د.الباقر العفيف مختار   نحن نعتقد أن بلدنا - في الوقت الحاضر - مواجه بفتنة فعلا..  فتنة ..!! لأن الجَّهل مَطلُوق.. والعلم مقَيَّد..  الجَّهل مُسَلْح ..  

الجَّهل رسمي .. عندو سُلْطة .. أو بِعْتَقِد أنو عِنْدو سُلطة..

لذلك الحركة قايْمَة ضد العارِفين من الجُّهَلاء..

وما أعتقد إلا عبر التاريخ بأن الأديان نُكِبَت بأدعِيائها أكثر مما نُكِبَت بأعدائها. 

هذه الكلمات المبصرة قالها الأستاذ محمود٬ بلغة الكلام٬ في الستينيات من القرن المنصرم. وهي صحيحة الآن بأكثر مما هي صحيحة في ذلك الزمان.. فمن سوء حظ شعبنا المرزوء، أن حكمه الأخوان المسلمون فأدخلوه عهد انحطاطه وظلامه وتخلفه.. ومن سمات عهود الانحطاط أن يطفح على السطح أمثال هؤلاء الجَّهلة والأدعياء٬ مثلما تطفح مياه الصرف الصحي٬ من باطن الأرض إلى سطحها٬ فيزكمون الأنوف نتانة ويوسعون الناس غثاثة وأذى. فقد أصبح للجهل والجهلاء منابر وصحف وفضائيات يقودها “السفلة، السّقاط، من المتاجرين بالدين والمطمورين بالخرافة، والمبخوسين حظاً بين الناس يوم قُسِّمت العقول” كما وصفهم بحق الدكتور منصور خالد٬ يمطرون الناس من فوقها بالكثير من الغُثاء والهُراء الذي لا يمكث منه شيء في أرض العقول. وليتهم اكتفوا بذلك ولكنهم يستبيحون أعراض الناس ويوسعونهم ذما وأذى وتجريحا٬ ويتطاولون على العلماء الراسخين الثّبوت.

ومن أكبر نماذج الجهل النشط هذَان المُهرّجَان المهووسَان .. أولهما العنصري الأحمق الذي ينفث زفراته “الزِّفْرة” كل صباح وكأنه تِنِّين القديس جرجس في الميثولوجيا الأوربية.. تلك الزفرات التي “إما أن تحرق ثيابك أو تجد منها ريحا خبيثا”.. واطلاق الزّفرات٬عند الأسوياء٬ ينم عن ضيق صدر وتبرم يعتري المرء حينا بعد حين٬ وهي لا يمكن أن تكون حالة طبيعية لشخص سوي. ولكنها عند هذا التِّنين حالة ثابتة مما يوحي  بأنه مريض نفسي مكانه الطبيعي مستشفى الأمراض العقلية يُحْجَر فيها إلى أن يتم علاجه وتأهيله قبل أن يُعَاد إلى المجتمع.. وثانيهما ذلك الدَّعي المتعالم “وقيع الله” الذي يشير ضجيجه العالي إلى أنه مجرد طبل أجوف وتدل ترهاته وتعاليه وتكبره إلى نفس فاسدة وعقل مظلم وقلب صدئ٬

ظل هذان القزمان يتطاولان على رجل لو جَمَعْتَهُما معا وضَرَبْتَهُما في ألف ألف من أمثالهما لما ساويا شسع نعله. 

ولكن عزاءنا أن هذه سنة الله في الكون يمضيها بحكمته تعالى شأنه. فما من نبي ولا ولي ولا مفكر أصيل يأتَمُّ بعقله إلا وأذاه أراذل قومه. والأمثلة من حولنا لا حصر لها في التاريخ القديم والحديث٬ فالسيد المسيح ٬والنبي الكريم٬ والإمام الأكبر إبن عربي٬ والإمام الغزالي٬ وإبن رشد٬ والشيخ محمد عبده٬ والشيخ علي عبدالرازق وافي٬ وفرج فودة٬ ونصر حامد أبوزيد٬ وإسلام البحيري٬ وفاطمة ناعوت٬ وغيرهم كثير٬ كلهم نُعِتُوا بالضلال والفسوق والكفر٬ في عهود انحطاط المسلمين المتطاولة٬ وحوربوا حربا قذرة ليس فيها من الأخلاق أو المروءة شيئا.  كما أنها تفتقد الفروسية الفكرية التي تُحَرِّم الكذب والبتر والتزييف لأحاديث الخصوم٬ حرب٬ بحسب د. منصور٬ “تنقل القضايا الفكرية في أسلوب غير أمين إلى الشارع ليتجادل فيها العامة الذين لا يملكون المواعين الفكرية لاستيعابها. .. يُنقَل الحديث نقلا خاطئا إلى الأذن الخاطئة لتفهمه الفهم الخاطئ وتنفعل به الانفعال الخاطئ”.

