة أمام محاكم الدول الأجنبية هي حصانة إجرائية مطلقة، وأن تلك الحصانة لا تتأثر بعدم إتاحة طريق بديل للمقاضاة في محاكم الدولة المطالبة بالحصانة، ولا بدرجة خطورة الإنتهاك المطالب بالتعويض عنه.

نقد المبدأ الذي أرساه الحكم

هذا الحكم كمعظم أحكام محكمة العدل الدولية لم يحظي بالقبول لدي فقهاء القانون الدولي فقد نبه Richard Garnet الي أنه رغم أن مبدأ السيادة المتكافئة هو أحد المبادئي الهامة للقانون الدولي ، إلا أنه لا يتفرع من هذا المبدأ أن الدولة لا تستطيع أن تمارس إختصاصها على أنشطة الدول الأجنبية في أراضيها، لأن ذلك يتعارض تماما مع مبدأ آخر في القانون الدولي وهو مبدأ سيادة الدولة على أراضيها .

       تقول Rosalyn Higgins  القاضية بمحكمة العدل الدولية من السهل أن نرفع من قدر حصانة الدولة، لوضعها في مصاف القواعد الأساسية للقانون الدولي، ولكنها ليست كذلك. فهي مجرد إستثناء على القاعدة العادية للإختصاص، والتي تقوم علي سيادة الدولة على إقليمها. الإستثناء على القاعدة العامة لا يُقبل إلا حين يتطلب القانون الدولي ذلك .أي عندما يكون ذلك متمشياً مع العدالة ومع الحماية المنصفه للطرفين، ولكنه لا يؤخذ كحق مقرر .

في الرأى المخالف في الدعوى بين بلجيكا والكنغو والمعروفة بدعوى أمر القبض و التي كررت فيها محكمة العدل الدولية موقفها من الحصانة أكد القضاة هيغنز وكويمانس وبيورغنتال أن الحصانة هي استثناء من المبدأ وليس مبدأ قائم بذاته، فأشاروا إلى أن إنطباعا قد خلق بأن الحصانة لها قيمة في حد ذاتها، في حين أنها في واقع الأمر هي استثناء من القاعدة المعيارية الواجبة التطبيق”

حصانة الدولة كجزء من المجاملة الدولية

يرى البعض أن حصانة الدولة أمام المحاكم الأجنبية هي مسألة متعلقة بالمجاملات الدولية بين الدول، وليست حق مقرر بالقانون الدولي. فكرة أن حصانة الدولة قد منحت كاستثناء للولاية القضائية على أساس المجاملة الدولية بحثاً عن العلاقات الجيدة تبدو من خلال التباين في الطرق التي تتعامل بها الدول مع الدعاوى المرفوعة ضد الدول الصديقة والعدوة. تاريخيا، لم تكن المحاكم الوطنية تمنح الدول المعادية الحصانة، بل قصرتها فقط على الدول الصديقة أو الحليفة. والواقع أن هذا ما يبدو واضحاً بشكل خاص في الولايات المتحدة حيث ما زال العمل يجري على ذلك. قبل سن قانون حصانات السيادة الأجنبية 1976 (FSIA)، كانت وزارة الخارجية الأمريكية هي الجهة التي تحدد ما إذا كان سيتم منح دولة أجنبية الحصانة أمام محاكم الولايات المتحدة. في الآونة الأخيرة، تم تحويل بعض تلك السلطة من السلطة القضائية إلى الجهاز التنفيذي من خلال تطبيق قانون مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام الفعلية للعام 1996 الذي يعدل FSIA. والذي تنص المادة 221 منه على أن الحصانة لن تكون متاحة للدولة الراعية للإرهاب على النحو الذي تحدده وزارة الخارجية (حاليا: كوبا، إيران، ليبيا، كوريا الشمالية، السودان وسوريا) وذلك بالنسبة للدعاوي التي يرفعها أمريكيون للمطالبة بتعويضات مالية ضد دولة أجنبية بسبب الإصابة أو الوفاة الذي تسبب فيه عمل من أعمال التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، وتخريب الطائرات، وأخذ الرهائن، أو توفير الدعم المادي أو الموارد لمثل هذا الفعل.
وعلاوة على ذلك، فإن السلطة التنفيذية هي التي تحدد توافر أو وجود حصانة بالنسبة لرئيس دولة أجنبية كما يتضح من الدعوى الحديثة في محكمة الاستئناف الأميركية للدائرة السابعة للبت في حصانة الرئيس الصيني في Wei Ye v. Jiang Zemin and Falun Gong Control Office .

