التغيير: الخرطوم *البشير يستدعيهم الى بيت الضيافة لتحذيرهم من معارضة قراراته! * مرروا كل زيادات الأسعار بعد اتصال هاتفي! * نواب  في مقدمة المستفيدين من الزيادات * بعد مضاعفة فاتورة المياه والغاز.. سيارات معفاة من الجمارك للنواب  

حينما أرادت حكومة ولاية الخرطوم زيادة أسعار فاتورة المياه أرسلت العديد من “بالونات الاختبار” حيث سربت بعض وسائل الإعلام المحلية خبر الزيادة أولا ، وتلاها نفي مغلظ من والي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين بالزيادة ، ثم تهديد مدير هيئة المياه خلال برنامج تلفزيوني بالاستقالة في حال عدم تمرير الزيادات من قبل المجلس التشريعي ، وعندما ذهب بمقترحه اليهم وافقوا له دون كبير عناء مع ان نسبة الزيادة وصلت الى ١٠٠٪. وقبلها ، وعندما زادت الحكومة أسعار الغاز بنسبة ٣٠٠٪ قرر بعض أعضاء البرلمان مناهضة الزيادة عبر حملة توقيعات لعقد جلسة طارئة ولكن وبتدخل مباشر من رئيس الجمهورية عمر البشير عبر اتصاله هاتفيا برئيس البرلمان ابراهيم احمد عمر بان هذه الزيادات لا رجعة عنها وبالتالي ليس هنالك داعٍ لاي خطوة مناهضة ، اعلن رئيس البرلمان موافقتهم على الزيادات شريطة عدم تضرر “الفئات الضعيفة منها”!

 

وتبرز هاتان الواقعتان وغيرهما من الوقائع والاحداث،  مثل الجلسة الشهيرة والتي وافق فيها اعضاء البرلمان على زيادة اسعار المحروقات في سبتمبر العام ٢٠١١ وبعد وقت قياسي والتصفيق والتهليل  ، كيفية تماهي السلطة التشريعية  في البلاد مع السلطة التنفيذية بل ان بعضهم وصفها ” بالحديقة الخلفية للحكومة”. والبرلمان الذي تم تشكليه في أعقاب الانتخابات المثيرة للجدل والتي قاطعتها قوى المعارضة في العام ٢٠١٥ يسيطر عليه حزب المؤتمر الوطني الحاكم بنسبة تفوق ال ٩٠٪ في وجود عدد قليل من النواب المستقلين ونواب من أحزاب اخرى موالية للحزب الحاكم نفسه. 

 

كما اعتاد رئيس الجمهورية نفسه ، على استدعاء كتلة نواب الحزب الحاكم الي بيت الضيافة حيث مقره قبل تمرير اي قرار حكومي الى البرلمان. ويحرص البشير على الحصول على ضمانات من الأعضاء بعدم اعتراض اي قرار والتصويت لصالحه ، وكانت اكثر وضوحا عندما قررت زيادة اسعار المحروقات في العام ٢٠١١ وعندما قررت ايضا اجراء تعديلات على الدستور الانتقالي والتي كانت تهدف الى منح الاجهزة الامنية صلاحيات واسعة وتعديل مادة انتخاب ولاة الولايات والاستعاضة عنها ببند يجيز للرئيس تعيينهم ، وهذا ما حدث! 

