د. فيصل عوض حسن * كيف نوحد عملتنا مع اثيوبيا المحتلة لجزء من أراضينا *"كل ما فعلته الشرطة استلام الجثتين"!  *النظام يخطط لفوضى عارمة بهدف الهروب من المساءلة *ما هو نصيب السودان من ال 11 مليار دولار التي تعهد البشير بحمايتها؟

عَشية ذكرى الاستقلال الأخيرة كتبتُ مقالاً بعُنوان (هل فعلاً السودان دولة مُستقلَّة؟)، واستندتُ في تساؤُلي الرئيسي هذا على مجموعة من المُؤشِّرات والمُعطيات الماثلة، وتحديداً، تزايُد الديون الخارجية للسودان وصعوبة سدادها مع التراجُع الاقتصادي وتوقُّف الإنتاج، بالإضافة إلى الاحتلال الأجنبي للبلاد، سواء بشكلٍ مُباشر كحالة الاحتلال الإثيوبي والمصري، أو تبعاً لاستحواذ الدائنين على الضمانات التي قدَّمتها العصابة الحاكمة للحصول على القروض، أو كنتيجة لتغيير التركيبة السُكَّانية واستبدال السودانيين بآخرين، عقب تجويع وتشريد وقَمْع وقتل أبناء البلد و(دَفْعِهِمْ) لمُغادرتها (قسراً)!

وأَرْدَفْتُ ذلك المقال بآخر، عُنوانه (اَلْسُّوْدَاْنُ بَيْنَ اْسْتِعْمَاْرِ اَلْدَّاْئِنِيْنْ وَهُرُوْبْ اَلْمُتَأَسْلِمِيْنْ)، تناولتُ فيه برامج التكيُّف الهيكلي (ومن بينها التحرير الاقتصادي)، ومُنطلقاتها وأهدافها العامَّة وعناصرها، وأوضحتُ أنَّ تحجيم دور الدولة لا يعني (انسحابها) الكامل، بل عليها إحداث الـ(مُواءمة) ووضع استراتيجيات قواعد السوق وتطوير تشريعات (التسويق والرقابة). ثمَّ أشرتُ في آخر المقال، لأنَّ البشير وعصابته يسعون لإحداث الفوضى بالسودان، حتَّى يهربوا دون مُساءلةٍ أو عقاب أو استرجاع ما نهبوه من أموال السودان، وهو هدفٌ لا يتحقَّقُ لهم إلا بالفوضى العارمة، التي بدأوا في صناعتها وتأجيجها بأكثر من منطقة ووسيلة في آنٍ واحد. حيث نجد أزمة السدودِ بأقصى الشمال في ظل نقص المياه وغياب الأراضي الزراعية التي تستدعي قيام تلك السدود، والاستفتاء الإداري بدارفور دون تهيئة مُتطلَّباته ومُقوِّماته، ومَنْعْ الإغاثة عن المنطقتين واستمرار القَصْف الجوي وانتهاك الآدمية، فضلاً عن الأزمات المعيشية المُتلاحقة كزيادة تكلفة المياه والخُبز و(انعدامه) في بعض المناطق، وإرهاصات زيادة الكهرباء والأخطر زيادة الضرائب (20%) وغيرها من الأزمات، وهي جميعاً أمور (مُستفزَّة) و(مُحفِّزة) لاستثارة الشعب الذي لم يعد قادراً على تحمُّل المزيد من الضغوط، والعصابة الحاكمة تفعل هذا (عَمْداً) وصولاً لمُبتغاها وهو الفوضى.

