عيسى إبراهيم *  * فتحت أوروبا ذراعيها - على الرحب والسعة والعاطفة الانسانية هي سيدة الموقف حينها - للاجئين السوريين المتدفقين عليها من كل حدب وصوب،

لعظم المأساة التي يعيشونها من جراء النزاع السياسي فيها بين بشارها ببراميله المتفجرة وشبيحته منعدمي الرحمة ومعارضيه الخارجين عليه طمعاً في تغيير النظام ذي الاتجاه البعثي الدكتاتوري، وفي التفافة من العاطفة بأسباب من هجمات باريس الذي اشترك فيها عدد من المتسللين عبر اللاجئين وفجروا أنفسهم في مجاميع من الفرنسيين في مواقع تجمعاتهم المختلفة، وبهجمات تحرش جنسي في أعياد الميلاد باعتبار من قام بها كانوا ذوي ملامح عربية من شمال أفريقيا، فجأة انزوت العاطفة الانسانية وبرز العقل الأوروبي البراجماتي يبحث ويفلفل ويضرب أخماسه في أسداسه بحثاً عن ملاذات آمنة تحتفظ له ببريق الانسانية الذي اكتسبه عاطفة حين استقبل اللاجئين، وفي نفس الوقت تضمن له هروباً مؤسساً من ما أعلنه من عاطفة تجاه هؤلاء المساكين الهاربين من رمضاء الصراع الدموي في بلادهم ليواجهوا نار العقل الأوروبي الذي أشعلت تلافيفه أحداث العنف الأعمى في باريس فتبنى اليمين المتطرف الرفض المؤسس للاجئين واكتسب مساحات واسعة من تيارات اليساريين وأحزاب الخضر والأحزاب المسيحية المعتدلة، وهات يا ضغط ويا “كبسيبة” تجاه اللاجئين عظم نزاع السياسيين في أوروبا الآن!.

* تفننت الأنظمة السياسية في أوروبا في وضع العراقيل أمام اللاجئين بالتشاريع غير المنطقية وغير الانسانية من ذلك ما حدث في الدانمارك “كوبنهاجن” من اصدار تشريع يصادر من اللاجئين مقتنياتهم المالية والمعدنية الثمينة باعتبار أن ذلك يساهم في اعاشتهم وإيوائهم وغيره من احتياجاتهم، وتشريع آخر يجعل مسافة زمنية متطاولة قبل جمع شمل الأسر المتفرقة في البلدان المختلفة، لتتجاوز مدة لم الشمل عدة سنوات – قانوناً – قبل السماح بجمع “الشتيتين” من الأسرة الواحدة إلى بعضهم بعضاً، هذه الحيل المستهجنة سارت في اتجاهها حتى “ميركل” ألمانيا بضغط من اليمين المتطرف فيها، وسارت في الركاب بريطانيا والنمسا والبقية تأتي، كل ذلك تكريهاً للاجئين حتى يخرجوا طوعاً من تلافيف الجنات الأوروبية وارفة الظلال!.

* هذا الهروب الكبير إلى الأسفل اللاأخلاقي واللاإنساني يجعل من “حبة” التصرفات الفردية العشوائية “قبة” تعترض مسيرة ادماج اللاجئين في المجتمعات الأوروبية، والتي قد تكون مقصودة من طاعون القرن الحادي والعشرين “الدواعش ومنسوبي القاعدة” حتى يحولوا بين اللاجئين والاستقرار في أوروبا فـ “يتغربنوا” ويفقدوا أصالتهم وعقائدهم وتقاليدهم “ما بدورك وما بحمل بلاك”!.

* لقد بدأت ماكينات التشاريع الوقائية تعمل في أوروبا بلا حكمة ولا روية مدفوعة بالخوف العنصري الكئيب من هجمات هؤلاء المتعصبين المتشددين “الدواعش”، وهاهي وزيرة العدل (السمراء) الفرنسية في حكومة اليسار تتقدم باستقالتها احتجاجاً على محاولة تمرير قوانين تجرد الفرنسيين بالميلاد من أصول أجنبية من جنسياتهم بجريرة الانتماء إلى متشددين والتضييق على الجاليات الاسلامية فرنسية المنشأ والميلاد فقط لعقيدتها الاسلامية، ويفرح بذلك يمين مارسيل لوبان المتطرف!، الذي كسب كثيراً بدفع وتأثير من هجمات المتطرفين في فرنسا ولسان حال اليمين يقول – كما قال في أمريكا مرشح الجمهوريين المنافس على منصب رئيس الجمهورية “ترامب” هناك استناداً على كثير من الأحداث هنا وهناك -: “ما قلت ليكم؟!”.  

* eisay@hotmail.com