٢

خبرنا الأخوان المسلمين منذ عهد الطلب من أن غالبهم لا دين لهم ولا خلاق. عهدناهم خفاف عقول، ضيقي صدور عاطلين عن مكارم الأخلاق. تجدهم دوما متوترين متشنجين مفلسين سرعان ما يلجأون لاستخدام العنف. لذلك لا نتوقع منهم شرف الخصومة. بل نتوقع التزوير والكذب والاختلاق وغيرها من المذام التي إلى جانب كونها تطعن في مصداقيتهم تدل أيضا على إقرارهم بالهزيمة مسبقا وقبل أن تبدأ المعركة.. لأنهم إن كانوا قادرين على نقد الأفكار وضحدها كما أوردها صاحبها لما ذهبوا لتزييفها وبترها بل ووضع أحاديث على لسانه لم يقلها البتة مثل ما أورده ذلك التِّنين النٍّتن الذي كأني بمن صاغ عبارة “أجسام البغال وأحلام العصافير” كان ينظر إليه ويصفه لحظتئذ. فقد أورد الحديث النبوي ” لحظة عرج بي انتسخ بصري في بصيرتي فرأيت ربي..” إلى نهاية الحديث٬ ونسبه للأستاذ محمود بعد إبداله كلمة “محمد” في متن الحديث إلى كلمة “محمود”. وربما لا يدري التِّنين الجاهل أن هذا حديث نبوي موجود في كتب السيرة٬ بالرغم من تضعيف أصحاب العقول الضعيفة٬ مثل الدَّعي وقيع الله٬ له ولأمثاله من الأحاديث النبوية العرفانية. ومن فرط جهل هذا التنين أن شريعته الاسلامية التي يدعي الغيرة عليها لا ترى الفساد المعربد ولا المليشيات التي تقتل الأبرياء وتغتصب النساء٬ ولا ترى انتشار السرطانات والفشل الكلوي٬ ولا انهيار الخدمات الصحية والتعليمية٬ ولا الفقر المدقع الذي ملأ شوارع العاصمة بالمتسولين والمتسولات وهم متسولون ليسوا قادمين مِن مناطق “العبيد” كما يصفها هو٬ بعباراته العنصرية البغيضة٬ وحسب٬ بل متسولون من بني جلدته هو الذي يزعم أنه وشيعته من “العرب الأشراف”.. فشريعته لا ترى كل ذلك ولكنها ترى فقط شرب الخمر وبيوت الدعارة٬ دون أن يتفطن لانتشار كل أنواع الدعارة في البلاد٬ دعارة الجسد ودعارة الفكر ودعارة القلم.  