ومع تأخُّر الفوضى (المرجوَّة) وتصاعُد ضغوط الدائنين و(المُبتزِّين)، انتهج البشير وعصابته نهجاً آخر (ظاهره) التنصُّل من مسئولياتهم ومهامهم بحجة التحرير الاقتصادي، و(باطنه) تسليم البلاد للدائنين والطامعين بمُسمَّياتٍ مُختلفة (استثمار، تكامل وغيرها)، وجميعها تقودُ لنتيجةٍ واحدة هي ضياع السودان وتلاشيه. حيث ازدادت التصريحات المُريبة (تزامُناً) مع الإجراءات المُشار إليها أعلاه، ومن ذلك على سبيل المثال، (تَعَهُّدْ) البشير برعاية و(حماية) الاستثمارات السعودية و(إزالة) ما يعترضها، لكونها أكبر مُستثمر (عربي) باستثماراتٍ بلغت الآن (11) مليار دولار، بما يُعادل (رُبْع) الاستثمارات الأجنبية البالغة نحو 42 مليار دولار (وفقاً لبيانات وزارة الاستثمار)! دون (توضيح) نصيب السودان من هذه الاستثمارات (نقداً) أو (تنميةً) ومتى أين وكيف استلم هذا النصيب؟!

على أنَّ أخطر تصريحين للعصابة الإسلاموية، ما وَرَدَ على لسان وزير المالية بالنص: نُرَتِّبْ لخروج الدولة (نهائياً) من النشاط الزراعي وفتح الباب للقطاع الخاص للاستثمار! وللتمويه والإلهاء، دعا مُؤسَّسات التمويل العربية للعب دور أكبر لتحريك الموراد الزراعية للسودان. وهو تصريحٌ مردود، فالاستثمارات العربية (الحقيقية) كانت قائمة وناجحة، وأقول استثمارات (حقيقية) لأنَّها كانت تحت مَظَلَّة مُؤسَّسات (قومية) تُشارك فيها كل الدول العربية، ويتقاسمون إدارتها ومُراقبة أدائها وحساب وتوزيع أرباحها كلٌ حسب مُساهمته فيها، بما في ذلك السودان الذي احتواها ورعاها، ولكنها تلاشت بفساد البشير وعصابته وأفراد أسرته، بل الوزير نفسه (مشبوه) وطالب مُراجعهم العام بمُحاسبته وفق ما نشرته الصحف من قبل! وما نراه الآن عبارة عن (عِزَبْ) و(ضَيْعَاتْ) للبعض، سواء كانوا دولاً أو أفراد ولا يجد السودان نصيبه منها، والأمثلة عديدة ولا يسع المجال لذكرها وسنفسح لها حيزاً مُنفصلاً لو عشنا. والأهمَّ من هذا، ما هو دور العصابة الحاكمة طالما قَرَّرَتْ (الخروج النهائي) من إدارة أهمَّ محاور اقتصاد السودان (الزراعة)؟ ولماذا يبقى البشير وأزلامه؟ وهل فشل المُواطن والمُستثمر السوداني حتَّى يتخطُّوه للأجنبي؟ أخذاً في الاعتبار (فخاخهم) للمُنتجين الزراعيين السودانيين، وآخرهم مُزارعي السمسم بالقضارف الذين (فَرَضَتْ) العصابة عليهم أسعاراً (مُجحفة) وأدخلتهم في غياهب السجون، ثم استحوذت على محاصيلهم بأبخس الأثمان!