 وترك المسألة لوزارة الخارجية للبت فيها يعكس أن الولايات المتحدة تمنح الحصانة الممنوحة بمحض إختيارها في مجال علاقاتها مع الدول الأخرى وليس لإعتقادها بأنها ملزمة بذلك وفقاً لقواعد القانون الدولي، وإلا لكان الإختصاص بالفصل فيه للمحكمة. وكان رد فعل إيران على تعديل قانون قانون حصانات السيادة الأجنبية في الولايات المتحدة، إصدار تشريعات تمكن ضحايا تدخل الولايات المتحدة من الإيرانيين من مقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية في المحاكم الإيرانية. وهو يعني أن إيران أيضاً لا تعتقد أنها ملزمة بمنح الحصانة بموجب القانون الدولي وإنما تفعل ذلك من أجل تعزيز المجاملة والعلاقات الدولية.

حصانة رئيس الجمهورية ونائبه الأول

  تقرر المادة 60 من الدستور حصانة إجرائية محدودة لرئيس الجمهورية ونائبه الأول فلا يجوز إتهامهما أو مقاضاتهما في أية محكمة في أثناء فترة ولايتهما وهى حصانة مقيدة بفترة ولايتهما فيجوز محاكمة أي منهما بعد إنقضاء ولايته عن أي فعل يكون قد إرتكبه أثناء فترة ولايته أو قبل ذلك إذا لم تكن قد أقيمت بشأنها إجراءات أو أن  الإجراءات التي أقيمت لم تنته قبل توليه المنصب لأنها لا بد من أن توقف بحكم القانون ولا يجوز السير فيها طالما ظل يشغل المنصب.

بالنسبة لمساءلة رئيس الجمهورية أثناء توليه المنصب فقد تبنى الدستور الإجراءات المعروفة بمصطلح  impeachment  و أساسها الدستور الإنجليزي، وهي إجراءات تهدف لإتهام متولي سلطة عامة بالقيام بفعل يوجب عزله عن ذلك المنصب.

تبدأ إجراءات العزل في مواجهة  الرئيس ونائبه الأول بتوجيه إتهام من قبل ثلاثة أرباع جميع أعضاء الهيئة التشريعية القومية بقيام أياً منهما بأفعال ترقى للخيانة العظمى، أو الإنتهاك الجسيم لأحكام الدستور، أو السلوك المشين المتعلق بشؤون الدولة. ولم يعرف الدستور أياً من تلك الأفعال وترك تفسيره للمحكمة الدستورية التي تتم المحاكمة أمامها. لا يمنح الدستور المحكمة الدستورية سلطة توقيع أية عقوبة على رئيس الجمهورية أو نائبه الأول وتقتصر سلطتها على أن تقرر الإدانة أو البراءة فحسب، ولكن يترتب على إدانة رئيس الجمهورية أو نائبه الأول أن يفقد منصبه كما لو كان قد تخلى عنه.

لم يتم اللجوء إلى إجراءات العزل حديثاً في إنجلترا مما جعل هالسبري يصفها بأنها لم تعد قائمة obsolete. ولذلك فعندما تقدم عضو مجلس العموم آدم برايس بطلب لعزل توني بلير بسبب دوره في غزو العراق أصر زعيم المجلس على أن هذا الإجراء لم يعد قائماً في الدستور الإنجليزي.

والواضح أن الكونجرس في أمريكا لا يستخدم هذا الإجراء إلا نادراً وقد تمت محاكمة رئيسين فقط وفقاً لتلك الإجراءات وهما أندرو جونسون وبيل كلينتون وقد برئ كلاهما من الإتهام وعلى عكس الشائع فإن ريتشارد نيكسون لم تتم محاكمته أمام الكونجرس رغم أن الإجراءات كانت قد بدأت إلا أنه إستقال قبل التصويت على تقديم لائحة الإتهام في مجلس النواب.