٣

فأمثال هؤلاء المُهَرِّجين لا يعرفون الحوار الموضوعي٬ ولا يستطيعون التنفس ملء رئاتهم في بيئته٬ وقد صَحَّت فيهم مقولة الجمهوريين “أزرع الأخ المسلم في أرض الحوار الموضوعي يموت موت طبيعي” وهي عبارة مصاغة بلغة الكلام. ففي السبعينيات من القرن الماضي أدخل الأستاذ محمود وتلاميذه ثقافة الحوار بالجامعات السودانية تحت مسمى “أركان النقاش” لأول مرة في تاريخ هذه الجامعات وتاريخ البلاد كلها. وحاول الأخوان المسلمون خنق المبادرة وقتلها في مهدها بالتهريج والعنف والإرهاب .. فصبر عليهم الجمهوريون وتحملوا أذاهم٬ وتعهدوهم بالتربية ٬والرعاية ودرّجوهم في مدارج الحوار درجة درجة٬ كالأطفال الذين يتعلمون المشي أول مرة .. حتى وقف منهم على رجليه من وفقه الله أن يقف واعترف بتلمذته على يد الجمهوريين في أساليب النقاش الموضوعي .. مثل الصحفي محمد طه محمد أحمد (رحمه الله) وغيره مِمَّن امتلك فضيلة الاعتراف بالفضل لأهل الفضل. وقد بدأ الأخوان المسلمون في تلكم الأزمان بدايات بعيدة في المسائل التي يثيرونها في النقاش من مثل “أنتم تقولون برسالة أولى وثانية.. فهل ستجئ رسالة ثالثة ورابعة..” ومثل “كيف ينزل الله آيات الأصول ثم يسحبها؟ هل الله يغير رأيه؟” ومثل “هذه أو تلك آية مدنية وآنتم تقولون أنها من آيات الأصول” إلى جانب الحكاية الممجوجة عن “رفع الصلاة”وغيرها من المسائل التي كانوا يثيرونها. وقد أبرز الجمهوريون حججهم القوية في الإجابة على تلكم الأسئلة٬ وأثبتوا للجميع اتساق أفكارهم وتماسك منطقهم٬ وسعة صدرهم٬ حتى استوعبت جموع الطلاب تلك القضايا ولم يعد يثيرها أحد٬ وتجاوزها النقاش بالفعل إلى أن جاء الدَّعي المتكبر وقيع الله بآخرة ليثيرها من جديد بذات الأسلوب الاستعراضي التهريجي والمنطق الضحل المتهافت٬ وهو يوهم نفسه بأنه آت بما لم تستطعه الأوائل.                                                                                                          

٤ 

ونحن نعلم أن الأستاذ محمود يشكل إحراجا أخلاقيا كبيرا للكثيرين وخاصة الأخوان المسلمين. فهم يقيسون أنفسهم إلى قامته العملاقة فيجدون أنفسهم مجرد أقزام.. وهذا يشكل عبئا نفسيا هائلا عليهم.. فمفهوم والحال كهذا أن تشتغل ميكانيزمات الدفاع لديهم وتُسْقِط كل عيوبهم عليه. وقد صاغت

الحكمة الشعبية لأهلنا البسطاء هذه الاسقاطات النفسية في عبارات بسيطة في مبناها ولكنها عميقة في معناها حيث يقولون “الفيك بدِّربُو.. والمابتلحقو جَدِّعو”.. وقد اعترف بعض مخضرمي الأخوان المسلمين بأنهم كانوا يحسون بأن البون بين الأستاذ وبينهم شاسع جدا..  فها هو الزبير أحمد الحسن يعترف أن الأستاذ محمود كان يتميز عليهم “بالزهد والأدب والصبر على الناس والتواضع والبساطة”. وأن الجمهوريين كانوا يَتّصِفُون “بسعة البال والأفق في الحوار” وأنهم كانوا “أوسع صدورا منَّا”  أي من الأخوان المسلمين .. بالرغم من استيلاده تلك الاعترافات استيلادا بعد مخاض عسير لعب فيه الطاهر حسن التوم دور “الداية”. وبالرغم من أن السيد الزبير لا يربط بين سلوك الأستاذ وتلاميذه وبين التدين السليم والعبادة الصحيحة. وكأنه لم يسمع بحديث بن عمر “دينك دينك يا بن عمر.. ولا يغرنك ما كان مني لأبويك. خذ مِن مَن استقاموا ولا تأخذ مِن مَن قالوا”.  وها هو الدكتور حسن مكي يعترف أن الأستاذ “عنده قدرات فكرية وروحية .. وأعلم مننا .. وأحسن مننا”.  كما قال أيضا : “كنا كشباب في الثانويات نجد عنده اللقمة .. نتعشى معه .. وكنا نتعجب أن الشخص الذي يشغل الساحة الفكرية شخص بسيط زاهد ومتواضع وكان المفكر الوحيد المطروحة كتبه في السوق”. هذا ما قاله الدكتور حسن مكي وكأنما كان يقرأ من قصيدة صلاح عبد الصبور في مأساة الحلاج: 

“كنا نلقاه بظهر السوق عطاشا

فيروينا من ماء الكلمات …

جوعى .. فيطعمنا

من أثمار الحكمة ..