أما التصريح الخطير الآخر، فقد أتى على لسان مُحافظ البنك المركزي عن مساعيهم الـ(حقيقية) لتوحيد العُمْلَة من إثيوبيا، مُتوقعاً افتتاح فرع البنك التجاري الإثيوبي بالسودان خلال ثلاثة أشهر! وسبق هذا، الإعلان عن اعتزامهم (التكامُل) مع إثيوبيا التي تقتل وتُشرِّد السودانيين وتلتهم أراضيهم ومُمتلكاتهم، وآخر جرائمهم في هذا الصدد ما نَشَرَتْه الانتباهة يوم 20 فبراير 2016، عن  قتل اثنين من الرُعاة بالقضارف وإصابة ثلاثة آخرين، إثر تعرُّضهم لنيران قوة إثيوبية (مجهولة) على الشريط الحدودي، واستيلاء تلك القوة على (100) رأس من الماشية، وكل ما فعلته الشرطة هو استلام الجثتين وتكملة ما أسموه (إجراءات)! فكيف يُنادي محافظ البنك المركزي بتوحيد عُمْلَة دولته، مع دولة مُحتلَّة ومُتعدِّية باستمرار على أهله وعشيرته؟! هذا، بخلاف مُمَارَسته التضليل، ورُبَّما الجهل بمُستوى البِرْ الإثيوبي، فوفقاً لكلٍ من البنك وصندوق النقد الدَوْلِيْيَنْ، فإنَّ العملة الإثيوبية مُقدَّرة بأكثر من قيمتها بنحو 15%، وأحياناً بنحو 25%، مما يُفاقم عجز الميزان التجاري! كما يُعاني الإثيوبيون من نَقْصْ النقد الأجنبي، وذلك بشهادة وزير المالية والتنمية الاقتصادية السابق ومُستشار رئيس الوزراء الحالي، ومقولته الشهيرة (هذا النقص في العملات الأجنبية لن يتم حَلَّه طوال حياته)، وهي حقائق (مُوثَّقة) وتُؤكِّد ما قلناه سابقاً بشأن رضوخ البشير وعصابته لابتزاز الإثيوبيين، وترسيخ (احتلالهم) للبلد بجانب المصريين والأسباب معلومة.

الواقع أنَّ الكيزان في حالة تسليم وتسلُّم أو ما يُعرف بـ(خُلُوْ الطَرَفْ)، فالبلاد مُنْهَارَة على كافة الأصعدة، وأخطرها الاقتصادي تبعاً لتوقُّف الإنتاج والصادرات السودانية، وارتفاع ديوننا الخارجية بصورةٍ غير مسبوقة، ليس فقط لسوء إدارة تلك الديون، بل لعدم استغلالها أصلاً في الأغراض التي أُخِذَت لأجلها، وتحويل جانبها الأعظم لمصلحة العصابة الحاكمة بالخارج، مع تقديمهم أراضي الدولة وأصولها العقارية كضماناتٍ لنيل تلك الديون المأخوذة بفوائدٍ عالية، وحينما أتى أوان تسديد الأقساط عَجَزوا، وبالتالي (حتمية) استحواذ الدائنين على الضمانات، وهو ما سعت العصابة الحاكمة لتلافيه عبر أكاذيبها المُتلاحقة، كتصريحاتهم بنقل المصانع الصينية للسودان، أو بناء ميناء للغاز (المعدوم)، أو إقامة سدود في ظل نقص المياه وغياب الأراضي الزراعية التي تستدعي تلك السدود! وأخيراً إعلانهم الانسحاب من الزراعة المُتوقِّفة من أساسه وتسليم الأمر لما أسموه (قطاع خاص)، ثم (رعاية) و(حماية) استثمارات (سعودية) مزعومة بمبالغ مليارية خيالية لا أثر لها على حياة المُواطن ولا اقتصاد الدولة! وإكمال الكوارث بتوحيد عُملتنا والتكامل مع دولة مُحتلَّة وقاتلة لأبناء السودان وطامعة في المزيد من مقدراته!

هذه هي الحقيقة التي قد تتحوَّل لكابوس فعلي يُدَمِّرنا، ويحتاج لخطواتٍ عمليةٍ (عاجلة) لتلافيه، نتجاوز فيها البيانات والتصريحات المُستهلكة، إلى وحدةٍ حقيقيةٍ تقتلع الكيزان وتحول دون (إخلاء) طَرَفِهِمْ وهروبهم من المُساءلةِ والعقاب، وعلينا عدم الالتفات للمُغامرين بالداخل أو الخارج، فما حَكَّ جِلْدِنَا مثل أظافرنا.. وللحديث بقية بشأن من نعتقدهم أشقاء وهم العدو.