 

وهذا الإجراء أيضاً مأخوذ به في أغلب الدساتير وقد تعرض في الآونة الآخيرة عدد من الرؤساء لإجراءات العزل منهم الرئيس البرازيلي عام 1992 والفنزويلي عام 1993 والكوري والليتواني في عام 1994 من هذا نجد أن هذا الإجراء المتعلق بعزل رئيس الجمهورية بدلاً من محاكمته أثناء توليه مهام منصبه هو حل دستوري معروف فلا يخضع من يتولاه للقضاء العادي لما في ذلك من إحتمال تعرضه لدعاوي كيدية مع ما في ذلك من تعطيل لمصالح الدولة وتقليل من هيبة المنصب على أن لا يستمر رئيس الجمهورية الذي إرتكب فعلاً مخالفاً للقانون أو لكرامة المنصب على درجة معينة من الجسامة في منصبه وقد إختار الدستور الإنتقالي حلاً فريداً حين جعل المحاكمة تتم أمام المحكمة الدستورية و يؤخذ على ذلك الحل أن المخالفات الموجبة للعزل هي في طبيعتها سياسية وليست قانونية مما يجعل تركها للهيئة التشريعية أقرب لطبيعة المحاسبة.

ولم يتعرض الدستور بشكل قاطع لأثر هذه المحاكمة على أي إتهام جنائي قد يكون متصلاً بنفس الأفعال المشكلة لإجراءات العزل. بالنسبة لأمريكا فالمسألة واضحة في أنه سواء في حالة الإدانة أو البراءة فإن ذلك لا يمنع من مقاضاة رئيس الجمهورية جنائياً ومدنياً بعد إنتهاء ولايته وذلك للطبيعة السياسية للمحاكمة ولكن الوضع في ظل الدستور الإنتقالي مختلف فالمحاكمة تتم أمام جهة قضائية ولكنها لا تملك توقيع عقوبة وعليه فالراجح هو أن محاكمة رئيس الجمهورية أمام المحكمة الدستورية لا تمنع محاكمته مرة اخرى عن نفس الأعمال أمام المحاكم الجنائية أو المدنية بعد إنتهاء ولايته.

                        الحصانات في القانون السوداني

رغم أنه ليس هنالك في حصانة رئيس الجمهورية ونائبه الأول ما يخالف القواعد المقبولة في المستوى الدولي، إلا أن الحصانة المقررة لأجهزة  تنفيذ القانون تفعل ذلك. القانون السوداني ملئ بالحصانات وهو ما أثار القلق ليس فقط بين الناشطين في مجال حقوق الإنسان، بل أيضاً بين الرسميين الذين لا يرون في هذه الحصانات ما يحقق مصلحة للدولة. الحصانات الإجرائية التي تبناها القانون السوداني فيما عدا حصانة رئيس الجمهورية ونائبه الأول وحصانة أعضاء الهيئة التشريعية، هي حصانات يجب أن تلغي دون حوجة لأي ضجيج إضافي. مؤدى تلك الحصانات هي أن تمنع أتخاذ الإجراءات الجنائية في مواجهة المسؤول قبل الحصول على إذن جهة يحددها القانون المعني، وهو في الغالب رئيس الهيئة التي يتبعها المسؤول. ولا تقيد تلك الحصانة من يُصدر الإذن بمدة معينة يجب عليه أن يصدر فيها القرار، ولا تنظم أي وسيلة للطعن في القرار.