وينادمنا بكؤوس الشوق إلى العرس النوراني”

وبطبيعة الحال فإن الدكتور حسن مكي يعرف قادة الأخوان المسلمين حق المعرفة من كون أكثرهم قادة عميان .. يقولون ما لا يفعلون.. من صنف الفريسيين الذين وصفهم السيد المسيح “بالحيّات أولاد الأفاعي” لأنهم “يأكلون بيوت الأرامل ويطيلون الصلاة”٬ و”يصفعون عن البعوضة ويبلعون البعير”. وهم “يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم. وكل أعمالهم يعملونها لكي ينظرهم الناس. فيعرضون عصائبهم ويعظّمون أهداب ثيابهم. ويحبون المتكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع. والتحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدي سيدي”.. وأضيف على ذلك الوصف أنهم عندما يقفون للصلاة يضعون أيديهم على بطونهم المتدلية ويعبثون بأنوفهم ولحاهم٬ في انتظار الفراغ منها لكيما يلحقوا بدنياهم٬ وكأن شعارهم “أرحنا منها”بدل “أرحنا بها”٬ فهم أهل دنيا وليسوا أهل دين.. ومما جاء في الأثر النبوي الشريف٬: “أوحى الله إلى داوود عليه السلام: لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، فإن اولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم”. وقد بلغ الافتتان بالدنيا عند الأخوان المسلمين مدى جعلهم “يأكلون الأموال العامة بغير حدود.. وجهارا نهارا .. وأن أطنان الأموال التي نزلت عليهم مع البترول “كسرت مواعين الأمانة لديهم”٬ بحسب شهادة الترابي فيهم٬ ومثلما انكسرت مواعين الأمانة لديهم إنفتحت مواعين الشهوات لديهم عن آخرها٬ وخاصة شهوتي البطن والفرج.

والقلوب التي نزع الله حلاوة مناجاته عنها ٬شأن صاحِبَيْنا٬  إنما هي قلوب فظة غليظة يملؤها الكِبَر والحقد والحسد.. قلوب صدئة متصدعة مثل البيوت المهجورة المسكونة بالفئران والضِّبَاب والصراصير.. لذلك لم يكن غريبا أن تمَّحي المسافة ما بين الأخ المسلم والـ Thug ..(ثَّق)  أي الشخص “العصبجي” أو “الرباط” أو “اللَّديح” عديم الحياء٬ “الما عندو كبير”٬ وقليل المروءة  الظالم٬ “البياكل الضعيف٬ ويسولب المسكين”٬ ولعل إنجاز الترابي الأكبر في برنامجه التأصيلي  هو أنه أصَّل هذه الـ  “Thuggery” (ثَّقَرِي) السودانية. فقد أبقى الترابي على جوهرها وغير مظهرها وخطابها.. ففي حين كان”الرباط” أو “عصبجي” الحارة “جارِّي عكازو” “وسكينو في ضراعو” و”صارّي عينو بلا وقيعة” ٬ تجد الأخ المسلم جارِّى “سيختو” و”جنزيرو” أو يتمنطق “مسدسو” و”كلاشنكوفو”.. “ورابط راسو” بعِصابة حمراء.. وفي حين كان “عصبجي” الحارة “يسب الدين” أثناء عدوانه على الناس٬ فالأخ المسلم “يكبر الله” أثناء عدوانه..  وفي حين كانت “الانداية” هي المكان المفضل الذي ينطلق منه “الرباط”لممارسة عدوانه على الأفراد التعساء الذين يرميهم حظهم العاثر في طريقة أصبح المسجد هو المكان المفضل للأخ المسلم لينطلق منه في عدوانه على مجتمعنا هذا التعيس الذي أبتُلِيَ بهم.. وبينما كانت الحارة والقرية والمدينة هي مجال نشاط “الرباط” أصبح السودان كله هو مجال نشاط الأخ المسلم.  والترابي مثلما “أَسْلَم” أو “أصَّل الـ”thuggery”  فهو كذلك نظَّمها فأصبح تنظيمه أكبر عصابة في تاريخ السودان تديرها مجموعة صغيرة أشبه بقادة المافيا يتآمرون جميعا ضد الشعب ويتآمر بعضهم ضد بعضهم الآخر مثلما فعل التلميذ النجيب علي عثمان مع زعيمه الترابي بصورة تشابه رواية ستيفن كينق Apt Pupilالتي حاول فيها التلميذ أن يبز أستاذه النازي العجوز. 