 

وبنظرة متفحصة للنواب الذين يفترض ان يكونوا رقباء على السلطة التنفيذية فان معظمهم جاءوا يبحثون عن الثراء والحظوة السياسية عبر بوابة البرلمان. وتشير بعض التقارير الإعلامية الى ان معظم النواب هم من رجال الاعمال او من بدا هذا الاتجاه بعد الدخول اليه وبدوا فعلا في حماية مصالحهم التجارية عبر هذه النافذة. فعلى سبيل المثال – لا الحصر – فان رجل الاعمال علي ابرسي هو من كان وراء مقترح تحرير الغاز ، واقناع السلطات الحكومية بإصدار وفتح المجال امام القطاع الخاص للدخول في هذا المجال. وعلمت ” التغيير الالكترونية” ان مجموعة ابرسي التجارية ستكون اول شركة تجارية تقوم باستيراد الغاز وتوزيعه داخل البلاد بالطريقة التي تراها مناسبة. وقالت مصادر من داخل الشركة ” الان الشركة على أتم الاستعداد لاستجلاب الغاز وتوزيعه داخل البلاد بعد ان بدات فعليا هذه الخطوات قبل فترة طويلة. واعتقد ان الغاز سيجد طريقه الى داخل البلاد خلال فترة وجيزة بعد تلقي كافة التسهيلات لذلك”. 

 

 

الأكثر من ذلك ، فقد كشفت صحيفة السوداني التي يملكها رجل الاعمال وعضو البرلمان والقيادي بالحزب الحاكم جمال الوالي ان الحكومة وافقت على منح نواب البرلمان سيارات فخمة وبالاقساط المريحة والمعفاة من الجمارك والضرائب بعد التوصل الى اتفاق مع احدى الشركات التي يديرها احد رجال الاعمال والقيادي ايضا في الحزب الحاكم. كما منح النواب ايضا قطعا سكنية ،  في وقت سابق، وبعروض مغرية وفي أماكن استراتيجية.  

 

وانتقد كثير من المواطنين الذين تحدثوا ” للتغيير الالكترونية” اداء الاجهزة التشريعية خلال الفترة الماضية. وقال احمد ابراهيم وهو موظف حكومي انه لم يشعر يوما بان البرلمان يقوم بدوره كما ينبغي. ” ارى ان النواب يجرون خلف مصالحهم الخاصة وليس مصلحة المواطنين بدليل عدم وقوفهم مع الشعب حينما زادت الحكومة اسعار الغاز”. اما ابتسام الحاج وهي طالبة جامعية ، فقد دعت الجميع الى الانتفاضة في وجه البرلمان بعد ان قالت ان أعضاءه لم يقوموا بشيء لمحاسبة الفساد والمفسدين ” الفساد منتشر في كل مكان وترى كثير من التنفيذيين ورجال السلطة وهم يزدادون ثراء يوما بعد يوم وهذا ما قرأناه في الصحف ومع ذلك لم يقوموا بمحاسبة المفسدين”. 

 

ويرى المحلل السياسي حاج حمد ان البرلمان الحالي هو نموذج جيد للبرلمانات التي توصف بأنها “نافذة خلفية للحكومات”. واضاف ان هنالك تحالفا معلنا بين نواب البرلمان والسلطة التنفيذية بسبب المصالح المشتركة بينهما ” السلطة تمنح اعضاء البرلمان عدد من التسهيلات والإغراءات في مقابل ان يمرروا القرارات الحكومية”. 

 

ويعتقد حمد ان تكوين البرلمان في حد ذاته معيب حيث يسيطر عليه الحزب الحاكم وبالتالي فان اي قرار يقرره الحزب خلال اجتماعاته فهو ملزم للنواب باعتبارهم جزءا منه” لا أتوقع ان يتحسن حال البرلمان وان يقوم بدوره المناط به في مراقبة الاجهزة التنفيذية بسبب تركيبته المعيبة والتحالفات المعلنة وغير المعلنة بين النواب والحكومة والمصالح المشتركة بينهما. 

 

إن “البرلمان” في الأنظمة الديمقراطية هو المؤسسة التي تجعل السلطة التنفيذية تحبس أنفاسها وهي تعرض عليه مشاريع قراراتها ولا سيما الكبيرة منها مثل الموازنة العامة للدولة، ولكن في النظم الشمولية يتلاشى هذا الدور تماما إذ يتحول البرلمان إلى مؤسسة صورية لا تشرع إلا بأمر السلطة التنفيذية