ما يتذرع به مؤيدو الحصانة هو أنها مقررة لصالح أعضاء في أجهزة حساسة تقوم بتنفيذ إجراءات في مواجهة الأفراد مما قد يعرضها لدعاوى كيدية ممن يكونوا قد إتخذوا في مواجهتهم إجراءات أثناء تأدية المقررة الحصانة لصالحهم لواجباتهم الوظيفية. كما يشيرون إلي أن هيبة الدولة تقتضي أيضاً منح هذة الحصانات لشاغلي المناصب الدستورية. وقد كان يمكن أن تكون لهذة الحجج وجاهة لو كان من يقرر رفع الحصانة هو جهة قضائية محايدة، ولا يعني هذا أننا ندعو لذلك، بل نشير إليه فقط من واقع أن بعض الشر أهون من بعض. ومايدعو إليه البعض من تحديد لفترة إصدار قرار في طلب رفع الحصانة، وأن عدم الرد في خلال المدة المقرره يترتب عليه رفع الحصانة بحكم القانون، هو أيضاً خير مما نحن فيه، ولكنه لا يحل المشكلة، لأن المسؤولين الذين غالباً ما يميلون لحماية مرؤوسيهم، سيعالجون ذلك بالإسراع بالرفض. كما وأن تقرير حق في الطعن في القرار سيدخل الشاكي في إجراءات متطاولة لرفع دعوى ستتكلب بدورها زمناً متطاولاً مما سيجعل الكثيرون يفضلون تركها.

أننا نرى حلاً واحداً لهذة المسألة إذا كان الأمر يتعلق بالدعاوى الكيدية فلنغلظ العقوبة عليها لمنع أو تقليل اللجوء إليها بشرط تعريفها بدقة حتي لا تصبح العقوبة حائلاً دون أصحاب الدعاوى الحقيقية واللجوء إلي التقاضي خوفاً من أن تنتهي دعاويهم بعقاب مغلظ بإعتبارها دعاوي كيدية.

 

مخالفة إلتزامات السودان الدولية

في 21 مارس 2006 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدداً من المبادئ في هذا الخصوص يطلق عليها “المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي”

 

 تلزم المادة 2 ب من المبادئ الدول باعتماد إجراءات تشريعية وإدارية مناسبة وفعالة واتخاذ تدابير مناسبة أخرى تضمن الوصول النزيه والفعال والسريع إلى العدالة.

 

تحدد المبادئ نطاق إلتزام الدول بما يلي

 الإلتزام باحترام وضمان إحترام وإعمال القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ، كما هو منصوص عليه في مجموعات القوانين ذات الصلة يشمل أمورا منها

واجب الدولة:

أ) أن تتخذ التدابير ا لتشريعية والإدارية المناسبة وغيرها من التدابير الملائمة لمنع

وقوع الانتهاكات؛

ب) أن تحقق في الانتهاكات بفعالية وسرعة ودقة ونزاهة وأن تتخذ إجراء ات، عند الاقتضاء، وفقا للقانون الوطني والدولي ضد مرتكبي الانتهاكات المزعومين؛

 ج) أن تتيح لمن يدعي وقوعه ضحية لإنتهاك حقوق الإنسان أو القانون الإنساني إمكانية الوصول إلى العدالة على أساس المساواة وعلى نحو فعال ، كما هو محدد أدناه، بغض النظر عمن يكون المسؤول النهائي عن الانتهاك؛

د) أن توفر للضحايا سبل انتصاف فعالة، تشمل جبر الضرر

والمادة 4 تقرر أنه في حالات الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، والانتهاكات

الخطيرة للقانون الإنساني الدولي التي تشكل جرائم بموجب القانون الدولي، يقع على الدول

واجب التحقيق فيها وواجب محاكمة الأشخاص الذين يزعم أﻧﻬم ارتكبوا هذه الانتهاكات

في حال توفر أدلة كافية ضدهم، وواجب إنزال العقوبة بالجناة في حال إدانتهم . وفي هذه

الحالات أيضا، ينبغي للدول أن تتعاون فيما بينها، وفقا للقانون الدولي، وأن تساعد الهيئات

القضائية الدولية المختصة في التحقيق في هذه الانتهاكات ومقاضاة مرتكبيها.

وفقاً لهذه المبادئ فإن القوانين التي تعرقل مقاضاة المنتهكين لحقوق الأنسان جنائياً ومدنياً وعلى رأسها الحصانات المقررة لمنتسبي أجهزة تنفيذ القانون تشكل إخلالاً بواجبات وتعهدات السودان الدولية مما يتطلب تنقية القوانين منها على وجه السرعة