٥ 

وعندما اكتملت حلقات التآمر التي قادها الأخوان المسلمون وحلفاؤهم ضد حياة الأستاذ محمود٬ ونجح المتآمرون في سوقه لمنصة الإعدام بتهمة “الردة٬ وادعاء رفع الصلاة”٬ وعندما حشر  الفرعون وأعوانُه الناسَ في سجن كوبر ضُحَى٬ وعندما تقاطرت قطعان الهوس نحو السجن٬ مثل الغثاء المندفع أمام السيل٬ يُمَنَّون النفس بلحظة  تَشفِّ فيه. حدثت المعجزة. ولكنها حدثت “بهيئة لا يتوقعونها وبصورة لم يدركوها إلا بعد حين”..أراهم الأستاذ من على تلك المنصة ما أفجعهم وردهم خائبين خاسرين خاسئين منكسي الرؤوس.. تصديقا لقوله تعالى “وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين”. أراهم الأستاذ من على تلك المنصة مَنْ هو المسلم الحقيقي٬الذي أسلم وجهه لله رب العالمين.. ومن هو المُصَلِّي الحقيقي٬ المستوي على السراط المستقيم.. والذي يقف متأدبا خلف الله٬ لا يسبقه ولا يُعجِله. وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة مُصَلِّي٬ الذي يجهله الأدعياء٬ فالله سابق والعابد المُجَوِّد لعبادته المفضية به إلى منازل العبودية مُصَلِّي٬ أي سائر خلف الله برضى تام. والسائر خلف الله متحرر من الخوف. والتحرر من الخوف غير الشجاعة.. فالشجاعة لا تنفي الخوف بل تسيطر عليه بقوة العقل بينما التحرر من الخوف ينفي الخوف كلية.. وبينما الشجاعة حظ العقل القوي فإن التحرر من الخوف حظ القلب السليم الذي صار بيتا للرب فنفى عنه كل ما سواه. وحظ الجسد النوراني اللطيف الشفيف الذي جسٍّد معارفه فصارت حركاته كلها إرادية. قال الأستاذ في حديث الفداء “جاء الوقت لتجسيد معارفنا وان نضع انفسنا فى المحك ونسمو فى مدارج العبودية سمو جديد”-بلغة الكلام- .. وفي يوم الزينة ذاك ومن على تلك المنصة أوفى “الرَّجُلُ” عهدَه وأحال القولَ فعلا.. وضع نفسه في المحك وجسَّد معارفه٬ وسما في مدارج العبودية سموا جديدا..سيطر الأستاذ محمود على المشهد سيطرة تامة.. وقلب موازين القوى رأسا على عقب.. وهو الشيخ الراسف في الأغلال!! فكيف حقق تلك المعجزة؟ حققها بِسَمْتِهِ وبِبَسْمَتِهِ. اللذين عكسا نفسا مطمئنة راضية ومرضية..  

تُرى هل يعي القزمان مثل هذا الحديث؟ أم يُعْيِيهما العَيُّ عن فهمه؟  هل يعلم الجاهلان ماذا قال الأستاذ عن الانتصار على الخوف من الموت؟ إذن فليسمعا. قال “فإن انتصارنا على الخوف من الموت إنما يجيئ من اطلاعنا على حقيقة الموت.. ومن استيقاننا أن الموت في الحقيقة إنما هو ميلاد في حيز جديد.. تكون فيه حياتنا أكمل وأتم وذلك لقربنا من ربنا.. وبالموت تكون فرحتنا حين نعلم أن به نهاية كربنا وشرنا وألمنا… إلى أن يقول “هذا هو اليقين الذي باطلاعنا عليه٬ لا نتحرر من خوف الموت فحسب٬ وإنما به قد يكون الموت أحب غائب إلينا”. ترى هل فهمت الغوغاء سر البسمة؟.